تعا تفرج

عاش البطل المجنون

ع ع ع

خطيب بدلة

نشرت صحيفة “عنب بلدي” تقريرًا مصورًا عن أول بطولة للكاراتيه تقام في مدينة إدلب. برأيي أن إقامة بطولة رياضية ما، ضمن الظروف الاستثنائية التي تمر بها المدينة، شيء حَسَن، ولا سيما أن الكاراتيه نشاط رجالي، فالنساءُ في إدلب التي يحتلها تنظيم القاعدة ممنوعاتٌ من أي ظهور سياسي، أو اجتماعي، أو رياضي، أو إعلامي، ولا يجوز أن يكون لهنَّ قيمة إنسانية خارج نطاق الوَطْء وخدمة المجاهدين الشرفاء.

وعلى كل حال؛ فقد أعاد هذا الخبر إلى ذاكرتي مجموعة من الصور المتعلقة بالرياضة، ففي ذات مرة، ونحن في الصف السادس الابتدائي، كنا نمشي أنا وصديقي مصطفى في بازار معرتمصرين، ومر بنا رجلٌ متوسط القامة ذو عضلات مفتولة، فقال لي مصطفى: هذا بطل! وكانت تلك أول مرة أسمع فيها بكلمة بطل، فسألت مصطفى: شلون بطل؟ فقال لي: كان في الشام، وشارك بمسابقة لكمال الأجسام، وأخذ البطولة.

وهكذا سمعت، لأول مرة أيضًا، بمصطلح “كمال الأجسام”، أنا الذي أمتلك جسمًا يفتقر إلى الحد الأدنى من “الكمال”، والدليل أنني أصبت، في طفولتي المبكرة، بمرض يقترب بأعراضه من الصَّرَع، ثم شُفيت منه، وخلال مدة قصيرة نبقت في ساقي اليمنى من الخلف كتلة غير واضحة المعالم، فاصطحبني والدي بسببها إلى الجامعة الأمريكية في بيروت 1959، وكان على وشك أن يُدخلني إلى غرفة العمليات لاستئصالها، ولكن عاطفته غلبت عليه، وخاف أن أموت بين يديه في بلاد الغربة، فأعادني إلى معرتمصرين، ثم استؤصلت الكتلة في مدينة إدلب لدى طبيب جراح مصري حل ضيفًا علينا بفضل الوحدة اللي ما يغلبهاش غلاب.. وغابت عني الأمراضُ المختلفة حتى أوائل الثمانينيات، حيث أصيبت ساقي اليمنى بتنكس لئيم، وصرت أمشي بطريقة “خصلة وعنقود والباقي فراطة”.

خلال فترة الـ “خصلة وعنقود” أصبحتُ كاتبًا، لَدَيَّ اهتمام كبير بالحكايات الشعبية المحلية، ومنها أن رجلًا لديه محل لبيع الفول والحمصاني (المسبحة) كان يتدرب، بعد انصرافه من عمله، على رفع الأثقال، حتى أصبحت له عضلات مفتولة، وذات مرة جاءه بطل في كمال الأجسام، وأراد أن يريه ضخامة عضلاته، فقال له، وهو يكور يديه على هيئة دائرة: بدي صحن فول بطحينة. فرفع الفوال يديه إلى الأعلى كما لو أنه يرفع مئة كيلو غرام: والله نَفَّقْنا يا أخ!

وأما أغرب الحكايات الرياضية فهي أن شابًا من مدينة إدلب، اسمه حمدو، يمتلك قوة بدنية خارقة، ولكنه بلا عقل. وكان عدوانيًّا، فاضطر والده لأن يحبسه في غرفة بابها من حديد، وفي يوم من الأيام كسر حمدو الباب وخرج إلى الشارع، فرأى مجموعة من شبان حارته راكضين نحو الساحة، ومن خلال حديثهم عرف أنهم ذاهبون للفرجة على بطولة لرفع الأثقال، فركض معهم إلى مكان البطولة، وهناك رأى لاعبًا يبلل يديه بالبودرة، متهيبًا من عملية رفع ثقل كبير، ممسكًا بالحديدة من وسطها، ويحاول تنظيم نفسه، وإذا بالفتى المجنون يهاجمه وهو يصرخ عاااا، ثم حمل اللاعب والأثقال دفعة واحدة.. وهنا عم التصفيق الساحة، وبدأت الأصوات تعلو: عاش البطل!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة