ع ع ع

تقول آن فولدا، كبيرة مراسلي صحيفة “Le Figaro” الفرنسية الشهيرة، في كتابها “إيمانويل ماكرون.. من الظل إلى الرئاسة”، إن الشاب الرئيس شخص “بالغ الذكاء واللطف، وسهل المقابلة، وفيلسوف فوق ذلك”، لكن عدسات الكاميرا وثقت لـ “مانو” وجهًا آخر، حين وبّخ شابًا خاطبه بصورة “غير رسمية” خلال حشد تقليدي أمس، الاثنين 18 حزيران.

الشاب قال للرئيس “كيف حالك مانو؟”، فجاءه الردّ صارمًا “لا أنت هنا في احتفال رسمي. لا يمكنك أن تتصرف على هذا النحو. بوسعك أن تتصرف كبهلوان، ولكن اليوم نحن نغني النشيد الوطني. عليك أن تقول لي سيادة رئيس الجمهورية أو يا سيدي”.

وواصل ماكرون إهانة الشاب قائلًا “عليك أن تفعل الأمور بالأسلوب السليم. حتى إذا كنت تريد أن تقود ثورة عليك أولًا الحصول على شهادة، وأن تتعلم كيف تضع الطعام على المائدة”.

وليست المرة الأولى التي يدخل فيها الرئيس الفرنسي في مشدات كلامية مع مواطنين ومقيمين، إذ خلال سنة من توليه الرئاسة، سجلت وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية، جدالات كثيرة لماكرون مع أشخاص عاديين وعمال.

أبرز جدالات ماكرون تلك التي وضعته في حلقة من الأخذ والرد كانت مع مزارع فرنسي بسيط بخصوص مبيد حشري، إذ قال الرئيس “بالنسبة لي الفلاحون والمستهلكون عندما يقولون لي أنت كنت على دراية باستعمال “الغليفوسات” (مادة تدخل في تركيب مبيد حشري)، ولم تحرك ساكنًا، فإنهم سينظرون في عيني ولن يذهبوا للبحث عنكم”، فردّ عليه المزارع “نحن هادئون، وأنتم اهدؤوا قليلًا أرجوكم”.

الانفعال دفع ماكرون إلى التصعيد من لهجته ليرد على الفلاح “لست أنت من يعطيني الهدوء، نحن في وطننا، في فرنسا إنها الجمهورية”.

وفي شباط الماضي، تورط ماكرون أيضًا في مشادة كلامية مع حارسه الشخصي، إذ أعطى الأخير الرئيس حقيبة كانت بيده ليستخدمها مسندًا للأوراق، لكن ماكرون قلل من قيمة الحارس لكون المسند لم يناسبه، ما دفع الأخير لوصف الرئيس بـ “النذل”.

طموح سياسي وتراجع سريع

تحول إيمانويل ماكرون إلى ظاهرة سياسية منذ استقالته من منصبه الوزاري كوزير للاقتصاد في آب 2016 ليؤسس حركة “إلى الأمام” السياسية، التي حصد برنامجها السياسي دعمًا شعبيًا كبيرًا، إذ عرض نفسه كسياسي “أخلاقي” مبتعدًا عن اليمين واليسار، وقريبًا من احتياجات الشباب.

وعلى اعتباره رجل تكنوقراط، وخريج المدرسة العليا للإدارة في 2004، أقنع الكثير من الشباب بقدرته على تجاوز الازمات المالية لبلاده، وخلق فرص عمل، وتلبية تطلعاتهم.

تدرج ماكرون في مناصب عدة إذ عمل كمفتش عام للمالية لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقل بعد ذلك ليعمل في لجنة مهمتها إيجاد سياسة مالية تدعم الاقتصاد الفرنسي تحت رئاسة جاك أتالي، مستشار الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران.

في عام 2012، التحق بالرئيس السابق، فرانسوا هولاند، وعمل مستشارًا اقتصاديًا إلى غاية 2014 ليعينه هولاند بعد ذلك وزيرا للاقتصاد محل أرنو مونتبورغ، لكن هولاند أدرك طوح ماكرون السياسي إذ حاول الأخير التمرد على العمل الحكومي لتأسيس حزبه، لكن هولاند دعاه إلى احترام أصول البقاء في الحكومة.

وبالفعل غادر ماكرون الحكومة وأسس حزبه، وترشح للانتخابات، ليحصد فوزًا سريعًا، ويتحول إلى “الرئيس الشاب، منقذ فرنسا”، في عيون الصحف.

خلال حملته الانتخابية وعد إيمانويل ماكرون الفرنسيين بأن تكون “إعادة الأخلاق” إلى الحياة العامة أحد “أركان” عمله، كما عمل على تمرير مشروع قانون يفرض مبادئ أخلاقية على الحياة السياسية قبل الانتخابات التشريعية، لمنع البرلمانيين من توظيف أفراد عائلاتهم.

لكن ماكرون البالغ من العمر 40 عامًا، وبعد مرور أقل من عام على تولي الرئاسة، لم يتمكّن من الحفاظ على سمعته السياسية، إلا أن استطلاعًا للرأي نشر في آذار الماضي أظهر أن مستوى قبول الناس لأداء الرئيس تراجع إلى 40%، وارتبط الاستياء الشعبي بإصلاحات خاصة بالعمل والضمان الاجتماعي.

منتقدوه: “وقح” و”حقود” و”براغماتي”

وضعت الشخصية الحادة واللاذعة ماكرون في موقع حساسية مع مسؤولين ودول عدة، إذ وجد “المصرفي الغامض” نفسه في مواقع دبلوماسية لم يكن مهيئًا لها من قبل.

فخلال زيارته إلى بوركينا فاسو أحرج رئيسها أمام مجموعة من الطلاب بعد أن قال لهم إن عليهم أن يسألوا الرئيس عن الكهرباء، ما دفع الأخير إلى مغادرة القاعة، ليتابع ماكرون استهزاءه من الرئيس بالقول “لقد ذهب ليصلح مكيف الكهرباء”.

عربيًا، واجه ماكرون انتقادات من برلمانيين عراقيين موالين للحشد الشعبي، بعد أن طالب ماكرون بحله، ما دفع النائب عن ائتلاف دولة القانون الحكومة العراقية، زينب الخزرجي إلى وصفه بـ “الوقح”.

كما أثار جدلًا كبيرًا بمحاولاته لإعادة إحياء العلاقات مع المغرب والجزائر، إذ اعتبر وصف ما حدث خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر بـ “جريمة حرب”، الأمر الذي أدرجه محللون سياسيون في خانة كسب أصوات الجزائريين في فرنسا خلال الانتخابات.

كما عمد إلى توطيد العلاقات مع ملك المغرب، محمد السادس، من باب مالي واقتصادي، عبر تعزيز الاستثمارات، وهو ما جعل صحفًا مغربية تصفه بـ “البراغماتي”.

داخليًا، قادته الخلافات السياسية خلال وجوده في الحكومة قبل الوصول إلى الرئاسة، إلى مواجهة انتقادات عدة، إذ وصفه رئيس الوزراء الفرنسي السابق، مانويل فالس، بأنه “حقود بلا حدود”.

مانو المتقشف “ظاهريًا”

خلال حفل تنصيبه في 14 أيار 2017 ارتدى الرئيس الفرنسي بدلة متواضعة بلغ سعرها 450 يورو (أقل من 500 دولار)، واستعارت زوجته، بريجيت ترونيو، زيًا من قطعتين استعارته من دار أزياء لوى فيتون.

وبذلك ظهر ماكرون بصورة الرئيس المتقشف، بعد أن انتقد مرارًا “بذخ” سلفه هولاند.

لكن هذا التقشف لم يدم طويلًا إذ ضجت وسائل الإعلام مؤخرًا بانتقادات لزوجته بعد تسريب معلومات عن صرف قصر الإليزيه خمسين ألف يورو على أوانٍ جديدة للسيدة الأولى.

وما أجج الانتقادات أن المعلومات سُربت بعد وقت قصير من نشر تسجيل مصور يظهر ماكرون وهو يتحدث عن “مبالغ طائلة” من الأموال تم صرفها على الرعاية الاجتماعية في البلاد دون تحقيق أن نتائج تذكر.

وكان ماكرون أصر على منح زوجته لقب السيدة الأولى بمنحها مهام حكومية، وهو غير معتاد في فرنسا، إذ لا تنصّب زوجة الرئيس على انها السيدة الأولى.

وبريجيت تكبر ماكرون بـ 23 عامًا، وكانت الأضواء سلطت عليها العام الماضي بسبب الفارق الكبير بالسن بينها وبين زوجها، وتم نشر تفاصيل قصة الحب التي جمعتهما عندما كانت مدرسته. وليس لماكرون أي أولاد، بينما يساوي في العمر أحد أبناء زوجته.

مقالات متعلقة

  1. الفرنسيون غاضبون من إسراف ماكرون على التجميل
  2. معنى فوز ماكرون برئاسة فرنسا
  3. ماكرون يبحث "مستقبل" الاتحاد الأوروبي في أول زيارة خارجية لبرلين
  4. منعطفٌ سياسي في فرنسا.. ماكرون قد يكون أصغر رئيس للبلاد