ع ع ع

عنب بلدي – نينار خليفة | رهام الأسعد

لا يمر شهر نيسان ككل الأشهر على “أم أيهم” فمنذ أن غيّب الموت ولدها الشاب، يأتي نيسان بربيعه ليفتح باب الذكرى الذي لم يُغلق.

بذكرى ميلاده التي توافق الرابع من شهر نيسان يعود طيف أيهم الذي رحل في ربيع شبابه، ليُفجّر مشاعر الحزن الذي لم يغب على فراقه المبكر، وليُجدد العهد بملاحقة من غيّبوه وغيبوا آلافًا آخرين ممن حلموا بمستقبل أفضل لسوريا.

تروي مريم الحلاق (أم أيهم) ما تعرض له ابنها الطبيب الشاب أيهم غزول من تعذيب في سجون النظام على خلفية نشاطه السلمي، تعذيبٌ أدى لدخوله في غيبوبة لم يفق منها، ليفارق الحياة قبل أن يُكمل عامه السادس والعشرين.

اعُتقل أيهم، بتاريخ 5 من تشرين الثاني 2012، من حرم كلية طب الأسنان في جامعة دمشق أمام طلابه حيث كان حينها مشرفًا على طلاب السنتين الثالثة والرابعة، أخذه أعضاء “اتحاد طلبة سوريا” إلى غرفة إدارية في كلية الطب البشري حوّلوها إلى معتقل يحوي أدوات تعذيب، وهناك تم تعذيبه وضربه لكمات على بطنه وبالعصا على رأسه وحين أغمي عليه سكبوا عليه ماءً مغليًا.

نُقل أيهم مع زميل له إلى الفرع (215) التابع للمخابرات العسكرية الجوية السورية، وفق ما نقلت والدته، وبعد تعرضه للضرب المبرح دخل في غيبوبة لم يستفق منها، ورفض السجان إسعافه قائلًا “بس يموت خبرونا”، وبعد مرور خمسة أيام أكد الطبيب وفاته ليضع السجان لصاقة على جبينه برقم “320”.

تُضيف أم أيهم، “بقيت 87 يومًا أحاول معرفة أي شيء عنه من فروع الأمن ولكن دون جدوى، إلى أن خرج صديقه بصفقة تبادل ليصلنا خبر وفاته بعد خمسة أيام من اعتقاله”.

وحتى اليوم تناضل أم أيهم لمقاضاة المسؤولين عن مقتل ابنها وإيصال ملف المعتقلين إلى الرأي العام العالمي.

وفي سبيل ذلك أسست إلى جانب مجموعة من أسر الضحايا رابطة عُرفت باسم “رابطة عائلات قيصر”، نسبة إلى الضابط المنشق عن النظام السوري والذي سرب صورًا لآلاف المعتقلين الذين قضوا في سجون النظام، عام 2014.

والآن تشارك أم أيهم في 25 دعوى رفعت في السويد والنمسا ضد مسؤولين لدى النظام السوري، داعية إلى مواصلة النشاط الحقوقي السوري لإنهاء حالة الإفلات من العقاب.

تحركات حقوقية فردية عدة ظهرت مؤخرًا لتحاول إيجاد مخرج يُمكّن المحكمة الجنائية الدولية من امتلاك ولاية تُلاحق من خلالها وتُحاسب مرتكبي “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” في سوريا، أيًا كان طرف النزاع الذي ينتمون له.

وجاءت هذه التحركات بعد استعصاء إيصال الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن، بسبب عرقلة روسيا والصين باستخدامهما “حق الفيتو” جميع المساعي الدولية “الجادة” لفتح تحقيقات حول “الانتهاكات الجسيمة” و”الجرائم الخطيرة” في سوريا، بموجب اختصاص المحكمة الدولية.

مريم الحلاق تحمل لوحة لابنها الطبيب المتوفي تحت التعذيب أيهم غزول – 2019 (صفحة مريم الحلاق فيس بوك)

دعوى سورية نحو رفع الشلل عن محكمة الجنايات

في حادثة اعتبرت أنها نقلة نوعية على طريق تحقيق العدالة في سوريا، تقدم “مركز جيرنيكا للعدالة الدولية” بمذكرة للادعاء العام في محكمة الجنايات الدولية، طالب فيها بالنظر في ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” في سوريا.

وفي بيان أصدره المركز، في 4 من آذار الفائت، وحصلت عنب بلدي على نسخة منه، قال فيه إن على محكمة الجنايات الدولية التحقيق في تعرض مليون مدني سوري للتهجير القسري من سوريا إلى الأردن، وذلك نتيجة تعرضهم للقصف والتعذيب من قبل أطراف النزاع، بما فيها النظام السوري.

واعتبرت المذكرة أن مليون سوري في محافظة درعا، جنوبي سوريا، تعرضوا لهجمات “منهجية واسعة النطاق”، بما فيها الاستهداف الجوي المتعمد ضد المدنيين والأحياء السكنية، الذي طال المدارس والمستشفيات أيضًا، فضلًا عن استخدام أسلحة محرمة دوليًا واتباع سياسية الاعتقال التعسفي والإعدام الميداني، ما دفع مليون مدني في المحافظة للجوء إلى الأردن.

ورغم أن المذكرة حمّلت النظام السوري المسؤولية الأكبر عن تلك الانتهاكات، وخصت بالذكر رئيس النظام بشار الأسد، إلا أنها طالبت محكمة الجنايات الدولية بمحاسبة أطراف النزاع المسؤولين عن هذه الأفعال وعرضهم على العدالة لإنهاء حالة الإفلات من العقاب.

مركز جيرنيكا للعدالة الدولية

يعرّف المركز عن نفسه بأنه فريق قانوني غير ربحي مسجل في الولايات المتحدة وبريطانيا، يتكون المركز من محامين في القانون الجنائي الدولي، ويتخصص في التقاضي الدولي للحصول على المساءلة عن الجرائم الدولية وانتهاكات حقوق الإنسان.

ويتبنى المركز استراتيجيات قانونية بالتعاون مع الجهات الفاعلة الرئيسية في البلدان التي تمر بعمليات انتقالية بعد حالات الصراع أو ما بعد الصراع.

حضور لنظام “روما”.. لماذا الأردن؟

بوجود ما يزيد على 5.6 مليون لاجئ سوري متوزعين على دول الجوار المحيطة بسوريا، سادت تساؤلات حول تخصيص مركز “جيرنيكا” الحقوقي دعوى خاصة بتهجير السوريين إلى الأردن، رغم تعرضهم لسيناريو مماثل في مختلف الأراضي السورية أدى إلى تهجيرهم للبنان وتركيا.

لكن المركز الحقوقي خص الأردن بالذكر استنادًا إلى نظام روما الأساسي، المؤسس لمحكمة الجنايات الدولية عام 1998، على اعتبار أن الأردن الدولة المجاورة لسوريا والوحيدة الطرف في نظام روما، ذلك النظام الذي يتيح لمحكمة الجنايات الدولية النظر في قضايا تندرج ضمن “جرائم ضد الإنسانية” و”جرائم حرب”.

وبما أن سوريا ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، لا تملك محكمة الجنايات الدولية صلاحيات النظر بجرائم وانتهاكات ارتكبت داخل الأراضي السورية، ما أدى إلى إفلات الكثير من الأفراد وأطراف النزاع من العقاب، ودفع بعض المراكز الحقوقية إلى المطالبة بالنظر في انتهاكات طالت سوريين في دول تعتبر طرفًا في نظام روما.

واستشهد مركز “جيرنيكا”، المسجل في الولايات المتحدة وبريطانيا، بتهجير الروهينغيا من ميانمار إلى بنغلادش، إذ أعلنت محكمة الجنايات الدولية، في أيلول الماضي، أنها بدأت تحقيقًا أوليًا فيما يتعلق بترحيل حكومة ميانمار للأقلية الروهينغية المسلمة إلى بنغلادش.

وبنغلادش المجاورة لميانمار هي دولة طرف في محكمة الجنايات، ما أتاح للأخيرة صلاحيات النظر في ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” بحق الروهينغيا.

مجرد ضغط أم تأثير فعلي؟

المساعي الحقوقية لإيصال الملف السوري إلى أروقة محكمة الجنايات الدولية، تأتي من وجهة نظر مركز “جيرنيكا” على اعتبار أن حالة حقوق الإنسان في سوريا شهدت تراجعًا كبيرًا، رغم سعي بعض الدول الأوروبية إلى محاكمة أفراد سوريين على أراضيها، متورطين بارتكاب انتهاكات حين كانوا في سوريا.

ومع ذلك رأى المركز أن تلك المحاكمات “لا تكفي” لتحقيق العدالة في سوريا وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، مطالبًا بدفع محكمة الجنايات إلى استخدام صلاحياتها، أو تأسيس محكمة دولية خاصة بسوريا.

ولكن ما التأثير الفعلي الذي يمكن أن تحققه المذكرة التي رفعها المركز إلى المحكمة الدولية؟

يرى مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، أن الوقائع والمعطيات عن محكمة الجنايات الدولية “ليست مشجعة” بما يكفي، مشيرًا في حديث إلى عنب بلدي إلى أن محكمة الجنايات الدولية تحصر محاكماتها ومحاسباتها بمجموعة صغيرة من المتهمين بارتكاب “جرائم حرب”، تكون عادة تلك المجموعة من القيادات العليا والشخصيات الكبرى الأكثر مسؤولية عن الجرائم.

وأضاف أنه في حال تم قبول الدعوى، فإنه من غير الممكن محاسبة أو جلب جميع الأشخاص المتورطين بارتكاب “جرائم حرب” في سوريا، كما أنه من الصعب جلب الشخصيات الكبرى المسؤولة عن الجرائم في سوريا إلى محكمة الجنايات لاستجوابها والتحقيق معها ثم محاسبتها، مستشهدًا بمذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحق الرئيس السوداني، عمر البشير، منذ عام 2005 والذي لم تستطع المحكمة محاسبته حتى اليوم.

واعتبر العبد الله أن احتمال رفض المحكمة للمذكرة التي رفعها مركز “جيرنيكا” قد يأتي من منطلق أن تهجير المدنيين من محافظة درعا السورية إلى الأردن لم يشمل جميع السكان، كما حصل مع الروهينغيا، الذين تم تهجيرهم من ميانمار بشكل ممنهج باعتبارهم أقلية دينية.

وأضاف “قد يكون رأي المحكمة أن سكان درعا لم يتعرضوا لتهجير قسري، كون التهجير لم يطلهم جمعيًا، كما أن التهجير لم يكن من منطلق اعتبارهم أقلية دينية أو عرقية أو سياسية”.

ومع ذلك يرى مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة” أن الدعوى تشكل ضغطًا سياسيًا وإعلاميًا لمحاصرة النظام السوري، وقد لا ينتج عنها تغيير في التوازن السياسي في سوريا أو تقدم قضائي مباشر في الملف السوري.

ملاحقات أوروبية فردية حركها حقوقيون وذوو الضحايا

يتجه القضاء الأوروبي في الأشهر الأخيرة إلى النظر في دعاوى يرفعها أفراد ومعتقلون وضحايا سابقون ضد متورطين بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” من مختلف أطراف النزاع السوري، مستخدمًا صلاحيات منفردة تقضي بمحاسبة أفراد، وذلك نتيجة جهود حقوقية جمعت أدلة ووثقت انتهاكات ووضعتها بين يدي القضاء الأوروبي.

ففي السويد قدم تسعة سوريين ناجين من التعذيب بدعم من منظمات سورية ودولية، يوم 19 من شباط الماضي، شكوى جنائية ضد مسؤولين كبار في حكومة النظام، متهمين إياهم بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”.

وتهدف الشكوى المقدمة أمام القضاء السويدي إلى التحقيق مع 25 مسؤولًا في الاستخبارات، من بينهم جميل حسن وآخرون، إضافة إلى أولئك الذين لم تُعرف أسماؤهم بعد، وإصدار أوامر اعتقال دولية بحقهم.

وتشمل الادعاءات التي تستند إلى قانون العقوبات السويدي ارتكاب المتهمين “جرائم ضد الإنسانية” و”جرائم حرب” إلى جانب التعذيب والمعاملة المهينة والاغتصاب والإصابات البدنية الخطيرة والاختطاف غير القانوني.

وكذلك أصدر القضاء الفرنسي، في تشرين الثاني الماضي، مذكرة توقيف دولية ضد ثلاثة من كبار ضباط الأسد، هم: علي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي السوري، وجميل حسن، مدير إدارة المخابرات الجوية السورية، وعبد السلام محمود، رئيس فرع التحقيق في المخابرات الجوية.

وكان الادعاء العام الألماني أصدر في أيار 2018 أول مذكرة توقيف دولية بحق شخصيات تابعة للنظام السوري، طالت رئيس المخابرات الجوية، اللواء جميل حسن، بعد شكوى جنائية قدمها معتقلون سابقون ضده.

تلك الدعاوى حركها حقوقيون سوريون بالإضافة إلى أسر ضحايا قضوا في سجون النظام السوري، والتي كانت السيدة مريم الحلاق منهم.

تقول الحلاق لعنب بلدي إنها لمست استجابة وتفاعلًا دوليًا مع مطالب أسر الضحايا في سوريا، الذين حصلوا على وعود بدفع الملف الحقوقي السوري ليكون أولوية في جميع الاجتماعات التي تُعقد حول سوريا.

وأشارت إلى أن القوانين الأوروبية لم تكن مساعدة على ذلك، ومع ذلك حصلت “رابطة عائلات قيصر” على وعود فرنسية بتغيير مواد في القانون الفرنسي تتيح لأسر الضحايا السوريين مقاضاة المسؤولين، حسبما قالت.

أزلام النظام المنشقون ملاحقون في أوروبا

أحيت حادثة اعتقال ضباط سوريين في ألمانيا، كانوا يعملون لدى أجهزة النظام السوري الأمنية، آمالًا لدى الضحايا السوريين في إنهاء حالة الإفلات من العقاب التي استمرت على مدى السنوات السبع الماضية في سوريا، بينما أثارت مخاوف لدى آخرين كانوا في صفوف النظام ثم انشقوا عنه واختاروا أوروبا ملجأ لهم.

إذ نفذت السلطات الألمانية عملية أمنية، في 13 من شباط الماضي، في مدينتي برلين وزويبروكن، تم خلالها اعتقال عنصرين من المخابرات السورية، هما “أنور ر.” (56 عامًا) و”إياد أ.” (42 عامًا).

الموقوفان متهمان بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” حين كانا يعملان لدى أجهزة النظام السوري في عامي 2011 و2012، ثم انشقا عنه وقدما إلى ألمانيا عام 2012، وتقدما بطلب لجوء فيها وحصلا على حق اللجوء.

حسين غرير، معتقل سابق في سجون النظام السوري وأحد الذين شهدوا ضد أنور وإياد أمام القضاء الألماني، قال لعنب بلدي إنه تعرّف مع ستة آخرين على أنور في ألمانيا مصادفة، ثم لجؤوا إلى “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان” لرفع دعوى ضده.

وبحسب غرير، فإن الموقوفين متورطان بتعذيب وقتل معتقلين في الفرع رقم “251” المعروف بفرع الخطيب، وذلك في أثناء الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها سوريا عام 2011، إذ كان أنور، الذي يحمل رتبة عقيد، مسؤولًا عن وحدة التحقيق، بينما قاد إياد فريقًا متخصصًا باعتقال المتظاهرين وتسليمهم إلى مراكز المخابرات السورية في دمشق.

وأضاف غرير أن الادعاء العام الألماني وجد أن الأدلة “كافية” لاعتقال كل من أنور وإياد بتهمة ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” ومشاركتهما بتعذيب مئات المعتقلين وقتل اثنين على الأقل، بحسب الأدلة المتوفرة.

توقيف أنور وإياد في ألمانيا أثار مخاوف لدى منشقين عن النظام السوري من أن تتم محاسبتهم على أفعال ارتكبوها “مجبرين” حين كانوا يعملون لدى أجهزة النظام.

لكن المحامي إبراهيم القاسم، الذي يعمل في “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان”، الممثل القانوني لجهة الادعاء في الدعوى المقامة ضد الموقوفين الثلاثة، قال في حديث لعنب بلدي إن انشقاق أي شخص عن النظام السوري لا يعني عدم محاسبته في حال أثبت القضاء ارتكابه جرائم حين كان على رأس عمله.

وأضاف القاسم، يجب التأكيد أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بقرار قضائي، منوهًا إلى أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، والانشقاق بحد ذاته لا يعني التغافل عن وجود جريمة وحقوق للضحية.

ما صلاحيات القضاء الأوروبي؟

ملاحقة بعض الدول الأوروبية لمرتكبي “جرائم حرب” في سوريا فرضت تساؤلات حول صلاحية القضاء بتلك الدول في محاسبة أشخاص غير أوروبيين ارتكبوا جرائم خارج الأراضي الأوروبية ضحاياها ليسوا أوروبيين أيضًا.

المحامي إبراهيم القاسم أوضح أن بعض الدول الأوروبية لديها في قوانينها مبدأ اسمه “الولاية القضائية العالمية”، والذي يخول تلك الدول التحقيق في جرائم ارتكبت خارج أراضيها حتى لو كان المجرم أو الضحية من جنسيات دول أخرى.

وتابع “على تلك الدول أن تقوم بدورها في محاسبة المتورطين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في سوريا ومنع إفلات المجرمين من العقاب لتعثر وجود جهة قضائية دولية تلاحقهم”.

مواقف دولية بشأن إحالة ملف سوريا للمحكمة الجنائية الدولية

منذ عام 2011 عبرت العديد من الدول، والمنظمات الدولية، والشخصيات السياسية والحقوقية عن مساندتها لإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وفي 16 من كانون الثاني 2013 قدمت سويسرا إلى مجلس الأمن رسالة باسم 58 دولة تطالب فيها المجلس بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في احتمالات وقوع “جرائم حرب”، وجرائم ضد الإنسانية”، وذلك تأييدًا لاقتراح فرنسي.

وفي بيان صدر عنها ناشدت هذه الدول أعضاء الأمم المتحدة والبالغ عددهم 193 دولة الوقوف وراء هذا الجهد من خلال دعم المشروع الفرنسي الذي يسمح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في مزاعم وقوع جرائم “شنيعة” ارتكبها مختلف أطراف الصراع السوري، والتي تشمل النظام والميليشيات التابعة له من جهة ومجموعات المعارضة المسلحة من جهة أخرى.

وفي آذار من نفس العام، عبرت 64 دولة في بيان دولي أصدرته في أثناء حوار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مع لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا عن مساندتها لإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وفي أيار من عام 2014 دعت أكثر من مئة منظمة حقوقية من مختلف أنحاء العالم في بيان لها مجلس الأمن الدولي لإحالة الوضع السوري إلى مكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية، وأشار البيان إلى أن عمل المحكمة سيكون خطوة أولى حاسمة، وجزء واحد من الجهد الأوسع نطاقًا المطلوب للمحاسبة في سوريا.

كما دعا مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي مجلس الأمن الدولي في ورقة استنتاجات له إلى معالجة الوضع السوري بما في ذلك مسألة إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وفي ذات السياق أوصى المفوضان السابقان لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة نافي بيلاي، والأمير زيد بن رعد الحسين، في مناسبات عدة مجلس الأمن بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وفي آذار من عام 2018 أكد ابن رعد أهمية دعم “الآلية الدولية المحايدة والمستقلة” المعنية بجمع المعلومات عن الجرائم الخطيرة وتحليلها وحفظها، بغية توفير ملفات للملاحقات القضائية، مؤكدًا على ضرورة إحالة الملف السوري إلى الجنائية الدولية وواصفًا محاولات إحباط العدالة وحماية المجرمين بالـ “مشينة”.

ماذا عن مجلس الأمن؟

وفي مجلس الأمن ينقسم المشهد فقد عبرت كل من المملكة المتحدة وفرنسا وأستراليا ولكسمبورغ والأرجنتين وكوريا الجنوبية بشكل علني عن دعمها لإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية.

لكن دولًا أخرى لها ثقل وقفت حجر عثرة أمام أي خطوة أو اقتراح في المجلس للإحالة، وتجلى ذلك واضحًا بالفيتو الذي اعتمدته روسيا والصين العضوان الدائمان في المجلس مرات عدة للوقوف في وجه أي خطوة نحو المحاسبة، إذ بإمكان أي عضو دائم في مجلس الأمن الاعتراض على أي مقترح، دون وجود إمكانية لنقض هذا الاعتراض.

الفيتو يُجهض محاولات إحالة الملف السوري للمحكمة الجنائية الدولية

بدأت روسيا باستخدام حق “الفيتو” لصالح النظام السوري، منذ تشرين الأول 2011، وذلك ضد مشروع قرار يدعو لإنهاء العنف في سوريا.

واستمرت روسيا في استخدام “الفيتو” لصالح النظام السوري، لتصل إلى 12 مرة حتى الآن، بينها 4 ضد مشاريع قرار تتعلق بالتحقيق في هوية مستخدمي أسلحة كيماوية في سوريا، لتقتل بذلك كل المحاولات الدولية الهادفة لتقييد النظام السوري ومحاسبته على الجرائم التي اقترفها، تحت الفصل السابع في مجلس الأمن.

وهو ما يطرح التساؤل حول جدوى المجلس في ظل إخفاقه المستمر بتحقيق أهدافه المتجلية في إحلال الأمن والسلم الدوليين.

إذ إنه وفي ظل التقييد الذي يعاني منه مجلس الأمن، فشلت تحركات لمناصرة قضايا مهمة في مناسبات عدة رغم توفر الأدلة القوية على ارتكاب جرائم.

ومنذ تأسيسه أحال مجلس الأمن ملفين فقط إلى المحكمة الجنائية الدولية وهما: ملف إقليم دارفور في السودان عام 2005، والملف الليبي عام 2011.

المحطات التي أجهضت فيها روسيا والصين قرارات أممية تدين النظام السوري

آلية تحويل الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية

في ظل غياب فرص الحل العسكري في سوريا، وجمود المسار السياسي الذي يراوح مكانه، يبقى المسار القانوني بمثابة بصيص الأمل لمحاسبة جميع الأطراف التي ارتكبت انتهاكات وفظائع على الأرض السورية.

وتُعتبر المحكمة الجنائية الدولية أبرز الجهات القضائية العالمية القادرة على محاسبة “مجرمي الحرب”، كما يتضمن الإطار الدولي للمساءلة إنشاء محكمة دولية خاصة بسوريا أو محاكم مختلطة.

فما الطرق التي يمكن من خلالها إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ وما فرص إنشاء محكمة خاصة بسوريا على غرار محاكم يوغسلافيا ورواندا وسيراليون؟

مدير “البرنامج السوري للتطوير القانوني”، إبراهيم العلبي، أوضح أن محكمة الجنايات الدولية ليس لديها اختصاص في سوريا لأنها غير مصادقة على “اتفاقية روما” التي أنشأت المحكمة، ولأن مجلس الأمن فشل بسبب الفيتو الروسي بإحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات.

وأضاف العلبي لعنب بلدي أن إنشاء محكمة خاصة بسوريا يتطلب أيضًا إما إحالة من مجلس الأمن أو موافقة الدولة المستضيفة (سوريا).

ولفت إلى أنه وبسبب الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن فإن إنشاء محكمة خاصة أو إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية هو أمر شبه مستحيل في الوقت الحالي.

العالم فقد شهيته لإنشاء محاكم خاصة

ويُعد تشكيل محكمة دولية خاصة في سوريا أمرًا معقدًا للغاية بحسب الباحث الأكاديمي د. بشير زين العابدين الذي نشر دراسة حول “جهود محاسبة النظام السوري والآليات المتاحة” في موقع منظمة “مع العدالة” الحقوقية.

وترجع صعوبة ذلك برأيه إلى التكلفة المادية المرتفعة جدًا لإقامة هذه المحكمة مقابل العدد المحدود جدًا الذي يمكنها محاكمته، ولكون إنشائها يتطلب وجود رغبة دولية في ذلك، بينما فقد العالم شهيته لإنشاء مثل هذه المحاكم التي أثبتت نزاهتها ولكنها لم تثبت نجاعتها، وفق تعبيره.

وأشار إلى أن بعض الدول حاولت طرح فكرة إقامة محكمة دولية خاصة على غرار “محكمة الحريري”، ولكن مثل هذا الإجراء يتطلب قرارًا من مجلس الأمن، والذي لا بد أنه سيواجه بالفيتو الروسي والصيني المزدوج.

كيف يتم توثيق وجمع الأدلة عن الجرائم المرتكبة

تنشئ الأمم المتحدة لجان تحقيق وبعثات تقصي الحقائق، للتصدي لحالات الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لتعزيز المساءلة عن هذه الانتهاكات، ومكافحة الإفلات من العقاب.

لجنة التحقيق الدولية المستقلة

أنشأ مجلس حقوق الإنسان بدورته الاستثنائية السابعة عشرة في آب 2011 “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا”، وعهد إليها بولاية التحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان منذ آذار 2011، بغية ضمان مساءلة مرتكبي هذه الانتهاكات بما فيها الانتهاكات التي قد تشكل جرائم ضد الإنسانية.

وقد وصلت لجنة التحقيق لأدلة ووثائق مؤكدة عن حدوث جرائم كبرى في سوريا ترقى لمستوى “جرائم ضد الإنسانية”، وأصدرت 17 تقريرًا حول ذلك.

وقد تم تمديد ولاية اللجنة لسنة إضافية أخرى في شهر آذار الفائت.

الآلية الدولية المحايدة والمستقلة

تم إنشاء “الآلية الدولية المحايدة والمستقلة” للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للمسـؤولين عن الجرائم الأشد خطورة، وذلك بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول 2016، متجاوزة بذلك الطريق المسدود لمجلس الأمن، ما يجعلها فريدة بين آليات المحاسبة.

يرأس الآلية كاثرين ماركي-أويل، وهي قاضية فرنسية سابقة تتمتع بخبرة دولية واسعة في محاكمة جرائم الحرب والفصل فيها.

وتعمل الآلية على جمع وحفظ الأدلة الموجودة حول الانتهاكات في سوريا، على أمل أن تستخدم الأدلة في محكمة ملائمة.

ولدى الآلية فريق من المحققين والمحامين وموظفي إدارة المعلومات والأدلة والمحللين.

تعاون المنظمات السورية مع الآلية

أرسلت عدة منظمات غير حكومية سورية في شباط 2017 رسالة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة تتضمن توصيات من شأنها أن تساعد الآلية على فهم أولويات السوريين، وتعزيز أهمية الآلية، والقبول العام لها من قبل السوريين.

وفي أيار 2017 اجتمع فريق تأسيس الآلية مع مجموعة واسعة من منظمات المجتمع المدني السورية، في لوزان بسويسرا، ووفر الاجتماع منبرًا لتقديم التوصيات، وتبادل وجهات النظر بين الجانبين، كما عاود الفريق الاجتماع مع رئيسة الآلية، القاضية ماركي-أويل، في تشرين الأول من العام نفسه.

وفي 3 من نيسان 2018 تم توقيع بروتوكول التعاون بين الآلية و28 منظمة سورية غير حكومية في لوزان، والذي يحدد مجموعة من المبادئ التوجيهية الشاملة للتعاون بين الآلية والمنظمات غير الحكومية الموقّعة.

وقفة لعائلات من أجل الحرية في بروكسل – 2019 (صفحة عائلات من أجل الحرية فيس بوك)

بحوزة الآلية أكثر من 900 ألف سجل للتحقيق

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أوضح أن الآلية تمكنت من جمع أكثر من 900 ألف سجل من لجنة الأمم المتحدة ومن الدول ومن مختلف المنظمات غير الحكومية والأفراد للتحقيق بشأن سوريا، وذلك بحسب تحديث من الآلية وصل إلى المنظمات السورية في شهر كانون الأول الماضي.

وأضاف الأحمد أن الأدلة التي تعتمد عليها الآلية يمكن أن تأخذ عدة أشكال منها الصور ومقاطع الفيديو وسجلات الاتصالات وإفادات الشهود، بما في ذلك ضحايا الجرائم والشهود الذين لديهم نظرة موسعة على الأحداث، والخبراء، والذين لديهم معرفة عن بناء السلطات وكيفية ارتباطها بارتكاب الجرائم.

وأشار الأحمد إلى أن السلطات الوطنية في الدول تشارك مع الآلية المعلومات الخاصة بما يجري لديها من تحقيقات أو محاكمات، كما يمكن للآلية أن تشارك البيانات الواردة إليها من المنظمات غير الحكومية مع السلطات القضائية أو المحاكم المختصة ولكن ضمن شروط معينة، منها أن تتم مشاركة المواد بموافقة المنظمة غير الحكومية المعنية، ولا يمكن مشاركة تلك المواد إلا مع السلطات القضائية التي تحترم معايير حقوق الإنسان وتُطبّق محاكمات عادلة، كما تحترم الآلية القيود التي يفرضها مقدمو المواد حول كيفية مشاركة موادهم ومع من يُسمح بمشاركتها.

ولن تشارك الآلية المعلومات التي لديها مع السلطات الحكومية لأي دولة، إذ إن ولايتها تقتصر على دعم المحاكم والهيئات القضائية.

ولفت الأحمد إلى أن الآلية تتعامل حاليًا مع عشرة طلبات من سلطات ادعاء وطنية راغبة في الحصول على معلومات وأدلة من الآلية فيما يتعلق بالتحقيقات والملاحقات القضائية الجارية لديها، وذلك وفقًا لآخر تحديث تم استلامه من الآلية. وستقدم الآلية تغذية راجعة إلى المنظمات غير الحكومية بشأن استخدام بياناتها لدعم الملاحقات القضائية الوطنية.

سيناريوهات محتملة لتطبيق العدالة في سوريا

العدالة الانتقالية مصطلح يُطلق على مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية التي تطبقها الدول بعد خروجها من فترة حروب أو نزاعات، من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات لحقوق الإنسان.

وتشمل تلك التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وإصلاح مؤسسات الدولة، ودعم عمليات المصالحة.

مديرة شبكة “أنا هي” السورية، الحقوقية نور برهان، تحدثت لعنب بلدي عن السيناريوهات المحتملة لتطبيق العدالة الانتقالية بعد انتهاء النزاع.

وأشارت برهان إلى أنه في حال بقاء النظام الحالي لن تكون هناك عدالة انتقالية في سوريا، باستثناء بعض الإجراءات في التعويضات لفئات محددة، وستبقى إجراءات المحاسبة المفروضة على بعض الشخصيات من خارج سوريا موجودة من عقوبات ومنع سفر، لكنها عبرت عن اعتقادها بأن هذه الإجراءات ستسقط مع الزمن في حال استقرار الأوضاع في سوريا، وعودة العلاقات مع الدول.

أما في حالة التحول السياسي الجزئي في البلاد فهناك عدة احتمالات، ولكن من المرجّح، بحسب برهان، أن تتم المساومة على إجراءات المحاسبة بين الأطراف المستلمة دفة القيادة، وستقتصر على تهميش بعض القيادات أو التسريح من الأمن والجيش.

كما سيتم تقسيم الحصص المخصصة لإجراءات التعويضات وجبر الضرر خصوصًا المرتبطة منها بموضوع إعادة الإعمار.

وأضافت أن الإجراءات التي يُمكن أن تكون قابلة للتحقيق هي التعديلات القانونية والدستورية فيما يخص الحقوق، أو منع حدوث انتهاكات بشكل مباشر في المستقبل، بالإضافة لحقوق اللاجئين والمهجرين بالعودة، وحل مشاكل السجلات العقارية والمدنية.

أما في حال حدوث انتقال سياسي فعلي فستكون هناك إجراءات أوسع وأفضل من السيناريوهات السابقة، خصوصًا فيما يتعلق بالتعديلات القانونية والدستورية، وبرامج إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين والمهجرين، والسجل العقاري والمدني.

ولكنها استدركت أن هذه المرحلة سيكتنفها الكثير من العقبات التي ستحد من فاعلية العدالة الانتقالية نظرًا للكم الهائل من الانتهاكات والدمار الحاصل، وذلك إضافة لعدم القدرة على محاسبة جميع المنتهكين والاكتفاء بمحاسبة رموز معينة، إلى جانب استحالة القيام بإجراءات تخليد الذكرى بسبب الانقسام المجتمعي والذي من الممكن أن يتسبب في صراعات جديدة، كما أن إجراءات التعويضات لا يمكن أن تكون عادلة وكاملة بسبب الوضع الاقتصادي المتردي وحجم الدمار والتكلفة العالية.

استطلاع:

English version of the article

مقالات متعلقة