غياب الرقابة الدوائية في الشمال يفتح باب إدمان المسكنات

صيدلية خيرية افتتحتها منظمة IHH في إدلب عام 2018 (الأناضول)

ع ع ع

إدلب – شادية التعتاع

“كنت أشعر بصعقاتٍ كهربائية في ساقي من شدة الألم، كانت إصابتي عصبية، واحتجت إلى تناول الترامادول لتخفيف الألم”.

وبذلك سلك الشاب عادل (اسم مستعار) طريق الإدمان، إذ أصبح يعتمد على الترامادول، وهو مسكن قوي يسبب الإدمان، لتخفيف آلامه إثر الإصابة التي تعرض لها في مدينة القصير عام 2013 خلال اقتحامها من قبل عناصر “حزب الله”.

عادل، البالغ من العمر 25 عامًا  (طلب عدم نشر اسمه الحقيقي لأسباب اجتماعية)، يقول لعنب بلدي، “شعرت أنني أصبحتُ مدمنًا، فطلب مني الطبيب التوقف عن العلاج”، لكن الحاجة الملحة لتعاطي الدواء مجددًا دفعته إلى الحصول عليه من أشخاص مدمنين، واستمر على ذلك الحال مدة ستة أشهر.

 

عادل ليس حالة فريدة في الشمال السوري، إذ تكثر حالات إدمان الشباب على مواد مخدرة، منها أدوية طبية تعطي مفعولًا مشابهًا للمخدرات، ساعد على ذلك تراجع الرقابة على بيع الأدوية وتداولها.

الصيدلاني محمد عبدو، الذي يعمل في قرية الغدفة بريف إدلب الجنوبي، أكد لعنب بلدي انتشار ظاهرة إدمان تعاطي الأدوية المسكنة، لافتًا إلى أن تلك الأدوية “متوفرة في الصيدليات، وتُصرف دون وصفة طبية، ولا يوجد رادع أو عقاب قانوني للاستخدام السيئ لها”.

ومن الأدوية التي تحوي مواد مخدرة “المسكنات المركزية مثل الكودائين والترمادول، وهي أكثر الأصناف استخدامًا في السنوات الأخيرة، لكونها توصف لتسكين نوبات الألم الحادة والمفاجئة كالقولون الكلوي، أو إصابات الحرب كالبتر، أو بعد العمليات الجراحية، إضافة إلى بعض أدوية السعال التي تحوي مثبط سعال مركزيًا من مشتقات المورفين”، بحسب الصيدلاني.

ويضيف عبدو، “من أبرز أسباب انتشار ظاهرة الإدمان، غياب الرقابة الدوائية عن الصيدليات، وعدم إلمام معظم الصيادلة بطريقة صرف هذه الأنواع من الأدوية”، إذ “يتم صرف هذا النوع من الوصفات لمرة واحدة فقط مع الشطب على الصنف المخدر في الوصفة الطبية وإرفاق الوصفة بتاريخ صرفها وختم الصيدلية حتى لا يستطيع المريض صرفها مرة أخرى، وبعض الأطباء يتحملون المسؤولية لوصفهم مثل تلك الأدوية”.

ويلقي الصيدلاني باللوم على بعض الأطباء الذي يتساهلون بوصف هذه الأدوية، ويقول إن “المسؤولية تتجلى بعدم تحديد فترة زمنية لتعاطي الدواء بما يساعد على عدم التسبب بالإدمان”.

لكن اختصاصي الإرشاد النفسي، باسل نمرة، يرى أن مشاكل الحياة وضغوطاتها بالنسبة للشباب، هي سبب مباشر لتناول هذه الأنواع من الأدوية، ويضيف في لقاء مع عنب بلدي أن “الحاجة للهرب من مشاكل الحياة وضغوطها قد تدفع بعض الشباب لتناول بعض الأدوية طلبًا للراحة ليجدوا نفسهم تلقائيًا في عداد المدمنين”.

أما عن أعراض هذا الإدمان فيقول نمرة، إنها تختلف من شخص إلى آخر، لكنها في الغالب تتجلى في “فقدان الشهية وفقدان في الوزن والشحوب في الوجه وجحوظ في العينين والانطواء، بالإضافة إلى الأعراض العصبية كالتوتر والانفعال”.

تلك الأعراض اختبرت بعضها الشابة رهف 20) عامًا) من ريف إدلب الجنوبي، التي تزوجت من شاب مدمن، وعن تلك التجربة تقول لعنب بلدي، “لم تستغرق خطبتي منه سوى 20 يومًا قبل الزواج، لاحظت من خلالها أنه قليل الكلام ويشرد كثيرًا، لكن لم يكن لدي أدنى فكرة عن الموضوع، وكنت أظن أنه خجول”.

تتابع رهف (رفضت نشر اسمها كاملًا لأسباب اجتماعية)، “بعد أيام قليلة من زواجنا بدأت المشاكل، وأصبح يضربني لأتفه الأسباب، أمه كانت الوحيدة التي تعلم بأنه مدمن على المورفين” ونتيجة ذلك قررت الانفصال منه بعد أربعة أشهر.

ورغم الأعراض التي تصاحب المدمن، لكن تلك الحالة ممكنة العلاج، فبحسب الاختصاصي النفسي، باسل نمرة، “يتم العلاج حسب الحالة، هناك علاج سلوكي وعلاج نفسي يخضع له المدمن في مراكز متخصصة، لسحب المواد المخدرة تدريجيًا من جسم المدمن وتعويضه بأدوية مغذية”، مضيفًا “قد تستغرق مدة العلاج من سنة إلى ثلاث سنوات لتجنب المريض العودة لتناول الأدوية المخدرة”.

محمد، الذي استمر في إدمان الترامادول مدة ستة أشهر استطاع التغلب على نفسه، إذ يقول لعنب بلدي، “احتقرت نفسي في أثناء الإدمان، كنت أشعر حتى صلاتي لم تعد مقبولة، فلجأت لصديق لي يعمل في مجال التمريض طلبًا للمساعدة”.

شرح محمد حالة المرض الذي عالجه بجرعات ترامادول ومورفين، ثم ترامادول ومورفين وسيتامول، وأخيرًا سيتامول فقط، ليعود إلى وضعه الطبيعي تدريجيًا ويتعافى بشكل كامل.



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة