ع ع ع

عنب بلدي – ضياء عودة | محمد حمص

قبل ثماني سنوات انطلقت شرارة الاحتجاجات الشعبية المنادية بالحرية والكرامة والعدالة في سوريا، لكن الثورة وصلت اليوم إلى واقع معقد سياسيًا وعسكريًا وتشظ مجتمعي واقتصادي، أعاد السوريين إلى ما قبل نقطة البداية، وجعل مفاهيم كـ “الوطن” و”التغيير” و”الديمقراطية” في حالة من الضبابية والجدل المستعصي دون الوصول إلى نتائج.

وابتعد السوريون عن صناعة قرارهم، فالمسار السياسي تسيّره دول إقليمية من “جنيف” إلى “سوتشي” و”أستانة”، والأرض مقسمة بين ثلاث قوى رغم سلطتها على الأرض لا تمسك زمام القرار، وعاجزة عن رسم مستقبلها.

وربما تغير شعار “الشعب يريد” بين الأطراف المسيطرة على الأرض مع تقادم الأعوام، ورغم أن الشعار بقي متصدرًا وعلى لسان شريحة واسعة من السوريين، لم تتضح مفاهيم مطالب التغيير المنشودة، وقد عزز ذلك الشرخ الاجتماعي الكبير الذي أصاب المجتمع السوري، إلى جانب “الهزيمة” التي سيطرت على شريحة من المطالبين بالتغيير وتكاد تشمل الآخرين.

تتصدر اليوم التحركات السياسية مسار الأحداث في سوريا، وعلى رأسها اللجنة الدستورية المعول عليها لوضع دستور جديد، ويرافقها تخوف من استمرار العمليات العسكرية على الأرض، خاصةً في إدلب والمناطق على طول الشريط الحدودي مع سوريا. هذا الجو العام أثّر بشكل مباشر على أدوات السوريين للتغيير، وتسبب بمحدودية نطاق التفكير المستقبلي، الذي لا يتعدى حاليًا حدود المنطقة التي يعيشون فيها.

وقد يكون من المسلّم به أن سوريا خارج نطاق أي تغيير قريب، بسبب تركز القرار السياسي بيد الدول اللاعبة والمؤثرة في الملف، ومع ذلك قد تلعب عدة أدوات مدنية وليست سياسية أدوارًا في التغيير، ومن شأنها أن تؤسس لمرحلة جديدة يتطلع إليها السوريون ويكونوا طرفًا فيها.

مقاتل كردي يطلق النار على تمثال لباسل الأسد في الحسكة – أيار 2017 (رويترز)

المجتمع المدني.. إمكانية التكاملية والتغيير

برز المجتمع المدني كلاعب أساسي أدى دورًا مهمًا ومحوريًا في النزاع السوري، معتمدًا بذلك على استقلاليته من جهة وعلى حداثة عمله في سوريا من جهة أخرى، حيث عمل على تقديم الدعم والمساعدة لشرائح واسعة من السوريين وأخذ دور المراقب وباني القدرات والسلام، وأسهم إلى حد ما في وضع أسس واستراتيجيات لم يكن معمولًا بها في سوريا قبل 2011.

ولم يكن المجتمع المدني بمنظماته ونقاباته ومجالسه بعيدًا عن السياسة، بل دخلها بشكل غير مباشر بيد المجتمع الدولي، وخاصةً في الوقت الحالي، من خلال اللجنة الدستورية التي يشغل القسم الثالث منها، في خطوة لوضع دستور جديد لسوريا، لذلك لا يمكن إغفال دوره المحوري كأداة شريكة في التغيير المستقبلي لسوريا، في حال إشراكه بشكل كامل في مرحلة ما بعد النزاع، وبكامل أدواره.

وفقًا للبنك الدولي يشير تعبير المجتمع المدني إلى مجموعة واسعة من المنظمات: المجموعات الأهلية، المنظمات غير الحكومية، النقابات العمالية، مجموعات السكان الأصليين، المنظمات الخيرية والدينية، الجمعيات المهنية، المؤسسات.

في سوريا انقسم المجتمع المدني إلى قسمين في الداخل والخارج، ورغم عمل القسم الأول على الأرض، إلا أن النظام السوري أحكم الدائرة حوله، كونه يعي خطورة توسيع عمله والتهديد الذي قد يتعرض له من خلاله، أما القسم الآخر في الخارج وهو الذي كان فضاؤه مفتوحًا واستطاع الوصول إلى دوائر القرار، واستقطاب دعم لازم للسوريين في الخارج وعلى الأرض، لكن في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني لإحداث تغيير في سوريا؟ سؤال لا بد من الإجابة عنه، والوقوف على دور هذه المنظمات في عملية البناء بمرحلة ما بعد النزاع، والطريقة التي سيتم إشراكها بها، واحتمالية النجاح أو الفشل.

يرى مدير اتحاد المنظمات الطبية والإغاثية “”UOSSM، زيدون الزعبي، أن المجتمع المدني لن يلعب دورًا واحدًا وحقيقيًا “إلا بعد أن يصبح مجتمعًا مدنيًا”، بمعنى أن منظمات المجتمع المدني حتى الآن هي مجتمعات وإرهاصات لمنظمات متفرقة ومنقسمة.

ويقول الزعبي، في حديث إلى عنب بلدي، إن الدور الأهم الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع هو أن تبدأ بنفسها أولًا لكسر خطوط الصراع، ولتشكل جبهة مجتمع مدني واحدة رغم تبايناتها، أي تعتبر نفسها تنتمي إلى قطاع واحد لا إلى قطاعات متحاربة، موضحًا، “يجب أن تكون أولًا ذات صيغة واحدة لتكون قادرة على العمل مع بعضها”.

وكنقطة بداية في عملية التغيير يجب أن تكسر منظمات المجتمع المدني الحواجز فيما بينها، لتكون قادرة على التأثير على المجتمع مستقبلًا، وعليها أن تخلق ضابطًا بين هذه الخطوط، وهذه خطوة متقدمة يمكن العمل عليها، وهي أداة تغيير هائلة بحد ذاتها لأن المجتمع المدني في سوريا حديث العهد، ولا يزال في طور التشكل، لكنه متقدم في عدة مسائل يجب البناء عليها.

والمجتمع المدني، اليوم، هو ثلاثة مجتمعات مدنية بأحسن الأحوال، تتسم بسمة سياسية بناء على الجغرافيات وعلى الجهة السياسية التي تميل لها، بحسب الزعبي، الذي يوضح أن وجود مساحة لمنظمات المجتمع المدني للعمل سيؤدي إلى دمقرطة المجتمع ودمقرطة الدولة، وفي حال كسر الحواجز سيفضي الأمر إلى مجتمع مدني متماسك ومساحة للعمل، وبالتالي إحداث تغيير جذري في المجتمع والدولة.

ويقول الزعبي إن منظمات المجتمع المدني ستلعب أدوارًا كثيرة أخرى في المستقبل، في إعادة الإعمار والعدالة الانتقالية ودورها في التماسك الاجتماعي، والإغاثة وإعادة التنمية، وكل ذلك من منطلق قطاعاتها.

واستنادًا إلى الدور الأساسي الذي يجب أن تلعبه منظمات المجتمع المدني، وهو كسر الحواجز فيما بينها، تدفع الظروف الحالية التي تمر بها سوريا إلى التركيز على فكرة تنظيم هذه المنظمات، كونها الأداة والوسيلة الوحيدة للتغيير المجتمعي، والتي سيكون إشراكها في شكل التغيير المستقبلي أساسيًا، في ظل شرخ اجتماعي وانفسام سياسي تشهده الساحة في سوريا.

وتأتي أهمية التنظيم كون هذه المنظمات البديل و”الأمل الوحيد”، الذي قد يفضي إلى التغيير الذي يريده السوريون، والبعيد بشكل أو بآخر عن المسارات السياسية، وما تخطط له الدول الإقليمية.

ويشير الزعبي إلى نقطة مهمة، وهي الدور التكاملي الذي يلعبه المجتمع المدني مع بعضه، فإذا حاولنا خلق شكل واحد للمجتمع المدني، ستكون الخصومات قليلة والعداوات كذلك.

وبالعودة إلى نوعي المجتمع المدني في سوريا، فالأول الذي في الخارج له قدرة وصول كبيرة إلى المانحين وإلى دوائر صنع القرار والمنظمات الأممية والجاليات في المغترب وإلى جميع أشكال الموارد، ولديه أيضًا موارد كبيرة في الداخل والخارج، لكن قدرته على التغيير في الداخل قليلة.

أما المجتمع المدني في الداخل، فيوضح الزعبي أنه قادر على التغيير والتأثير المباشر، كونه موجود على الأرض، لكن تعترضه صعوبات بالوصول إلى دوائر صنع القرار العالمية، إلى جانب صعوبة الوصول للموارد المالية والوصول إلى الموارد المعرفية وإلى الجاليات في الخارج، التي تقدر بثلث السكان، ومن شأن التكامل ما بين الطيفين ضمن المجتمع المدني الواحد خلق آليات وأدوات جديدة تساعد في إعادة النهوض في المجتمع.

في سياق ما سبق، يرى الزعبي أن أهمية المجتمع المدني تكمن كونه قادرًا على التحلي بوجهة نظر نقدية تجاه الأطراف المتصارعة حاليًا، من ناحية أولى. أما من ناحية أخرى فالمجتمع المدني موجود في اللجنة الدستورية، لكنه يحضر اليوم في المساحة التي حددها له المجتمع الدولي، ولا يقوم باجتراح مساحات أخرى خارج هذا الإطار، “وهذا الأمر خطير”، بحسب تعبير الزعبي.

وبالتالي فإن منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المدنية المتحاربة جميعها دون استثناء تنتظر المساحة المتاحة لها، دون المبادرة والبحث عن مساحة جديدة أو البحث عن فرص أخرى للعمل، وفق الزعبي، الذي يوضح أنه كي يتمكن المجتمع المدني من إحداث التغيير المرجو على الأقل في نصوصه المكتوبة يجب أن يجترح مساحات جديدة لا ينتظر بها المجتمع الدولي.

شبان في مسيرة مؤيدة للنظام السوري في القامشلي – كانون الأول 2018 (afp)

تغطية الإيجابيات وإبراز السلبيات..

طريق للتغيير بالإعلام

عاشت سوريا حوالي نصف قرن في كنف إعلام واحد لا بديل له ولا منافس، تقوده مؤسسة الدولة السورية تطوعه أينما وكيفما شاءت، ومع بداية الاحتجاجات كان لا بد لخطاب آخر يروي الحقيقة ويصف ما يجري دون توجيه أو تسيير، فنشأت وسائل إعلامية وصفت بـ “الثورية” تارة و”البديلة” تارة أخرى وعلى اختلاف التسمية تطور دور الإعلام إلى مدى أبعد مما نشأ عليه في التوعية وزرع فكر التغيير في الإنسان السوري.

وبالحديث عن دور الإعلام في المرحلة الحالية بالساحة السورية، عاد الصحفي، نصر اليوسف، في حديثه لعنب بلدي إلى الخلف، على مدى خمسين عامًا “من تسلط العصابة العائلية” على رقاب السوريين، إذ انتزعت، بحسب تعبيره، كل شيء خيّر في الشخصية السورية، ورسخت مفاهيم وقيم مفيدة لها، كـ “التزلف والتملق والنفاق” ليصبح المجتمع السوري “مريضًا وبحاجة إلى أطباء نفسيين وعلماء اجتماع”.

وتابع اليوسف أن المجتمع السوري كان بحاجة إلى هزة عنيفة لاقتلاع الظواهر السلبية من نفوس السوريين وتوجيهه نحو التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الطبيعي الذي صار في كل المجتمعات الحرة، ولكن هذه الهزة جاءت بمنعكسات سلبية، وفق وصفه.

دور الإعلام السوري في المرحلة الحالية يتجلى بمرتكزات أساسية على رأسها تغطية الأحداث لا اختلاقها، والابتعاد عن التسيير عن طريق صناع القرار في سدة الحكم.

ويرى اليوسف أن من واجب الإعلام أن يكون نزيهًا يغطي الإيجابيات وينشرها، ويبرز السلبيات ويكشفها، ولا يتستر على العيوب، ولا يضخم أخطاء الآخرين لتغطية أخطاء الغير، وألا يضخم الإنجازات، وهذا “خطأ فادح”، معتبرًا أن ما ارتكبه الإعلام “الثوري فظاعة” وأنه فشل فشلًا ذريعًا، في هذا الإطار، ما أكسب نظام الأسد وحلف المقاومة نقاطًا كثيرة على الإعلام “الثوري”.

في حال مقارنة أين نجح الإعلام “البديل” أو “الثوري” وأين فشل في عملية التغيير، فإن الإخفاقات كثيرة على حساب النجاحات التي تكاد لا تذكر، وفق اليوسف، فـ”للأسف الشديد، كل وسيلة تعزف معزوفة، فتعددت وتشرذمت الجهود، وبمثل هذه المعركة عندما تكون الجهود مشتتة يصعب أن تحقق انتصارًا”.

وعلى اعتبار التغيير هو الضرورة الملحة في الوقت الراهن، فإن الإعلام واحد من أهم أدوات التغيير الحالية والتي يمكن أن تجري تغييرات على المجتمع وأخرى على الإنسان السوري، وعلى الإعلام، وفق الصحفي نصر اليوسف، أن يكون مسهمًا في إعادة تهذيب النفس السورية، بالوسائل المتاحة المعتادة (السمعية والبصرية والفكرية)، وعدم إغفال الإيجابيات التي تصب في إصلاح التربية والمعرفة والتفكير لخلق الإنسان السوري الجديد، وتسليط الضوء على كل سلبية وإظهارها، كما تجب الاستعانة بالخبراء المختصين من علماء السياسة والاجتماع وإعلاميين واعين لتقديم الخدمة للمجتمع.

واعتبر اليوسف أن الإعلام الموجه، الذي يكون عصاة طيعة بيد صانع القرار، واحدة من الطرق “المستقيمة” للفشل، وهذا الإعلام يشوه التفكير، ويخلق أناسًا عبيدًا غير قادرين على التفكير، وبينما تسبح وسائل الإعلام الحكومية بحمد صاحب القرار، ليس لدى المواطن بديل يأخذ بيده إلى طريق آخر لتفهّم الظواهر الاجتماعية والحركات المجتمعية التي تحيط به، وبالتالي يستطيع صانع القرار، الديكتاتور، توجيهه كما يشاء.

الملف الحقوقي السوري أداة حصر وكبح

بأداة التغيير الثالثة، يخلق الملف الحقوقي السوري حالة مثالية ذات أثرين أحدهما قريب المدى وآخر بعيد، وكان أبرز  الملفات الحقوقية ملف “سيزر” وهو ضابط منشق عن النظام السوري، سرّب 55 ألف صورة لـ 11 ألف معتقل عام 2014، قتلوا تحت التعذيب، وعرضت تلك الصور في مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي أقر قانون “حماية المدنيين” في سوريا ويعرف باسم الملف ذاته “سيزر”، ويضمن عقاب داعمي النظام السوري.

ولكن الملفات الحقوقية في سوريا ومحاسبة الأسد في الخارج ليست بديلًا عن التغيير السياسي في الداخل، وفق ما يرى الصحفي والحقوقي منصور العمري، في حديث إلى عنب بلدي، الذي أشار إلى أنه من خلال تلك المحاسبة قد يستمر الأسد مسيطرًا على سوريا لفترة، ولكن على الطراز الكوبي أو الكوري الشمالي، سيبقى معزولًا ومنبوذًا لدى أغلب دول العالم.

تحمل الدعاوى القضائية وجهود المناصرة والعدالة جانبًا سياسيًا، وفق العمري، فهي تقيد الحكومات الأوروبية من التعاون مع مجرم مدان في محاكمها في ملفات إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين وإعادة تأهيل النظام.

كما تساعد الأداة الحقوقية في كبح مشاريع ومقترحات بعض الدول أو السياسيين في إعادة اللاجئين أو التعامل مع الأسد بأي شكل.

ويتمحور دور العاملين بالمجال الحقوقي تجاه المجتمع، وفق العمري، بالالتزام بما يعملون من أجله “شخصيًا وأخلاقيًا” فلا ينبغي على الحقوقي أن يمارس تورية الحقائق، أو إخفاءها أو المبالغة في التصريحات أو الحديث عن جدوى أعماله، والابتعاد عن تأسيس تجمعات أو صفحات وهمية بأسماء رنانة قد تفقد الناس ثقتها بالعمل الحقوقي.

وأضاف العمري أنه من الواجب على الحقوقيين التعامل بإيجابية مع وسائل الإعلام والتجاوب معها قدر الإمكان لمساعدتها في تأدية واجباتها بتسليط الضوء على هذا العمل وتوضيحه للجمهور، ودعم جهود العدالة وحقوق الإنسان ونشر ثقافة المساءلة والمحاسبة وتسليط الضوء على أهمية تحقيق العدالة للسوريين لبناء مجتمع صحي وسليم بعيدًا عن الحسابات السياسية.

وعلى الإعلام دور مماثل في الوصول للمصادر لتبيان الحقائق ما يسهل إتاحة المنظمات الحقوقية والحقوقيين سبل تواصل واضحة للإعلام.

ويرى الحقوقي منصور العمري أن المنظمات الحقوقية تبذل جهودًا لحفظ واسترداد حقوق السوريين، وينبغي أن تخصص منبرًا لنشر أخبار أعمالها بالتفاصيل دون اجتزاء أو غموض أو تعميم في تقديم أخبار عملها، ونشر بيان تفصيلي للسوريين بمعطيات كل مؤتمر واجتماع دولي.

وتعتبر توعية الجمهور إحدى مهام الحقوقيين والمنظمات المعنية، من خلال تخصيص جزء من جهود المنظمات لشرح أهمية المحاسبة والعدالة وحفظ الحقوق، وطرق الإبلاغ عن الجرائم، وتشجيع الضحايا على الإبلاغ وتبيان طرق الإبلاغ القانونية في كل دولة حسب المتاح، وحثّ كل من لديه شهادة على هذه الجرائم أو يعرف معلومات عن مكان وجود أي مرتكب، على التقدم بالإبلاغ عنه، علمًا أن سرية الشهادة وأمن صاحبها أولوية لدى الجهات الشرطية أو القضائية في أوروبا، ولدى المنظمات والمحامين السوريين.

يتم ذلك من خلال وسائل الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، وإفساح المجال أمام أنشطة متعلقة بهذا الشأن، كورشات العمل، والمحاضرات، وحتى من خلال التطبيقات الذكية في الهواتف التي تعتبر أهم منافذ الوصول وأكثرها انتشارًا والتصاقًا بالجمهور.

ووفق العمري فإن المطلوب من المنظمات الحقوقية التنسيق فيما بينها، والتعاون لا التنافس المسيء الذي يضر بالملف الحقوقي بمجمله وبالتالي بالسوريين عمومًا، معتبرًا أن هذه المنظمات تتحمل المسؤولية الحالية والتاريخية تجاه السوريين، وأي تقصير بلا مبرر، أو تنافس ضار سينعكس سلبًا على ملايين السوريين، إذ إن من حق السوريين على هذه المنظمات والعاملين في المجال الحقوقي أن يعرفوا تمامًا ما هو الموقع الحالي للملف الحقوقي كل حسب اختصاصه، وأن يعلموا ما هي الاستراتيجيات الحالية والمستقبلية لهذا العمل.

استطلاع: فرصة التغيير في سوريا مشروطة

تقاربت آراء المشاركين في استطلاع أجرته عنب بلدي عبر منصاتها الإلكترونية، بين من رأى أن هناك فرصة للتغيير في سوريا وربطها بالإمكانيات المتوفرة لدى الشعب السوري، وبين من اعتبر بأن الفرصة ليست موجودة بسبب تعدد مناطق النفوذ والانقسام الذي تعيشه الأرض السورية.

وطرحت عنب بلدي سؤالًا عبر موقعها الرسمي وصفحتها في “فيس بوك” مفاده “هل لا يزال هناك فرصة للتغير في سوريا.. ولماذا؟” وشارك في التصويت 1332 مستخدمًا.

ورأت نسبة 58% من المستطلع رأيهم أن هناك فرصة للتغيير في سوريا مع تباين وجهات النظر حول ذلك.

وقال “أبو جمال العكيدي” تعليقًا على الاستطلاع في “فيس بوك”، “ربيع سوري جديد وسيكون هذه المرة أسرع وأخطر على النظام، السبب تعلمنا من أخطائنا، أما النظام استنزف كل ما لديه من حنكة سياسية وخبث، واقتصاده منهار، وجيشه لم يعد قادرًا أن يتحمل ثورة أخرى، الأمر فقط يحتاج إلى النفخ على الشرارة التي تشتعل في درعا ودمشق”.

بينما اعتبر محمد تميمي أن الفرصة موجودة وإن تضاءلت نسبتها “والأمل بالله كبير والتغيير قادم قادم”.

في حين استبعدت نسبة 42% من المستطلع رأيهم أن تكون هناك أي فرصة تغيير في سوريا، وربما يأتي ذلك من الانقسام الذي تعيشه الأرض السورية والمصالح الدولية.

وقالت هاجر عكاش، عبر “فيس بوك”، “سوريا انتهت للأسف… حاليًا هي موقع جغرافي بالخريطة فقط، أما على الواقع فهي كتلة جليد تذوب شيئًا فشيئًا”.

ما التغيير الممكن في سوريا؟

ترسم الدول الإقليمية اللاعبة في سوريا تغييرًا لسوريا كل منها على حدة، بما يخدم أهدافها التي عملت عليها منذ دخولها في الملف السوري، الأمر الذي يخرج السوريين من اختيار شكل دولتهم والأسس التي ستقوم عليها، إلى جانب العلاقة المجتمعية التي سيكونون عليها ويعيشون بموجبها على “الأرض السورية”.

سيناريوهات للتغيير بيد الدول

الأكاديمي والباحث السوري، طلال مصطفى، يرى أنه لا بد من التأكيد على مسلّمة سياسية رئيسية فيما يخص أفق التغيير المقبل في سوريا، وهي خروج السوريين كافة من معادلة التغيير المقبل إن كان النظام السوري أو المعارضة السياسية السورية.

ويقول مصطفى في حديث إلى عنب بلدي إن الواقع الحالي يشير إلى سيناريوهات متعددة للتغيير في سوريا مستقبلًا، ويمكن ترجيح البعض منها على الآخر، بينها السيناريو الإيراني، الذي يعمل منذ انطلاق الثورة عام 2011 على عودة النظام السوري إلى سيطرته إلى ما قبل 2011 بل إلى حقبة الأسد الأب في الثمانينيات، و”هذا ما لوحظ على أرض الواقع من خلال الدعم العسكري غير المحدود للنظام تحت سقف الهيمنة الإيرانية لتحقيق الحلم الإيراني من خلال التحالف الإيراني العراقي وصولًا إلى لبنان من خلال هيمنة حزب الله عسكريًا في لبنان”.

السيناريو الآخر للتغيير في سوريا هو الروسي، بحسب مصطفى، الذي يوضح أنه يعتمد على استمرار النظام السوري في الحكم، وهو أمر واضح من خلال التدخل الروسي العسكري المباشر عام 2015 الذي حال دون سقوط النظام.

ويختلف السيناريو الروسي عن الإيراني بأنه يميل باتجاه حصول إصلاحات دستورية ومدنية بمشاركة بعض الشخصيات المعارضة مثل توسيع الإدارة المحلية وتثبيت بعض الحقوق القومية للكرد وغيرهم دستوريًا، بالإضافة إلى تشكيل حكومة موسعة من النظام وبعض المعارضين، وربما تميل بعض دول الخليج العربي وخاصة السعودية والإمارات إلى هذا الحل لتوهمها بأنه يبعد النفوذ الإيراني عن سوريا، بحسب مصطفى.

بالنسبة للنظام السوري يعتبر الباحث أنه يميل باتجاه الحل الإيراني دون إعلان العداء للحل الروسي لأنه لا يستطيع فعل ذلك على أرض الواقع، لذلك يحاول المناورة ما بين السيناريوهين الإيراني والروسي.

في حين لا يوجد سيناريو واضح للمعارضة السورية، “فهي منقسمة بين مشروع مفاوضات أستانة وسوتشي، وبين وفد مفاوضات جنيف، ودور كلا الفريقين هو إعطاء الشرعية للدول التي تعقد هكذا مؤتمرات بوجود ممثلين عن السوريين”.

ومن بين سيناريوهات الدول في سوريا يبرز السيناريو التركي، ويوضح مصطفى أن تركيا تطمح من حيث الرغبة السياسية إلى إسقاط النظام السوري وإحلال المعارضة مكانه، وخاصة الحليفة لها.

ويقول الباحث إن تركيا تعي مدى صعوبة هذا السيناريو لذلك اتجهت باتجاه روسيا وإيران في مؤتمرات “سوتشي” و”أستانة” للوصل إلى حل وسطي مقبول من الجميع، على أن يتضمن إبعاد الميليشيات الكردية المعادية لتركيا عن الحدود التركية- السورية، مع حصول تغيرات دستورية وسياسية جوهرية في بنية النظام السوري من خلال مشاركة القوى السياسية السورية الحليفة لتركيا في النظام السياسي الجديد، ويمكن اعتماد النظام اللامركزي وبالتالي بقاء النفوذ التركي في الشمال السوري اقتصاديًا وتعليميًا وحتى أمنيًا.

وفي حال لم يحصل السيناريو المذكور ستبقى تركيا في الشمال السوري على نمط قبرص التركية واليونانية، بحسب الباحث، الذي يشير إلى سيناريو أمريكي أوروبي “الواضح منه رفضه لكافة الحلول السابقة والتأكيد على الحل السياسي من خلال دستور جديد وانتخابات متعددة”، ويتجلى ذلك بعرقلة أي إعادة إعمار لسوريا دون تنفيذ الحل السياسي.

مركبة عسكرية روسية بالقرب من ملصق لبشار الأسد وبوتين في حلب – حزيران 2018 (رويترز)

مصلحة السوريين بوصلتهم

بالانتقال إلى “الحلم السوري” يبدو أنه لم يتحقق، لأسباب عدة على رأسها الإرادة الدولية البعيدة كل البعد عن طموحات السوريين بالوصول إلى مساواة وعدالة وحكم ديمقراطي دون تمييز أو تفريق، إلى جانب الشرخ الاجتماعي بين شرائح المجتمع السوري، كأحد مفرزات النزاع السوري على الأرض وما عمل عليه النظام السوري منذ عهد الأسد الأب.

ولا يمكن الجزم بعدم وصول السوريين إلى حلم التغيير، رغم “بصيص الأمل الضعيف” لذلك، فالأمر يرتبط بعدة أمور، وبشكل أساسي الابتعاد عن الخوف من الماضي وروح الهزيمة، والتفكير بحلول من شأنها فتح مرحلة جديدة قائمة على التعلم من تجربة ثماني سنوات.

وبوجهة نظر المعارِضة السورية سميرة مبيض، فإن الثورة هي بادرة تغيير جذري انطلقت في سوريا وطالت حتى من لم يشارك بها، وإن لم تصل لأهدافها بعد، فالحاجز الأكبر لذلك كان مرتكزًا على الشرخ الاجتماعي، “الذي أسس له الاستبداد واستمر بفضله طيلة خمسة عقود قائمًا، مستندًا على التقسيم المناطقي، الطائفي، الطبقي للمجتمع”.

وتقول مبيض لعنب بلدي إن النظام السوري تابع استراتيجية التقسيم في صفوف السوريين طيلة سنوات الثورة أيضًا، بل وكان أكثر حدة بتطبيقها ما أسهم بشكل كبير في الوضع الكارثي الذي نحن عليه اليوم، مشيرةً “لو لم يجد محيطًا مستقبلًا لهذا التحريض لم يكن لينجح به، وهنا يأتي دور السوريين المخلصين لوطنهم ولمستقبله بإدراك أدوات تدمير المجتمع والوقوف في وجهها وتطوير أدوات بديلة”.

وترى المعارِضة أن التغيير الأهم في سوريا هو بناء الإنسان بشكل سوي قويم دون تأثير عوامل الظلم والقمع عليه من جهة تدفع به للتشدد أو عوامل التمييز والسلطوية، ومن جهة أخرى تدفع به للتجبر.

ولدعم التغيير يتوجب وجود رغبة مشتركة بداية بين جميع الأطراف السورية وإدراك مدى التخريب وخطورته، وتضيف مبيض إلى ذلك، الاعتماد على وضع أدوات متكاملة للوصول إليه، منها المناهج التعليمية والتأسيس لحياة سياسية سليمة ووجود أحزاب معاصرة مواكبة لاحتياجات ومطالب المجتمع من جهة، وللانفتاح على المحيط الدولي من جهة أخرى.

إلى جانب التأسيس لحياة مدنية عبر منظمات المجتمع المدني المنبثقة عن المجتمع والتي تحقق تنميته وأهدافه وتسهم برفع الوعي بالمصلحة العامة وأهميتها ونبذ أي توجه متطرف، إلى جانب إعادة الثقة بالقانون ومؤسساته بكونها الضابط الأهم لسلوكيات المجتمع.

ويستبعد الباحث طلال مصطفى أن يكون هناك تغيير جذري كما حلم السوريون في ثورتهم في الأشهر الأولى لعام 2011 دون إعادة القراءة للمسار السياسي الذي سلكته المعارضة السورية خلال السنوات الثماني السابقة وتقييم موضوعي للمسارات السياسية الفاشلة والصائبة.

كما يجب العمل، بوجهة نظر الباحث، على بناء جسد سياسي معارض يستند إلى المتطلبات الوطنية السورية البحتة، دون الالتفات إلى مصالح الدول الحليفة أو المعادية، وإلى جانبه جسد إعلامي من خلال بناء خطاب سياسي ذي هوية سورية بامتياز، دون الالتفات إلى الخلافات الأيديولوجية والسياسية وغيرها، “فمصلحة الشعب السوري هي بوصلته فقط”.

الحركة المدنية السورية من مواجهة النظام إلى مواجهة الرؤى الأيديولوجية

عمر الخطيب كاتب وصحفي سوري

عمر الخطيب كاتب وصحفي سوري

عمر الخطيب

“مع تقدم المظاهرة كانت هناك مجموعة من الشبان تقوم بتشكيل سلسلة تتقدم المظاهرة وتقف أمام أبواب المحال التجارية التي لم يغلقها أصحابها والمؤسسات العامة لحمايتها من أي محاولة غاضبة لإفسادها”.

الوصف السابق هو لأحد المظاهر المجتمعية التي رافقت الثورة السورية، والتي دلت على وعي مجتمعي مبدئي بمفاهيم التكافل الاجتماعي والشعور العالي بالمسؤولية تجاه المجتمع ككل، حيث تكرر ذلك المشهد وغيره في معظم المظاهرات التي انطلقت في سوريا.

والمثير في الموضوع أن حرص المتظاهرين على حماية الممتلكات الخاصة والعامة كان سمة مرافقة للمظاهرات منذ بدء الثورة السورية، أي حتى قبل تشكيل التنسيقيات، ما يدل على شعور عال عند المتظاهرين بالمسؤولية واحترام الملكية.

هذه الظاهرة انتبه لها النظام في وقت مبكر، ما أدى إلى قيامه بتكريس جهوده لمحاربتها وملاحقة ناشطيها عبر اغتيالهم أو اعتقالهم.

قام النظام السوري، شأنه في ذلك شأن الأنظمة الشمولية كافة، بتجريم أي نشاط مدني ومنعه، واعتبار المشتغلين فيه أعداء وخونة وملاحقتهم واعتقالهم، وأدى ذلك لوأد الكثير من التجارب المجتمعية الناشئة وصولًا إلى تحول أفكار المجتمع المدني والتنمية الاجتماعية إلى أفكار سرية شأنها شأن الأفكار السياسية المنادية بالحرية ومقاومة القمع.

مع انطلاق الثورة كان لناشطي المجتمع المدني دور بارز وحضور سريع، ولكن ملاحقة النظام لهم واعتقال أو تصفية الكثير من رموزهم أجبرهم، كغيرهم من الناشطين، على التحول إلى العمل السري أو الانتقال إلى المناطق المحررة أو إلى خارج سوريا، ولكن المحزن أن هؤلاء الناشطين، وبرغم الطبيعة الاجتماعية التوعوية لنشاطهم وأفكارهم، تم اعتبارهم ناشطين سياسيين من قبل الكثير من الفصائل وحتى من المجتمع الدولي.

حاولت القيادات الاجتماعية التقليدية والقيادات الجديدة الناشئة لا سيما الدينية المتشددة في المناطق المحررة السيطرة على النشاط الاجتماعي وقولبته في خدمة أهدافها ومبادئها، ولا يمكن تجاهل الدور التخريبي أيضًا لبعض معارضي التوجه الديني المتشدد، إذ إن تطرفهم في معاداتهم لهذا الاتجاه انعكس سلبيًا على ناشطي المجتمع المدني الذين حاولوا التوصل لتفاهمات تساعدهم على القيام بدورهم، وهكذا تعرض ناشطو الحركة المدنية مرة أخرى للمطاردة ومحاولات التهجين.

أما خارج سوريا فالتركيز على المواضيع السياسية والعسكرية ومحاولات تنميط الثورة بما يناسب الدول وادعاءاتها، أوقع ناشطي الحركة المدنية ضحية تجاذبات المجتمع الدولي، ومحاولات استغلال ناشطي الثورة ككل لتمرير أفكار معينة، وربما يمكن استثناء بعض المنظمات والمراكز الحقوقية غير الحكومية من ذلك على قلتها.

يبدو الوضع حاليًا مفهومًا في المناطق التي يسيطر عليها النظام، فهو يتابع ما نشأ عليه من ملاحقة ومنع، ولكن المحزن هو ما يجري في المناطق المحررة، حيث إن القيادات الاجتماعية الجديدة ارتبط معظمها بمشاريع أيديولوجية، تحاول هذه القيادات فرضها على المجتمع وتمنع معارضة توجهاتها، ما أدى إلى غياب كبير للأنشطة المدنية، وبالتالي تحول التنمية الاجتماعية لمظاهر قليلة تتجسد في خطوات متواضعة لا تكاد تذكر في قطاع التعليم والمساعدة النفسية للأطفال والنساء.

إن حرمان المجتمع السوري طيلة فترة حكم حزب البعث لم يستطع قتل روح المجتمع ولا تخريب النظرة الجمعية، وكانت مظاهر التكافل الاجتماعي التي رافقت الثورة خير دليل على حيوية المجتمع السوري وقدرته الغرائبية على التجدد وإيمانه بوحدته وقدرته على التغيير، ولكن ما يتعرض له هذا المجتمع ومنعه من معالجة نفسه عبر فرض الأفكار المعلبة والرؤى الشمولية ينذر بخطر شديد، وبالتالي تجب الآن أكثر من أي وقت مضى مقاومة الشكل الجديد من فرض رؤية اجتماعية ضيقة على السوريين، والعمل مع المجتمع السوري كما هو لا كما يريد أصحاب الرؤى الأيديولوجية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار  أصبح أكثر ضرورة من أي وقت مضى بسبب الظروف غير الإنسانية التي يخضع لها هذا المجتمع.

 

ماذا يعني “التغيير” للسوريين؟

توجهت عنب بلدي إلى عدد من الشخصيات الفاعلة في قطاع المجتمع المدني السوري بأسئلة عن معنى التغيير بالنسبة لهم وما الإمكانيات التي يملكونها لتحقيق هذا التغيير، وكانت أبرز الإجابات كالتالي:

عارف الشعال
محام سوري

عارف الشعال

محام سوري

التغيير المنشود بالنسبة لي يجب أن يكون ثوريًا يشمل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، فعلى الصعيد السياسي أطمح بحياة حزبية سياسية صحيّة ومجالس منتخبة بتمثيل حقيقي وليس صوريًا، وعلى الصعيد الحقوقي يجب إطلاق الحريات، والمجتمع المدني، وتكريس مبدأ سيادة القانون، واستقلال القضاء ناجز.

هذا التغيير يبدأ طبعًا بالدستور ومنظومة القوانين المكملة له كقوانين الأحزاب والانتخابات والسلطة القضائية والإعلام والإدارة المحلية وغيرها.

من المعلوم أن الإصلاح الدستوري وبالتالي التشريعي المتمم له بانتظار انتهاء تعقيدات توافق المجتمع الدولي على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، ما يعني أن إمكانيات السوريين أفرادًا ومؤسسات بحميع ألوانهم السياسية، في ظل حالة الاستعصاء الدولي هذه، محدودة جدًا وتكاد تكون معدومة على إحداث أي تغيير فعلي على الأرض!

بانتظار هذا التوافق يمكن للسوريين كل في موقعه ومجاله أن يعمل ضمن الإمكانيات المتاحة له على نشر وتطوير الوعي المجتمعي بما هو مطلوب، فعلى سبيل المثال يمكن للحقوقي أن يعمل على تسليط الأضواء في الوسط القانوني على مكامن الضعف في البنية التشريعية القائمة والتي تعطّل مبدأ “سيادة القانون” وتحد من “استقلال القضاء” بالرغم من النص عليهما بوضوح بمتن الدستور النافذ حاليًا.

فعلى صعيد استقلال القضاء، يجهل الكثير من الحقوقيين الممارسين للقانون من قضاة ومحامين، للأسف، أن الخلل الذي يجعل السلطة التنفيذية تتغوّل على السلطة القضائية بشقيها العادي والإداري، موجود بتشكيل مجلس القضاء الأعلى، وبعدم وجود مجلس مستقل وفعّال يدير القضاء الإداري أو ما يعرف بمجلس الدولة، ناهيك عن خطورة المحاكم الجزائية الاستثنائية على الحياة العامة والسياسية.

إن العمل على استثارة الوعي بما سلف من خلال الأبحاث والدراسات والندوات المختلفة والمقالات، وغير ذلك من الوسائل المتاحة، يسهم بتشكيل رأي عام حقوقي منظم ودافع باتجاه إصلاح تشريعي يضمن الاستقلال الحقيقي للقضاء، وسيادة القانون فعلًا، بشكل سلس من دون مقاومة أو عقبات تذكر، عندما تحين اللحظة المناسبة، وقس على ذلك.

 

أنس جودة
رئيس حركة البناء الوطني

أنس جودة

رئيس حركة البناء الوطني

التغيير مطلوب على ثلاثة مستويات أساسية، الأول يتعلق بالوطن بحد ذاته ونهائية شكله وهويته، والثاني يتعلق بشكل وطبيعة ودور المؤسسة التي تنظم حياة المواطنين أي الدولة، والثالث هو بنوع العلاقة بين المواطنين والدولة أي الحوكمة. بمعنى آخر نحن في سوريا بحاجة للبحث في كل الأطر التي تحكم الشأن العام، فالسوريون لم يتسنَّ لهم طول تاريخ دولتهم أن يبحثوا بشكل هادئ وواع قواعد العلاقة فيما بينهم بل كانت العوامل القسرية هي المؤثر الطاغي، من تدخلات خارجية وانقلابات عسكرية وفرض أيديولوجيا سياسية منذ نشأة الدولة السورية الحديثة حتى اليوم.

مفهوم التغيير هذا أعمق بكثير من ثنائية النظام والمعارضة المفروضة حاليًا، فهذه الثنائية عقيمة وقاصرة عن الإجابة على سبل وإمكانيات التغيير. التغيير بحاجة أولًا لوجود قوى مجتمعية وسياسية حقيقية قادرة على النهوض بالمجتمع وحمل أعباء التنمية، وبحاجة أيضًا لحوار وطني موسع وعميق بين هذه القوى، واجراءات حاسمة تضمن حرية التعبير والحركة والنشاط العام، بالإضافة إلى ضوابط وإطار وطني جامع.

لا يتحقق التغيير بكبسة زر ولا بتغير مواقف الدول، فما يبنى على متغيرات غير ممكن السيطرة عليها هو متغير أيضًا وغير ثابت. ولا تأتي الممكنات من انتظار تغير الواقع لوحده بل من العمل المجتمعي الجاد والعميق الذي يتناول وعي الفرد بالآخر وهواجسه وتطلعاته وتعزيز فهم المواطنة، وأيضًا بالعمل السياسي المسؤول والملتزم بتحقيق مصالح السوريين أينما كانوا، وهذه الممكنات متاحة دائمًا بسبل مختلفة ومتعددة.

طبعا لا يمكن إغفال العامل الدولي والإقليمي بالنسبة للملف السوري ولكن يجب التعامل معه من ناحية العمل على تحييده وتقليل دوره قدر الإمكان بطريقة التعامل مع الأمر الواقع وليس من ناحية مضمون التغيير الذي يجب أن نعمل على أن يبقى سوريًا خالصًا قدر الإمكان.

 

ماريا العبدة
المديرة التنفيذية لمنظمة “النساء الآن”

ماريا العبدة

المديرة التنفيذية لمنظمة “النساء الآن”

التغيير المنشود بشكل واضح هو مجتمع يحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير، ويتساوى فيه الجميع أمام القانون وكذلك بالنسبة للوصول للخدمات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. طبعًا هذه الحقوق للرجال والنساء. وهذا التغيير الذي أراه يعبر عن شعارات الثورة بالحرية والكرامة، والتي من واجبنا العمل عليها أفرادًا وجماعات.

أما عن الإمكانيات المتوفرة لتحقيق هذا التغيير، فأهمها الإيمان بهذه المبادئ والإرادة لتنفيذها، خاصة ضمن منظمات المجتمع المدني السوري، التي يجب أن تكون مؤسسات تعمل على تنفيذ الديمقراطية والشفافية ضمن نظام عملها اليوم، لتكون نموذجًا فعالًا في المجتمع.

هذا صعب ولكنه ليس مستحيلًا، المهم أن يكون البناء تشاركيًا قدر الإمكان وأن تنعكس مبادئ احترام الإنسان والمرأة في الحياة اليومية للمؤسسة، وبالتالي في حياة المجتمع.

 

سيروان حج حسين
بركومدير عام إذاعة “آرتا إف إم”

سيروان حج حسين

مدير عام إذاعة “آرتا إف إم”

التغيير المنشود في سوريا هو بناء نظام حكم مدني ديمقراطي تعددي يسود فيه حكم القانون والعدالة والمساواة بين جميع الأفراد والمكونات.

ويجب أن يضمن نظام الحكم هذا دستوريًا حقوق الأقليات ومشاركتهم في الحكم والإدارة المحلية والوطنية على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وأدوات التغيير المنشود هي النشاط المدني السلمي، وحملات التوعية والمناصرة، وحوار وطني شامل برعاية دولية.

 

 

 

معتز مراد
كاتب وناشط سياسي سوري

معتز مراد

كاتب وناشط سياسي سوري

التغيير هو الشيء الجوهري في الحياة، فلا يمكن للوجود أن يتطور من دون تغيير، وعندما نقول تغيير فنحن نعني حركة التطوير الدائم نحو الأمام، في حين يرى البعض أن التغيير يمكن بالعودة للماضي وللمرجعيات والأشكال القديمة.

أهم أدوات التغيير تكون عن طريق التفكير الحر والتعلم الدائم وعدم القبول بتكرار الذات، والتعرف المستمر على التجارب والمجتمعات الأخرى، والقبول بسنة أن هذا الخلق يتطور دائمًا نحو الأمام، وبالتالي على الإنسان أن يكون جزءًا من عملية التطوير هذه.

إن أعظم المشاريع حول العالم اليوم، أسسها أو أسهم بتأسيسها أشخاص جعلوا نظرية التغيير نحو الأفضل بوصلة لحياتهم.

English version of the article

مقالات متعلقة