× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة تكنولوجيا ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

دلالات ما يحدث في إدلب

ع ع ع

إياد الجعفري – المدن

أياً كانت النتائج التي ستخلص إليها المعارك الشرسة على تخوم مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب، فإن الدلالات التي حملتها التطورات التي سبقت ورافقت تلك المعارك، تؤكد سمات ثابتة في المشهد الميداني والسياسي السوري، لا يبدو أنه في طور انفكاكٍ قريبٍ عنها.

أولى تلك الدلالات، التي أكدتها معارك إدلب، من جديد، أن الفصائل المعارضة والجهادية في سوريا، لا يملك أي منها، القدرة على حسم المشهد لصالحه. وأن تشتت تلك الفصائل يهدد بحذفها النهائي من المشهد. فيما تعاون تلك الفصائل، يعزز من تأثيرها على الساحة.

فبعد سلسلة انكسارات متسارعة لـ “هيئة تحرير الشام”، تحديداً، جاء الهجوم العكسي، لمختلف الفصائل، والذي أعاد الآمال بعرقلة تقدم النظام على تخوم مطار أبو الظهور العسكري. جاء هذا الهجوم بمشاركة لمختلف الفصائل الفاعلة في تلك المنطقة. وحسب المعطيات الواردة من الميدان، فإن فصائل “أحرار الشام” و”نور الدين الزنكي” و”جيش الأحرار”، وكذلك، “فيلق الشام” و”جيش النصر” و”جيش إدلب الحر” و”الجيش الثاني”، إلى جانب “هيئة تحرير الشام”.. كلها ساهمت بشكل نوعي في صد تقدم قوات النظام، وتكبيدها خسائر بشرية جسيمة.

ورغم أن مصادر ميدانية عدة، أكدت أن الفصائل المذكورة آنفاً، لا تتعاون بشكل مباشر، في غرفة عمليات مشتركة، إلا أنها على الأقل، تتعاون بشكل غير مباشر، عبر تقاسم الجبهات، كل حسب قدراته، ومناطق تمركزه.

قبل أيام قليلة فقط، كان المشهد، شرق سكة الحجاز، سوداوياً للغاية. وقبل أن تنخرط معظم الفصائل في إدلب وريفي حماة وحلب، بثقلها في المعارك، كانت المؤشرات توحي بأن النظام يتقدم باتجاه انتصار سريع وناجز. ولم تتمكن هيئة تحرير الشام، وحدها، من صد تقدم النظام، بل إن انتكاساتها السريعة، وانسحابات عناصرها المتتالية، دفعت البعض إلى اتهامها بأنها قررت تسليم المنطقة برمتها للنظام، بالفعل. فيما كان المدافعون عن الهيئة يطلبون من الجمهور التريث قبل إطلاق الاتهامات، مراهنين على تكتيك عسكري محدد، تتبعه قيادة الهيئة.

لكن، ورغم أن هيئة تحرير الشام، بالفعل، استخدمت لاحقاً، تكتيكاً استنزافياً لقوات النظام، بصورة جعلت تقدمه السريع، ورطة لمقاتليه، إلا أنه في الحصيلة، كان صدّ تقدم النظام، وتحول المعارك إلى سجال، بعد أن كان تقدم النظام، عنوانها، لم يتم، إلا بعد نزول معظم الفصائل الأخرى، إلى جانب “تحرير الشام”، بثقلٍ كبير من مقاتليها.

هي دلالة تشكل سمة ثابتة في المشهد الميداني السوري، منذ سنوات. فأحلام “توحيد البندقية”، التي داعبت خيال قادة أكثر من فصيل جهادي أو معارض، باءت جميعها بالفشل، وآلت إلى نتائج عكسية، كانت على حساب جميع الفصائل. وهو أمر ينطبق على ما قامت به هيئة تحرير الشام، التي حاولت قبل أشهر قليلة، التفرد بالمشهد الإدلبي، على حساب فصائل كانت إلى وقتٍ قريب، شريكة لها. لتكتشف من جديد، أنها عاجزة وحدها عن الصمود أمام تقدم النظام وحلفائه، وأنها مضطرة، من جديد، للقبول بوجود شركاء لها على الساحة الميدانية.

فهل استوعب قادة مختلف الفصائل المعارضة والجهادية، درس إدلب الجديد؟، أم سيبقى حُلم السيطرة والتزعم، لعنة مرافقة للحراك المسلح المناوئ لنظام الأسد؟!.. إجابة ذلك ستكون بعيد أن يهدأ غبار معارك إدلب، أياً كانت نتائجها.

وبالانتقال إلى دلالة أخرى، حملتها معارك إدلب المستعرة، والتي تكشف بدورها عن سمة أخرى ثابتة في المشهد السوري، هي عجز قوة دولية أو إقليمية، بمفردها، عن حسم هذا المشهد لصالحها. بل أكثر من ذلك، عجز معسكر إقليمي أو دولي، بعينه، عن ذلك.

ظهر ذلك جلياً منذ أن أعلن بوتين عن ترشحه للانتخابات الرئاسية المزمعة في روسيا، في آذار القادم. ومن ثم، الإعلان عن موعد محدد لمؤتمر سوتشي، الذي يراهن عليه بوتين لتخريج خاتمة سياسية للصراع السوري، وفق مصالحه ومصالح حلفائه، بصورة تسمح له بتقديمها لجمهوره في الانتخابات المرتقبة.

منذ ذلك الحين، يتعرض بوتين للابتزاز من معظم الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في سوريا. حتى من حليفيه الإيراني والأسدي. فبعضهم يريد تحصيل تنازلات، لصالحه، من بوتين، مقابل منحه هالة صانع “السلام” في سوريا. فيما يريد آخرون قطع الطريق عليه في ذلك، وإحراجه أمام جمهوره الانتخابي.

بدأت مؤشرات ذلك منذ أن أطلق أردوغان تصريحه اللافت، قبل أسابيع، في تونس، حينما أكد استحالة التوصل لحل في سوريا، بوجود الأسد. ولاحقاً، تم الحديث عن إعادة إحياء النواة الضيقة لـ “أصدقاء سوريا” الداعمة للمعارضة، في اجتماع سيتم عقده لمندوبيها، في اسطنبول، خلال شهر شباط القادم، بمبادرة فرنسية – تركية مشتركة.

ومن ثم، تعرضت قاعدة حميميم العسكرية الروسية في سوريا، لهجمات غامضة، من طائرات بلا طيار، بتقنيات عالية. ما تزال الأطراف التي تقف وراءها، غامضة أيضاً، رغم الإعلان الروسي عن معرفة المخططين لها، وتبرئة تركيا منها. ويبدو أن الاتهامات الروسية، غير المباشرة، تنحو نحو اتهام واشنطن بتدبير تلك الهجمات، لإحراج القدرات العسكرية الروسية، قبل أسابيع من الانتخابات.

في هذه الأثناء، تعلن واشنطن عن تخفيض تمثيلها في مفاوضات أستانة، وتظهر لامبالاة مطلقة حيال “سوتشي” المزمع، في تحرك يؤكد نيتها، إفشال ذلك المؤتمر.

أما الأسد، الذي استقبل مسؤولاً روسياً، مؤخراً، للتباحث حول الإعداد لمؤتمر “سوتشي”، فقد أكد رغبته بأن يتم الإعداد “الجيد” لذلك المؤتمر، في إيحاء إلى رغبة النظام السوري في تأجيل الموعد المقرر نهاية الشهر الجاري. مع العلم، أن بوتين مستعجل على عقد ذلك المؤتمر، قبل آذار القادم، كي يقدم نتائجه، بوصفها، أحد انتصاراته السياسية، أمام الجمهور الانتخابي الروسي. أي أنها محاولة ابتزاز “أسدية” لـ بوتين.

وعلى غرار الأسد، يتلكأ الإيرانيون في الإقرار بـ “سوتشي”، وسط إلحاح روسي. حيث اتصل وزير الخارجية، سيرغي لافروف، بنظيره الإيراني، بعد يومين فقط من لقاء بينهما في موسكو. وأعلن الروس أن الموضوع الوحيد الذي تم التباحث فيه، هو التحضير لعقد مؤتمر سوتشي. في الوقت الذي صمت الإيرانيون تماماً.

أما الابتزاز التركي، فتمتع بعلنية أكبر. فالأتراك حذروا من فشل مؤتمر سوتشي، بل حذروا من انهيار مسار أستانة، برمته، إن لم تتوقف حملة النظام العسكرية الشرسة على إدلب، المدعومة بغطاء جوي روسي، مُكثّف.

وهو ما ينقلنا للدلالة الثالثة، التي تكشفها معارك إدلب، وهي سمة ثالثة ثابتة أيضاً في المشهد السوري، مفادها، أن التحالف التركي – الإيراني – الروسي في سوريا، هو تحالف هش، أضعف أضلاعه، هم الأتراك. فمناطق خفض التصعيد تُنتهك، والنازحون في إدلب بمئات الآلاف، يهددون بتحميل تركيا أعباء جديدة مستقبلاً. فيما عجزت تركيا عن انتزاع عفرين، حتى الآن، بضوء أخضر روسي. في الوقت الذي تنال فيه روسيا من حلفاء تركيا، والمقريبن منها، في إدلب.

الصوت التركي المرتفع، على وقع آلام الإدلبيين، ومخاوف الأتراك من موجة نزوح ضخمة إلى أراضيهم، سرعان ما قابله الروس بمحاولات للتهدئة، والطمأنة ربما. فـبوتين، حريص على عدم خسارة تفاهماته مع الأتراك، مما يؤكد عجز الروس عن فعل الكثير، في الساحة السورية، من دون شركاء فاعلين. وإيران كحليف غير كافية وحدها لإشباع حاجة الروس للحلفاء في سوريا، للخروج بنتائج مُرضية لـبوتين. لكن رغم ذلك، يستغل الروس حالة السيولة التركية في الاندفاع وراء التفاهمات معهم، بصورة تضر بمصالح كبرى للأتراك، أنفسهم. هذا ما يبدو أن الأتراك استنتجوه متأخرين. لذا، قد تكون اتهامات النظام لتركيا، بتقديم دعم من العتاد العسكري لفصائل معارضة في إدلب، دقيقة.

هي ثلاث دلالات، تؤكد ثلاث سمات ثابتة في سوريا. لا فصيل معارضاً أو جهادياً قادر على “توحيد البندقية” لصالحه في كفة المناوئين للأسد. ولا قوة إقليمية أو دولية، أو حتى تحالف قوى، قادر على حسم المشهد السوري، لوحده. والتحالف التركي – الإيراني – الروسي في سوريا، هش، ولن يحمل مدى استراتيجياً بعيداً، على الأغلب. فتركيا في نهاية المطاف، حليف للغرب، ومصالحها النوعية، أقرب إليه، منها، إلى الروس، والتصاقها المؤقت بالروس، حالياً، مرده إلى توتراتها الراهنة مع حلفائها الغربيين، وفي مقدمتهم، الولايات المتحدة الأمريكية. توترات قد تجد في المستقبل القريب، حلولاً وسطاً، تعيد الألق لعلاقة استراتيجية بعيدة المدى، لطالما ربطت بين الأتراك والغرب.

مقالات متعلقة

  1. "جيش الفتح".. تحالف يهدف إلى تحرير إدلب
  2. فتح أوتوستراد إدلب- باب الهوى بعد ثلاث سنوات من إغلاقه
  3. خلال 4 ساعات.. تحرير مزارع بروما في ريف إدلب
  4. إدلب .. ثاني محافظة سورية خارج سيطرة الأسد

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة