× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة تكنولوجيا ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

ثقافة التطوع في سوريا.. مكسب مادي أم أخلاقي؟

موظفة في الهلال الأحمر السوري تساعد طفلًا نازحًا من الغوطة الشرقية في مركز للإيواء بدمشق 21 آذار 2018 (الهلال الأحمر العربي السوري)

ع ع ع

عنب بلدي – صبا الكاتب

“عندما تجربين العمل في هذا المجال يصبح كالسوسة لا تستطيعين التخلي عنه، أو حتى التفكير بعمل آخر”، هذا ما وصفت به نور، وهي خريجة جامعية بدأت عملها التطوعي في سوريا منذ ثلاث سنوات في جمعية رعاية للأطفال ضمن حملة لمنظمة “يونيسيف”، وتنقلت بعدها بين عدد من الجهات حتى وصلت للعمل في الهلال الأحمر السوري.

ينطلق العمل التطوعي من أي جهد أو عمل يقدمه الإنسان سواء بالوقت أو المال أو الجهد، في سبيل غايات إنسانية، وتتعاظم أهميته في المجتمعات المنكوبة التي تعاني من مآسٍ أو حروب.

بدأت نور مشوارها دون مقابل كي تصبح عضوًا فعالًا في المجتمع ولا تكون “صفرًا على اليسار”، على حد وصفها، وكان عملها لا يتعارض مع نشاطاتها الحياتية الأخرى، وأبرزها الدراسة في الجامعة.

التطوع السوري

انتشرت ثقافة التطوع بشكل واسع، عندما أُسست مؤسسات محلية مدنية سورية، بعد عام 2011، من أبرزها الدفاع المدني السوري.

وبدأ ناشطون يعملون في بعض الجمعيات الإغاثية والمختصة بالدعم النفسي، ليتطور هذا النشاط إلى مؤسسات ومشاريع ترسَل إلى ممولين بهدف تبينها ودعمها.

والتطوع، كما فسره رئيس مجلس إدارة “فريق أمان” للخدمات النفسية والاجتماعية، الاختصاصي النفسي بدر الدين الأحمر، نواة كل عمل مدني حيوي في سوريا من الإغاثة وحتى الإعلام، فالمواطنون في سوريا فرضوا أنفسهم في هذا المجال بداية بتوثيق أحداث صوروها بهواتفهم المحمولة إلى أن جاءهم الدعم المالي ليصبح إثره عملًا مستدامًا.

لكن هذه الثقافة ليست جديدة في سوريا، ولو أنها كانت محدودة ببعض المؤسسات المعدودة، كالهلال الأحمر العربي السوري، الذي يتبع له 14 فرعًا موزعين في المحافظات.

ويبدأ التطوع في المنظمة بالعمل في 22 مناوبة بحسب الاختصاص دون مقابل مالي، لمدة تتراوح من شهر إلى ثلاثة، ليبدأ بعدها المشوار مع بدل مالي.

إشكالية البدل المالي

ارتسمت عند كثيرين صورة تظهر التطوع بلا مقابل، غير أن هذه ليست قاعدة ثابتة، فقد يعوض المتطوع ببدل مالي عن مجهوده للحث عليه، وهذه جدلية تناقش دومًا بشان تحويل هذا القطاع إلى “باب رزق”، فلم تكن الأهداف الإنسانية أول غايات التطوع، وأغرى البدل المالي “العالي” عددًا من الشباب، ومنهم نور، التي أوضحت لعنب بلدي أن متوسط البدل أعادها إلى “الهلال الأحمر” بعد ثلاثة أشهر انتقلت فيها إلى عمل آخر.

ويبلغ متوسط بدل التطوع أربعة آلاف ليرة يوميًا، في الهلال الأحمر، ما يعني أن المتطوع قد يصل تعويضه إلى أكثر من 100 ألف شهريًا (في حال استمرت مناوباته طيلة الشهر)، بينما متوسط الرواتب الحكومية في سوريا تقدر بـ35 ألفًا.

ولم تخف نور أنه لولا المقابل المادي لن يستمر كثير من الشباب في نشاطهم، نتيجة ما يرافقه من ضغط ومشاهدة مآسٍ للمتضررين من الحرب الذين تستهدفهم أنشطتهم.

ورغم أن ذلك قد يدفع بغير الشغوفين بالتطوع أو الذين لا يملكون الخبرة الكافية أو حتى العاطلين عن العمل إلى الالتحاق بمنظمات المجتمع المدني رغبة بالمكسب المادي، يرى الاختصاصي النفسي بدر الدين الأحمر، أنه إيجابي من ناحية الأمان المالي، إضافة لكونه مشروعًا مقبولًا اجتماعيًا وشرعيًا، بل ويتمنى الاختصاصي منح تعويضات لجميع المتطوعين في حال توفر الدعم.

جهود بعيدة عن الأضواء

مع توسع نطاق الأزمة في سوريا، أطلق شباب فاعلون مبادرات فردية بقصد توفير مساحات للشباب تثبت ذاتهم وتلبي طموحاتهم، غير أن هذه الجهود بقيت حبيسة الوسط المحيط وبعيدة عن الإعلام رغم بعدها عن التوجه السياسي، نظرًا للخوف من السلطات والجماعات العسكرية النافذة في مناطقها.

ومن هذه المبادرات مرسم سامي (اسم مستعار)، الذي يعيش في حي جرمانا بدمشق، وتحدث لعنب بلدي عن المرسم الذي جعل منه مكانًا مجانيًا لمن يرغب في استثماره للبروفات المسرحية أو عروض أفلام بناءة وطرحها للنقاش، إلا أن تلك المبادرة، صاحبة الجهد الشخصي البعيد عن التمويل، لم تدم أكثر من سنة بعد هجرة معظم من كان يعمل بها.

التحق سامي بركب التطوع دون مقابل مادي في منظمة الهلال الأحمر ضمن شعبة جرمانا، بدءًا من 2011 ولمدة سنتان، تنقلت أدواره فيها بين الأعمال الإغاثية والميدانية إلى اللوجستية والإشراف.

وكان التطوع بالنسبة له المجال الوحيد المتاح لمساعدة السوريين، إضافة لكونها وسيلة “حماية” يغطي فيها أعمالًا يتعرض من يقوم بها دون غطاء مؤسساتي للمساءلة والمحاسبة.

فوائد على المجتمع والمتطوع

جاء التطوع في منظمات ومؤسسات المجتمع المدني، بحسب الاختصاصي النفسي، لسد النقص في حاجات مجتمعية لم تستطع أن تملأها الحكومات والمؤسسات والشركات، فهو يبني المجتمع ويحل كثيرًا من مشاكل مجتمعات الدول النامية والمتأخرة، ابتداءً باستشارة طبيب وانتهاءً بتنظيف شارع.

ولا تقتصر إيجابيات هذه الثقافة على المجتمع فقط، بل تلقي بظلالها على المتطوع نفسه، الذي يكتسب فائدة كبيرة في مشوار حياته، فاستكمل سامي مثلًا دورات في الإغاثة والدعم النفسي إضافة لتعرفه على القانون الدولي والإسعاف الأولي، كما أن اختلاطه بالأشخاص الذين يساعدهم ممن قد تصل أعدادهم في اليوم الواحد، على حسب قوله، إلى 500 شخص، عادت بالفائدة عليه في مجال التواصل معهم والاستفادة من قصصهم ومواضيعهم.

ويضيف التطوع، بحسب الاختصاصي بدر الدين الأحمر، إلى سيرة المتطوع الذاتية سجلًا من الخبرات الجديدة في مجالات عديدة وتطوير القديم منها، ويضيف له علاقات جديدة تتعزز بالعمل الجماعي والتعاون مع الآخرين.

وبما أن التطوع ليس فرضًا، فهو يوفر للشخص مساحة آمنة للتعبير عما في داخله، أما فيما يتعلق بالناحية النفسية فهو يزيد من الثقة بالنفس والعثور على مواطن الضعف في الشخصية، إضافةً إلى اكتشاف مواهب جديدة دافنة.

“تطوع متطرف”

يدرس سامي حاليًا في السنة الأخيرة من الهندسة بجامعة دمشق، بعد تأخر تخرجه سنة كاملة نتيجة عمله الإغاثي في المنظمة، لكن حال سامي لا توازي أناسًا أوصلهم التطوع إلى درجة “الاحتراق”، نتيجة الضغوط التي تعرضوا لها، بلغت حد “صراخهم أو بكائهم” في أوقات تتزاحم طلبات الإغاثة عليهم، وهذا حال عدد من أصدقاء سامي الذين دخلوا في “دوامة” تخلوا فيها، بإرادتهم، عن مستقبلهم ودراستهم وأصدقائهم وعائلاتهم في بعض الأحيان.

وأوضح الاختصاصي، أن هذا النوع يطلق عليه “التطوع المتطرف”، حينما يرجح الشخص نشاطه على ثلاثة أشياء وهي العائلة والعمل والدراسة، فيغرق عمليًا وفكريًا على حسابها، ويبدأ سلم الأولويات بالتبعثر ليصبح ما هو سنة فرضًا.

وأكد الأحمر أن هذا النوع من التطرف يصيب كثيرًا من “الشغوفين”، ويؤدي بالعديد من العائلات إلى نبذ التطوع وكرهه.

وفي جميع الأنشطة لا ينبغي للتطوع، وفقًا للأحمر، أن ينجر إلى العشوائية والفوضى، ورغم أن دخول هذا الباب اختياري يصبح التزام أبجدياته وأدبياته واجبًا له ضوابط وأخلاقيات تنظم أدوار وهيكل مؤسسة العمل الجماعي.

ستقبى نور متمسكة بالعمل التطوعي في المكان الذي تقدر جهودها فيه، على حد قولها، إن لم يكن من قبل المؤسسة فعلى ألسنة أو وجوه أو مشاعر الأشخاص المقدم لهم العون والمساعدة وهو ما يكفيها على حد قولها.

من أين أتت كلمة تطوع؟

سجل القيام بفعل التطوع لأول مرة في العالم سنة 1755، على يد شخص يدعى “فولنتير”، بينما تم توثيق استخدام الكلمة للمرة الأولى في المجال غير العسكري في الثلاثينيات من القرن السادس عشر.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية بدأ الشباب بمساعدة المحتاجين في مجتمعاتهم، تلاه تأسسيس أول جمعية أطلق عليها “الشباب المسيحيون” أثناء الحرب الأهلية الأمريكية تطوعت فيها النساء، تلتها بعدة سنوات إطلاق جمعية الصليب الأحمر الأمريكية في 1881، التي بدأت بتنفيذ عمليات الإغاثة.

أقرت منظمة الأمم المتحدة يوم التطوع الدولي في 5 كانون الأول من كل عام، ليكون فرصة فريدة للمتطوعين والمنظمات للاحتفال بجهودهم، وتقاسم قيمهم، إضافةً لتعزيز عملهم ومساهماتهم على المستوى المحلي والوطني والدولي.

ويعمل في الأمم المتحدة وحدها أكثر من 6500 في أكثر البيئات صعوبة في العالم، ويقوم 12 ألفًا من متطوعيها عبر الإنترنت بأكثر من 20 ألف مهمة. 

 

مقالات متعلقة

  1. العمل السياسي الكردي في سوريا
  2. إحياء روح العمل التطوعي في سراقب
  3. من الغوطة المحاصرة إلى ألمانيا.. كيف تغيرت حياة ناشطي الثورة السورية؟
  4. "الحوار العربي".. أبطاله أطفال من ريف حمص الشمالي

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة