موجة ثانية ولكن..

ع ع ع

طارق جابر

لا يمكننا إلا أن نقدر ما قام به د.برهان غليون من تقديم شهادته على مرحلة كان له فيها دور قيادي في تمثيل الثورة السورية سياسيًا عبر “المجلس الوطني السوري”، إلا أن ما ورد في حواراته مع عنب بلدي وتلفزيون سوريا وفي احتفائية توقيع كتابه (عطب الذات)، من عرض لرسالة الكتاب وإيضاحات حول الخصومات بين الأطياف المكونة للمجلس الوطني خصوصًا وللمعارضة السورية بشكل عام، أثار العديد من التساؤلات والتعليقات أورد بعضها في هذا المقال، على أن يكون هناك مقال لاحق لمناقشة متن الكتاب.

بالبداية لا بد من إبداء الاستغراب من عدم قدرة د.غليون على تحديد أين أخطأ في تلك المرحلة، كما صرح وحاول باستفاضة أن يبرر في الجزء الأول من اللقاء على تلفزيون سوريا، معتبرًا أن تحديد خطئه مسؤولية الغير مع أن التقييم الذاتي يعد من أهم الإجراءات المتبعة لدى العاملين بالشأن العام، لهذا أميل كالعديد ممن شاهد الحوارات إلى أنها عدم رغبة وليس عدم قدرة، وربما سيتجاوب د.غليون مع الرغبة المحقة للسوريين ويوضح هذه النقطة.

اعتبر د.غليون أن هذه الشهادة مقدمة للسوريين عمومًا وللنخب الثورية على وجه الخصوص، لكي تستفيد من التجربة السابقة لتكون زادًا لما سماه الموجة الثانية من الثورة. لا أدري كيف استشرف هذه الموجة؟ ومن سيكون وقودًا لها؟ الملايين اللاجئة والنازحون والمهجرون قسريًا إلى مخيمات البؤس في الداخل السوري المحرر، أم السوريون الذي قبلوا أن يبقوا تحت سيطرة نظام الأسد لأسباب كثيرة والذين لم تستفزهم جرائم النظام سابقًا أو بعبارة أخرى تأقلموا معها ليستمروا بحياتهم، فهل سيواجهونه الآن بعد أن أصبحت مناطق الثورة “عبرة” وأصبح من انتفض من أجل كرامته تحت الأرض أو مغيبًا في ظلام المعتقلات أو يعيش أقسى الظروف الحياتية في مناطق النزوح واللجوء؟!

د.غليون ترأس المجلس الوطني، في المرحلة التي كانت الأنقى في الثورة من جهة التضحية والفداء في الداخل، بينما كان ممثلو المعارضة “التاريخية” يتصارعون على سيادة متخيلة لسوريا المستقبل، ليكونوا متربصين بدلًا من أن يكونوا وطنيين. هل يمكن بعد كل هذه التحولات بالمشهد الميداني العسكري مع وجود مركب للقوى المعادية (فإضافة لنظام الأسد هناك إيران وروسيا)، والتغيير الديمغرافي المتمثل بتهجير الشباب الثائر وحواضنه المجتمعية، و غياب التوجه الجمعي السوري، فهل يعتقد مع كل هذه المعطيات أن يكون هناك موجة ثانية؟! وهل يتناسى أن تحرير المناطق الواسعة من سوريا لم يكن ليتم لولا خوائها النسبي من القوة العسكرية للنظام قبل الثورة، وهذا لم يعد متاحًا بعد ما تمت إعادة السيطرة، وماذا لو اقتنع الشباب الثائر الذي هُجر قسريًا من الغوطة ودرعا وباقي المناطق مؤخرًا، بما أقره د.غليون بعدم جدوى المعارضة من الداخل باعتبار أنها لن تؤول إلا لاعتقاله، وبالتالي تقديم خدمة مجانية للنظام، فهل سيقوم الشباب السوري بالموجة الثانية من الثورة أم سيبحث عن وطن ثان يقبله كما قبل د.برهان؟!

من الواضح أن طرح د.برهان في حواراته على الأقل، يسقط من حساباته المناطق المحررة بالشمال فهو يقر بخسارة الثورة للمعركة وأنها بحاجة لموجة ثانية ربما يكون كتابه القادم بعد عام (كما صرح)دليلًا لها، وهذا أمر يدعونا للتساؤل لماذا الكل أولا شيء، فمناطق الشمال لا تحتاج إلى موجة ثانية بل ربما إلى “حركة تصحيحية”، لماذا لايتم التفاعل مع السوري في المناطق المحررة، وعدم الاكتفاء بمخاطبته من خلف الشاشات، بعقد حوارات تأسيسية بالجامعات التي تضم الشباب السوري من كل المناطق، تهدف هذه الحوارات إلى تلمس حلول واقعية للاستعصاء الذي نحن فيه، ويكون دور النخب الفكرية والسياسية توضيح المآلات لكل الخيارات المطروحة مما يمنع تكرار الأخطاء من جهة وتخفف من الطروحات النظرية للمفكرين وحتى السياسيين، على الأقل نكون أكثر واقعية وأقل طوباوية.

إذا كان المقصود بتقديم الشهادة هو إبراء الذمة من فشل ذريع للجسم السياسي الممثل للثورة والتخفيف من وقع الخسارة، بحجة وجود موجة ثانية، فعدم الإقرار بالفشل الكامل وإلقاء حمولاته على المستقبل بشكل رغائبي، يماثل في بعض أوجهه انتظار المسيح المخلص، إلا أنه للأسف رغم قدومه الميمون وتخليصه البشرية مما لحقها من ظلم وقهر، إلا أنه يحمل بطياته نهاية الحياة وإحلال اليوم الآخر!

إن تقديم اعترافات لتبرئة الذات (الاعتبارية أو الحقيقية) لنيل الغفران بعد ست سنوات من اقتراف الخطيئة الكبرى غير ممكن، لأنه للأسف الشديد غاب من يحق له تسليم المتصارعين صكوكه، باستشهاد حملة الثورة الأوائل كيحيى شربجي ومشعل تمو ومعن العودات ورفاقهم الذين ارتقوا من أجل بناء وطن للسوريين فيه الحقوق نفسها ويخضعون جميعًا للقانون عينه ولا يعلو أحد منهم فوقه ولا يستثنى من المحاسبة أحد، وللمفارقة المرة فقد قضوا من أجل هذه الرسالة السامية بنفس الوقت الذي كان فيه قراصنة المعارضة يتحاصصون سوريا المستقبل.

نعم نحن بحاجة إلى موجة ثانية ولكن هذه المرة يجب أن توجه إلى داخل الجسم الثوري أو ما بقي منه، وإن كان من المتعذر عقد محاكمة بدعوى خيانة الأمانة، لإنفاذ عقوبة مادية على من تولى زمام الثورة لا ليوصل سفينتها لبر الأمان بل ليكون ربانها وإن غرقت، فإنه ليس من المتعذر من حملة شعبية تمنع من بقي منهم على رأس العمل الثوري من الاستمرار بخديعته، من خلال وسائل عديدة منها توقيع عرائض من السوريين، تطالب الأطياف المشكلة للمجلس الوطني بتقديم اعتذار للشعب السوري والتوقف عن العمل العام لمن استمر منهم بالائتلاف وغيره من الكيانات الثورية، وتقوم الوسائل الإعلامية الثورية بمقاطعتهم وعدم السماح لهم بالظهور على منصاتها، لمنعهم من الاستمرار بادعاء تمثيل ثورة السوريين.

عدم إنجاز هذه الخطوة المتغاضى عنها منذ فترة طويلة، والمتمثلة بمحاسبة وتحييد من خان الأمانة، سيوصلنا إلى إصدارات جديدة من العَطَب لن تجد من يحتفي بتوقيعها، وإلى ذكرى ثورة لا موج فيها!



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة