fbpx

خوارزميات مواقع التواصل.. هل تعزز التطرف

ع ع ع

خليفة خضر

كثيرًا ما تظهر أخبار سنوية ترصد عدد رواد مواقع التواصل الاجتماعي وعدد المسجلين وعدد الساعات التي يقضيها رواد “فيس بوك”، على سبيل المثال على الموقع. تستنتج من هذه الأخبار أن الهدف منها غير الربح عن طريق الإعلانات هو إبقاؤك على الموقع، تقلب وتبحر بين ما يظهر لك من أخبار وفيديوهات ومنشورات مقترحة، فخطة التسويق التي تسعى لها المواقع هي بقاؤك في الموقع لا التَعلُّم منه، فما يظهر لديك يناسب مزاجك لا ما يجب أن تشاهده بغية التوعية عما يحدث حولك في العالم.

كثيرًا ما تسمع أن أحدًا سلّم على شخص في شارع أو انتظر صديقًا له أمام مطعم أو تحدث مع شخص عن شيء معين في برامج الشات، فسرعان ما اقترح له الموقع إعلانًا عن المطعم أو اقترح له الشخص الذي سلّم عليه كصديق أو شاهد إعلانًا عن تلك الأشياء التي تحدث عنها للتو مع صديقه، ننبهر ونبقى نترقب ما يسر مزاجنا ويتناسب مع ما يروق لنا بعيدًا عن الأمور التي ربما قد تعكر مزاجنا أو تظهر لنا بعض الحقائق التي لا نريدها ولكنها عين الحقيقة. مزاج الإنسان ليس دائمًا على حق، لكن بالنسبة لمواقع التواصل الاجتماعي فإنها تقدم ما يريده مزاجك سواء كان بعيدًا عن الحقيقة أو قريبًا منها.

ما دفعني للتفكر بالقصة وأخذها على محمل الجد والتفكير بها وتكثيف الأسئلة لمن أقابلهم، قصة قالها لي أحد منتسبي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ممن كانوا قد قضوا محكوميتهم بعد تسليم أنفسهم لإحدى المحاكم بريف حلب، إذ أخبرني عن تجربته مع التنظيم وعن الأسباب والدوافع التي دفعته للانضمام إليه في النصف الثاني من عام 2013، إذ يقول علي (هذا الاسم الذي أطلقه على نفسه في حال نشرت المقابلة) “كنا ننتظر الساعة التي نخرج بها على الأسد ومخابراته التي تعتقل دون مذكرة توقيف ولا أي محاكمة عادلة، وشاركت بالمظاهرات السلمية ومن ثم بحمل السلاح وانتهى بي المطاف بين صفوف تنظيم الدولة”.

كان علي بعمر 21 عامًا، وكان حينها عندما يفتح نقاش في قضايا البيعة للغائب وتحكيم الشريعة، يبحث على محرك البحث غوغل عن أدلة شرعية وما يكتبه الآخرون عن القضايا التي كانت تطرح آنذاك على مواقع التواصل الاجتماعي والتحري عما هو صحيح وما هو خاطئ، وفي النهاية يبحث “عما يدخل الجنة بعد الموت”.

يواصل علي، “عندما كنت أعلق بأنه يجوز بيعة الغائب، يعلق عندي البعض أنني داعشي، وعندها لم أكن داعشيًا ولا أنتسب لأي جماعة إسلامية، كنت عنصرًا في كتيبة تتبع للجيش الحر، أنزعج من الاتهام الذي أقابل به وأجد عناصر من تنظيم الدولة يعجبون بتعليقي الذي استنتجته وفقًا لمعطيات بحثي، وسرعان ما خرجت لي الكثير من المنشورات لمقاتلي الدولة وأخذوا يضعون لي الإشارات لمنشوراتهم، وآخرون أرسلوا لي طلبات صداقة والكثير من المنشورات التي تعزز ما أستنتجه دون الرؤية الكاملة لأي موضوع، في حين لم تخرج المنشورات التي تخالف رأيي، والتي لو ظهرت آنذاك لرسمت الصورة كاملة لي ولم أقع بفخ تنظيم الدولة”.

انتسب علي للتنظيم وفي عام 2016 سلّم نفسه عن طريق وساطة أحد أقربائه وتم حكمه سنة ونصف السنة في السجن، يعقب على قصته “بعد الانضمام بفترة زمنية قصيرة تبين لي زيف ما يخبروننا به ولكن خفت العودة إلى ما كنت عليه”.

تقدم لنا مواقع التواصل الاجتماعي ما يسمى الاحتواء العاطفي والسياسي والفكري والديني، عن طريق من يبادلنا الإعجاب والتعليقات وطلبات الصداقة، لنجد أنفسنا فقط مع من يقاسموننا أفكارنا وعواطفنا وآراءنا السياسية والفكرية دون إظهار وجهة نظر الجهة المقابلة التي ربما تكون على جادة الصواب.

بعد فترة من العيش ضمن عالم افتراضي لا يوجد فيه إلا ما يروق لمزاجنا، نظن أنفسنا فقط في هذا العالم وأصحاب الرأي المخالف الذي ربما قد تصادف تعليقاتهم على الصحفات الإخبارية، يظهرون أقلية لا تأثير لهم بينما من يؤمنون بأفكارنا هم الأكثرية في هذا العالم الافتراضي، وإذا وضعت أزعجني على تعليقاتهم لا تظهر لك في وقت لاحق.

ينعكس التجمد الفكري الذي أصابنا من مواقع التواصل الاجتماعي على حياتنا الحقيقية، ونصبح أشخاصًا مزاجهم صعب ولا نتقبل رأيًا مخالفًا حتى بوجبة الطعام، ونبحث فقط عمن يشبهنا بكل شيء، نعيش صراعًا بعدم وجود أشخاص يكونون طبق الأصل لنا مثل أولئك الذين نشاهدهم على منصة العالم الافتراضي، ونُصاب بلعنة الإدمان على مواقع التواصل والعزلة الاجتماعية الحقيقية، إلى مجتمع يناسب مزاجنا فقط، مجتمع هش يتمزق بأي لحظة إثر رأي مخالف ويتجدد بأشخاص آخرين يوافقون بآرائهم ما سبب الخلاف مع السابقين وهلم جرا.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة