× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة تكنولوجيا ثقافة سوريون في الخارج النسخة الورقية

الداء الزلاقي أو الحساسية على القمح.. كيف تسيطر عليه

ع ع ع

د. كريم مأمون

مرض الداء الزلاقي Celiac disease، أو ما يعرف بالداء البطني، أو الحساسية على القمح، أو سوء الامتصاص، هو مرض معروف منذ عشرات السنين، فقد وصف لأول مرة عام 1888، لكنه لم يعرف بشكل دقيق إلا في خمسينيات القرن العشرين، حين لاحظ باحثون هولنديون في أثناء الحرب العالمية الثانية أن هناك تحسنًا ملحوظًا لدى بعض الأطفال المصابين بسوء الامتصاص خلال الفترة التي كانوا فيها غير قادرين على الحصول على الخبز نتيجة ظروف الحرب والحصار، ثم عاودت الأعراض بعد انتهاء الأزمة عندما استطاعوا تناول الخبز من جديد، وعرف هذا المرض وقتها كمرض يصيب الأطفال والشباب الصغار، لكن تبين لاحقًا أنه قد يصيب الناس بجميع الأعمار.

ما هو الداء الزلاقي؟

هو مرض مناعي ذاتي مكتسب يصيب الأمعاء الدقيقة لدى الأشخاص المؤهبين وراثيًا للإصابة، قد يحدث في أي مرحلة عمرية منذ الطفولة وحتى الشيخوخة المتأخرة، ويتحرض بتناول الأغذية الحاوية على الغلوتين، وهو اسم يطلق على بروتينات نباتية في القمح، ومشابهاتها الموجودة في بعض الأغذية الأخرى كالشعير والشيلم، ويتألف الغلوتين من بروتينين أساسيين هما الغليادين والغلوتنين.

عندما يتناول الشخص المصاب أغذية تحوي الغلوتين، يقوم جسمه برد فعل مفرط تجاه هذا البروتين، إذ تقوم أنزيمات الترانسجلوتامينيز بتعديل تركيبة بروتين الغليادين، نتيجة لهذا التعديل يقوم الجهاز المناعي في جسم الإنسان بمهاجمة أنسجة الأمعاء محدثًا رد فعل مناعي ومسببًا حدوث التهاب فيها، يؤدي هذا الالتهاب إلى تدمير الزغب المبطن للأمعاء والذي يقوم بدور الامتصاص ما يجعل السطح المبطن للأمعاء أملس، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث سوء امتصاص للغذاء، فيحدث نقص في المعادن والفيتامينات المهمة لعمل كل من الدماغ والقلب والجهاز العصبي والعظام والكبد، ويمكن أن يسفر هذا في نهاية المطاف عن الإصابة بسوء التغذية وحدوث خلل في جميع الوظائف الحيوية.

يصيب هذا المرض حوالي 1% من الناس حول العالم، ولكن هناك الكثير من الحالات غير المشخصة، إذ توجد مقابل كل حالة داء زلاقي مشخصة سريريًا عدة حالات غير مشخصة، إما بسبب كونها خفية، أو صامتة، أو لوجود خطأ بالتشخيص، أو أنها حالة لا عرضية.

ما أسباب الإصابة بالداء الزلاقي؟

ليس هنالك مسبب واضح، لكن هناك عوامل تساعد في حدوثه:

العامل الوراثي: هو المسبب المرجح على الأغلب، فإذا كان أحد أفراد العائلة مصابًا بالداء الزلاقي، فإن احتمال الإصابة به يتراوح ما بين 5 و15%.

صدمة أو إصابة: في معظم الحالات، ولأسباب غير واضحة تمامًا، يظهر الداء الزلاقي بعد نوع معين من الصدمة أو الإصابة: العدوى (التلوث)، إصابة جسدية، ضغط نفسي (إثر الحمل مثلًا)، ضغط نفسي حاد، بعد الخضوع لعملية جراحية.

بعض الأمراض: بالرغم من أن الداء الزلاقي قد يصيب أي إنسان، فإن احتمال الإصابة بهذا المرض يكون أكبر لدى الأشخاص الذين يعانون من: داء السكري المعتمد على الأنسولين (النمط الأول)، اضطرابات الغدة الدرقية، التهاب الكولون المجهري، وخاصة التهاب القولون الكولاجيني.

جينات معينة: تبين أن لمجموعات معينة من الجينات، مثل: HLA – DQ2 و DQ8، علاقة مباشرة مع ازدياد خطر الإصابة بالداء الزلاقي، لكن الخبراء يعتقدون بأن هنالك جينات أخرى، لم يتم اكتشافها بعد، تلعب دورًا مركزيًا في نشوء الداء الزلاقي.

ما أعراض الإصابة بالداء الزلاقي؟

غالبية المرضى يعانون من أعراض عامة شائعة تشمل: الإسهال، آلام البطن، الانتفاخ.

وعادة ما تظهر هذه الأعراض الهضمية لدى الأطفال المصابين ما بين عمر 9 أشهر وسنتين بعد إدخال الحبوب والخبر إلى طعام الطفل بفترة قصيرة، ولكن قد لا تظهر على الشخص البالغ المصاب بالداء الزلاقي أي أعراض ذات علاقة بالجهاز الهضمي، إنما يكون البالغون أكثر عرضة للإصابة بأعراض تشمل: الضيق والاكتئاب، فقر الدم، المعدة المتهيّجة (العصبية)، آلام في المفاصل، تشنجات عضلية، طفح جلدي حلئي الشكل، تقرحات في الفم، مشاكل في الأسنان أو في العظام (مثل تخلخل العظم)، شعور بالتقريص والخدر في الساقين وفي كفي القدمين (اعتلال عصبي).

أما الأعراض التي تشير إلى عدم امتصاص المكونات الغذائية جراء الداء البطني فتشمل: فقد الوزن، الإسهال، المغص، الشعور بالانتفاخ والغازات، الشعور بالتعب والضعف، زيادة قابلية النزف وذلك نتيجة انخفاض نسبة فيتامين ك، لون البراز يميل إلى اللون الرمادي ورائحته عفنة وقد يحتوي على مواد دهنية، تأخر النمو لدى الأطفال.

وقد تكون الأعراض مشابهة لأعراض ترافق أمراضًا أخرى مثل متلازمة الأمعاء المُتَهيّجة (القولون العصبي)، فقر الدم، العدوى الطفيلية، الاضطرابات الجلدية أو اضطرابات في الجهاز العصبي.

ما المضاعفات المحتملة للإصابة بالداء الزلاقي؟

سوء التغذية: يسبب الداء الزلاقي نقصًا في امتصاص الغذاء، الأمر الذي قد تنجم عنه أعراض وعلامات سوء التغذية، ما يؤدي إلى فقر الدم وفقدان الوزن.

فـقـد الكالسيوم وانخفاض في كثافة العظم: الفقدان الدائم للدهنيات التي تخرج عن طريق البراز، يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من الكالسيوم وفيتامين د، ما يؤدي إلى خلل في أنسجة العظام (تخلخل العظام).

حساسية للاكتوز (سكر الحليب): بسبب التأذي الذي يحدث في جدار الأمعاء الدقيقة، قد تؤدي مركبات غذائية أخرى لا تحتوي على الغلوتين إطلاقًا إلى ظهور أعراض مختلفة مثل الآلام في البطن والإسهال،  وبعض المرضى يعانون من فرط الحساسية لسكر الحليب (اللاكتوز)، وفي هذه الحالة يجب على مثل هذا المريض التخفيف من تناول المأكولات والمشروبات التي تحتوي على اللاكتوز، بالإضافة إلى الامتناع عن تناول الأطعمة التي تحتوي على الغلوتين، وعندما تتعافى الأمعاء الدقيقة قد يتمكن المريض من تناول منتجات تحتوي على اللاكتوز.

السرطان: مرضى الداء الزلاقي الذين لا يستطيعون الالتزام بنظام غذائي خال من الغلوتين هم أكثر عرضة للإصابة بالسرطان، وخاصة سرطان الأمعاء ولمفوما الجهاز الهضمي.

مضاعفات عصبية: تبين أن للداء البطني علاقة بظهور اضطرابات في الجهاز العصبي، تشمل ظهور نوبات الصرع واعتلال عصبي محيطي.

كيف يتم تشخيص الإصابة بالداء الزلاقي؟

يعتمد تشخيص الداء الزلاقي على:

1-         الاشتباه السريري.

2-         الاختبارات المصلية.

3-         خزعة الأمعاء الدقيقة (وهي المعيار الذهبي في تشخيص الداء الزلاقي).

4-         التشخيص الراجع: بتطبيق الحمية الخالية من الغلوتين ومراقبة تحسن الأعراض وانخفاض معدل الأضداد المصلية بعد تطبيقها.

الاختبارات المصلية، والتي تشمل:

1-      أضداد الغليادين  Antigliadin antibodiesمن نوع IgA  وIgG: تمثل الجيل الأول من الأضداد التي استخدمت لتشخيص الداء الزلاقي، إذ إن نقص حساسية ونوعية هذه الأضداد مقارنة بالأجيال الحديثة جعل استخدامها قليلًا، ويقتصر حاليًا على بعض الحالات الخاصة مثل الأطفال دون السنتين من العمر، إذ تتفوق دقتها على الأضداد الذاتية التي تحتاج إلى جهاز مناعي ناضج لتكوينها.

2-      أضداد الأندوميزيوم Anti – endomysium من نوع الـ IgA: الأندوميزيوم هو النسيج الضام المحيط بالعضلات الملساء، وعلى الرغم من الدقة التشخيصية العالية لهذا الاختبار، تعتمد قراءة نتائجه على خبرة الفاحص ما يسهم في إنقاص حساسيته، ولذلك يقتصر استخدامه حاليًا على حسم بعض النتائج المشوشة.

3-      أضداد ناقلة الغلوتامين النسيجية Anti – tissue transglutaminase من نمط IgA: تمثل الجيل الثالث من أضداد الزلاقي، وهي عالية الحساسية والنوعية لتشخيص هذا الداء، لذلك أصبح هذا التحليل المصلي هو المفضل على باقي التحاليل المصلية القديمة.

وننوه إلى أن أضداد IgG لكل من الإندوميزيوم والترانس غلوتامين النسيجية على الرغم من نوعيتها العالية إلا أنها قليلة الحساسية، لذا فإن تشخيص الداء الزلاقي يعتمد بشـكل أساسي على أضداد من نوع IgA، وأمام هذه الحقيقة ينبغي ألا تغيب عن البال فكرة مهمة، وهي أن جزءًا من مرضى الداء الزلاقي لديهم نقص في IgA الكلي، والذي تتراوح نسبة انتشاره بين مرضى الداء الزلاقي حوالي 10 إلى 20 ضعفًا من نسبة انتشاره بين عموم الناس، لذا ينصح بتفقد مستوى الغلوبولينات المناعية IgA أمام كل حالة سلبية أضداد IgA مع شبهة سريرية قوية.

بالنسبة لخزعة الأمعاء الدقيقة: تعتبر حجر الأساس في التشخيص، ويتم إجراؤها عن طريق التنظير الهضمي العلوي، ويجب الوصول إلى المعي الاثني عشري والمعي الصائم حتى يكون التنظير مجديًا، وتظهر الخزعة وجود ضمور في الزغابات المعوية، وفي الحالات الأكثر تقدمًا قد تكون الزغابة غير بارزة أو ربما اختفت نهائيًا.

أما التشخيص الراجع: فعادة ما تتحسن الحالة خلال2-6 أسابيع من إزالة بروتين الغلوتين من الطعام، وتبدأ نسبة الأجسام المضادة للغليادين وأضداد الأندوميزيوم بالانخفاض تدريجيًا بعد البدء بالعلاج، وتصبح ضئيلة جدًا في الدم بعد عدة أشهر من بدء العلاج، لذا ينصح بإعادة الاختبارات المصلية وفحص الخزعات النسيجية بعد 4-6 شهور من بداية العلاج.

ما علاج الداء الزلاقي؟

لا يمكن الشفاء من الداء الزلاقي، لكن بالإمكان السيطرة على المرض، وتعتبر الحمية الغذائية الخالية من الغلوتين حجر الأساس في العلاج، ويتوجب اتباعها مدى الحياة، ويجب الانتباه لوجود الغلوتين في القمح والشعير والشيلم، إضافة لدخوله في كثير من المواد الغذائية كاللحوم المعلبة والنقانق والمشروبات الكحولية إضافة لبعض الأدوية، كذلك فإن تناول أي كمية مهما كانت صغيرة من الغلوتين مثل الفُتات من لوح التقطيع أو محمصة الخبز قد تسبب أذية الأمعاء الدقيقة، لذا فإنه يجب استبعاد الشوفان من التغذية خوفًا من تلوثه بالغلوتين في أثناء حصاده وطحنه.

وينصح بالإضافة للحمية الغذائية تناول الفيتامينات المتعددة والمعادن خصوصًا المحتوية على الكالسيوم والفيتامين د.

وأخيرًا.. ننوه إلى أنه في حال عدم حدوث تحسن في الغشاء المخاطي بعد 6 أشهر من بداية العلاج فيجب البحث والتقصي لنفي وجود أسباب أخرى لضمور الزغابات المعوية.

مقالات متعلقة

  1. حملة لقاح ضد مرض شلل الأطفال في سهل الغاب
  2. تحرك وتجارب لحفظ جينات القمح السوري
  3. فقر الدم عند الأطفال ... مرض شائع يمكن الوقاية منه
  4. أفران الحسكة تخلط طحين الخبز بالنخالة.. والأهالي يعانون

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق