اللمسات الأخيرة

ع ع ع

صدام عكاش

كمن يرقص على صفيح تحته جهنم تتنقل الميليشيات الإيرانية والقوى الموالية لها في سوريا من موقع إلى آخر، وكأننا أمام مشهد لقبيلة من الفئران داهم قريتهم هر جائع. فرار عشوائي يعتريه الهلع واختباء غير مدروس وتموضعات متغيرة يوميًا، وكأنها في حالة الإنذار قبل الطرد، وتتجه إلى محطة التجمع الأخيرة في المناطق الشمالية الشرقية، هذا وفقًا لتحركات قوات الحرس الثوري والميليشيات التي قوامها الشيعة العراقيون والأجانب، حتى تكون جاهزة لمغادرة سوريا حينما ترفع البطاقة الحمراء، هذا من جهة، وميليشيات حزب الله والفصائل اللبنانية الموالية له والمشاركة في الساحة السورية لصالح النظام يتجهون من الداخل السوري بشكل سري نحو الحدود السورية اللبنانية بانتظار القرار من جهة أخرى.

لم يعد الجيش السوري الذي يعتمد اليوم على سَوْق الاحتياط من ذوي الأعمار المتجاوزة للحد القانوني لسد الفجوات والثقوب والفراغات والانقسامات وتعدد الولاءات التي أنهكته، محل اعتبار للقيام بواجباته الآنية والمستقبلية خاصة لما تحمله العملية السياسية القادمة من مهام ينوء من مشاقها.

وما يصيب جيش النظام تعاني منه الأجهزة الأمنية من حيث الصراعات والتصادمات التي وصلت إلى حد التخوين بل والاقتتال في بعض المناطق فيما بين الأفرع الأمنية، كما أن اختلاف ولاءات قادة الأفرع بين موالٍ للنظام وموالٍ لروسيا وموالٍ لإيران جعلت المؤسسة الأمنية منقسمة فيما بينها، الأمر الذي تردت فيه الحالة الأمنية لدرجة وصلت التفجيرات بها إلى العاصمة واللاذقية.

وهذا الأمر ينسحب أيضًا على الحالة الإدارية التي يرثى لها، فالخدمات أصبحت شبه معدومة كلما ابتعدْتَ عن العاصمة، وحكايات الفساد والتشبيح وأسطوانة الغاز والمازوت وحليب الأطفال والغلاء مع هزالة الراتب عمت البلاد وأصبحت حديث الساعة يتم تداولها في المجالس والمقاهي ومواقع السوشيال ميديا والفنون، وهذه ترتادها الطبقة المثقفة غالبًا. لذلك بدأت ترتفع الأصوات عاليًا عند الحاضنة الشعبية للنظام معبرة عن استياء عام من هذا الوضع الميؤوس من إصلاحه رغم انحطاط الردود عليها.

تقوم روسيا بشكل محموم بتجهيز فيالق عسكرية، قوامها عناصر شابة من المطلوبين للخدمة الإلزامية، وذوي الخبرات العسكرية من بقايا فصائل المصالحات والمجموعات المقاتلة التابعة للنظام التي بوشر بتفكيكها كاللجان الشعبية ومجموعات متصارعة من الشبيحة، بالتزامن مع محاولة روسِيّة لفرط جميع التشكيلات العسكرية التي ترفض الانصياع لأوامر القيادة في قاعدة حميميم كالفرقة الرابعة، وهذا ما شهدناه من معارك بين الفيلق الخامس التابع لروسيا والفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد في منطقة سهل الغاب على مدار أيام.

قبل أيام صرح السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام: “بشار اﻷسد مجرم حرب، والمشكلة اﻷساسية وجوده بالسلطة، فمن أراد مِنَ الدول العربية أن ينتحر فليذهب إليه”، وبالأمس القريب حمّلت محكمة أمريكية النظام السوري مسؤولية قتل الصحفية الأمريكية ماري كولفين بل وذكرت أن المسؤول عن ذلك هو ماهر الأسد وبالتالي فإن ماهر الأسد هو الآخر مجرم حرب أيضًا في نظر القضاء الأمريكي. وقبل أيام وفي اجتماعه مع أعضاء هيئة التفاوض بالرياض، أكد المبعوث الأممي بيترسون على الحاجة الماسة لبيئة آمنة للمباشرة بالعملية السياسية، وأنه لا مزيد من الوقت لإضاعته.

يبدو أن عودة بعض السفارات إلى دمشق لم تكن من أجل إعادة تأهيل النظام، وإنما من أجل تجهيز جنازته، فالملف السوري أصبح في مرحلة اللمسات الأخيرة، والأسابيع المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت، والعمل جارٍ على تأهيل مطار دمشق الدولي لاستقبال الطيران المدني والدبلوماسي والسياسي، وما كسبه نظام الأسد بالآلة العسكرية الروسية والإيرانية سيخسره بالقرارات السياسية والدبلوماسية، وستكون حميميم قاعدة انطلاق الأسد إلى المجهول.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة