fbpx
× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

قمح الجزيرة السورية.. ورقة للرهانات السيادية بين النظام والإدارة الذاتية

ع ع ع

عنب بلدي – حباء شحادة

تحاول “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا احتكار شراء قمح منطقة الجزيرة السورية التي تسيطر عليها، بينما يضغط النظام السوري برفع السعر لاستقطاب الفلاحين في المنطقة، في ملف يعتبر سياديًا في سوريا، خاصة مع تراجع الإنتاج المحلي والاضطرار إلى الاستيراد من خارج سوريا بالأسعار العالمية.

وحددت “الإدارة الذاتية” سعر شراء محصول القمح لعام 2019 بقيمة تقل بـ 25 ليرة عن القيمة التي حددها النظام السوري، ما سبب الكثير من الاحتجاجات وأثار الشكوك حول نواياها.

وأعلنت الإدارة، في 25 من أيار، عن تعديل سعر شراء القمح إلى 160 ليرة سورية للكيلو وتثبيت سعر الشعير بـ 100 ليرة سورية، حسبما نقلت وكالة “هاوار” التابعة لها.

ورغم أنها رفعت سعر شراء القمح 10 ليرات، عما أعلنته في 19 من أيار، إلا أن السعر لا يزال أدنى مما حددته حكومة النظام السوري بـ 185 ليرة للقمح، و135 للشعير.

وبعد انتقادات واحتجاجات، تراجعت الإدارة عن إعلانها احتكار شراء كامل المحصول من المزارعين، لتصدر قرارات جديدة في 23 من أيار، تسمح بالبيع للنظام السوري.

وقالت إن تحديد التسعيرة، التي ستراعي فرق درجات المحصول، تم بعد التشاور بين الهيئة الرئاسية للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا مع اتحادات الفلاحين على مستوى الإدارات الذاتية والمدنية في المنطقة.

مبررات لم تقنع الكثيرين

بررت الإدارة الذاتية فرضها لتلك التسعيرة، التي قلت بـ 15 ليرة سورية عن التسعيرة التي حددتها العام الماضي، بالخدمات التي قدمتها للمزارعين لتقليل كلفة الإنتاج، والتي ستقدمها لأهالي المنطقة مستقبلًا.

لكن الأهالي والمزارعين ومعظم المراقبين قدموا أسبابًا أخرى لتلك التسعيرة، حسبما قال الباحث المختص في الشؤون الكردية، بدر ملا رشيد، لعنب بلدي، ومنها “سياسة ليّ الذراع مع النظام حول المحصول الاستراتيجي”.

تصريف كمية المحصول الكبيرة لن يكون بمقدور الإدارة، حسب رأي الباحث، التي إما ستبيعها للنظام السوري، وبذلك ستفقده بعضًا من اعتباره السيادي، أو إلى إقليم كردستان، مع حصدها لربح يكون بمثابة ضريبة جديدة على حساب الأهالي.

أما من جهة النظام، فإن تحديده لتسعيرة عالية هذا الموسم، تزيد بعشر ليرات عن سعر العام السابق، ما هي إلا محاولة للحصول على الشرعية التي فقد جزءًا كبيرًا منها بين الأهالي، حسبما قال ملا رشيد.

ويعمد النظام لإظهار سيطرته في المنطقة، وقدرته على تعويض أتعاب الفلاحين بشكلٍ أفضل من الإدارة الذاتية المتحكمة بالنفط ومعظم الخيرات.

قيمة عادلة؟

وفرت الإدارة الذاتية، حسبما نقلت عنها وكالة “هاوار”، في أيلول الماضي، بذار القمح بسعر 160 ليرة سورية للكيلو، وهو أقل من سعر التكلفة، كما قدمت المازوت بسعر يتراوح حول 50 ليرة سورية لليتر لآليات الزرع والحصاد بغرض دعم المزارعين.

ولكن تلك الخطوات لم تكن كافية لتحديد تلك التسعيرة “المجحفة” حسبما قال محتجون على القرار، كما انقسم أهالي المنطقة بين من اعترف بتقديم الإدارة لخدمات واقعية وبين من اعتبرها مجرد دعاية زائفة.

ورأى مهندس زراعي، تواصلت معه عنب بلدي، وتحفّظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية، أن الإدارة الذاتية لم تسهم بشكل فعلي في خفض تكاليف الإنتاج، بل على العكس، إذ كانت هناك بعض المشاكل فيما يتعلق بالحصول على البذار والأسمدة إضافة إلى فرضها “أتاوات” على المحاصيل بنسبة تصل إلى 5% للدونم الواحد.

في حين عبر مزارع من الحسكة، لم يذكر اسمه لاعتبارات أمنية، عن تقديره لما قامت به الإدارة من توفير الوقود وبذار القمح بأسعار رخيصة، قائلًا إن سعر كيلو بذار القمح زاد في السوق السوداء عن سعرها بـ 40 إلى 90 ليرة سورية.

وقال إن الإدارة قدمت الكثير من التسهيلات، وحسنت من الخدمات العامة إلا أن تحديدها لتلك التسعيرة يبقى ظالمًا، خاصة بالنسبة للشعير، الذي تم شراء بذاره بسعر 245 ليرة، أي بفارق كبير عن تسعيرتها المقررة.

خيار صعب

سعر الشراء ليس العامل الوحيد الذي يدرسه المزارع عند قرار البيع، إذ إن كلفة النقل لمراكز التسليم مع تعقيد إجراءاته قد تكون نقطة الفصل فيه.

ونقلت وكالة أنباء “هاوار” عن الرئيس المشترك لهيئتي الاقتصاد والزراعة، سلمان بارودو، في 20 من أيار، قوله إن هناك أكثر من 15 مركزًا مجهزًا بسعة أكثر من 700 ألف طن.

وذكرت الإدارة، يوم 23 من أيار، أن شراء المحاصيل سيتم عبر 12 شركة، مع فتح مراكز شراء القمح في 10 من حزيران وفتح مراكز شراء الشعير في 25 من أيار. مع تخصيصها لمبلغ 200 مليون دولار لشراء القمح من المزارعين.

في حين خصص النظام السوري مبلغ 400 مليار ليرة سورية أي قرابة (70 مليون دولار) لشراء القمح، مع تجهيزه لـ 37 مركزًا مع كامل مستلزماتها في المحافظات الخاضعة لسيطرته، اثنان منها في القامشلي.

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، أصدر القانون رقم 11 هذا العام للتخفيف من “الهدر والعجز التمويني” من خلال إحداث المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب “السورية للحبوب” في مدينة الحسكة، والتي تتولى مهام شراء القمح وتخزينه وإنتاجه وبيعه للمخابز، ضمن عملية مؤتمتة ومنظمة.

في الحسكة، قال المزارع لعنب بلدي، إن كلفة نقل المحصول إلى مركز “جرمز” في القامشلي لبيعه للنظام السوري ستبلغ حوالي 75 ليرة للكيلو وهذا يمثل خسارة كبيرة، مقابل كلفة نقل المحصول لمراكز الإدارة المتعددة القريبة والتي تبلغ 10 ليرات فقط.

كما أن تحديد إجراءات الشراء، إن كان عبر الهوية الشخصية أو شهادة المنشأ، سيكون له أثر كبير على عملية البيع، حسبما قال، إذ إن أغلب المزراعين لا يملكون رخصًا تسمح بالحصول على شهادة المنشأ ليتم البيع من خلالها.

وأشار إلى أن الطريق إلى مراكز النظام مليء بالحواجز العسكرية التي يطلب جنودها “إكراميتهم” من كل سيارة عابرة، والتي مهما كانت قيمتها ستؤدي إلى نفور الأهالي من التوجه إلى هذه المراكز.

ونبه ملا رشيد، الباحث في مركز عمران للدراسات، إلى أن السعر الذي حدده النظام لشراء القمح يقف عند النوعية الأفضل ولا يسري على بقية الأصناف، ولكن التسعيرة (المنخفضة) التي حددتها الإدارة قد تدفع المزارعين “لفقدان الشعور بالأمان” تجاه سلوكها الاقتصادي، وقد تدفعهم للحصاد مبكرًا لإبعاد طلب الإدارة عن محصولهم، في أثناء محاولة بيعه للنظام السوري، أو لتجار السوق السوداء.

مناورة سيادية

سماح الإدارة الذاتية للمزارعين ببيع محصولهم للنظام السوري، لا يتعدى كونه مناورة للتخفيف من احتقان الفلاحين فقط، حسب رأي ملا رشيد، فالإدارة تدرك تمامًا الوضع المادي للنظام وللفلاحين، الذين يثقون بحصولهم على أموالهم منها بطريقة أسرع وأكثر أمانًا.

إضافة لما تستطيع القيام به من مضايقات لمن لا يلتزم بقراراتها، فهي المتحكمة بالطرق في المنطقة عبر عناصرها الأمنية، وهي من تملك القدرة على التضييق على المزارعين من خلال حواجزها أو توجيههم لمراكزها الخاصة، وما علينا إلا الانتظار والمتابعة لنقض ذلك التوقع، بحسب تعبير ملا رشيد، ولنرى إن كانت ستسمح فعلًا بحرية البيع أم لا.

محصول وفير ورهانات عالية

أجمعت تقديرات الأطراف على وفرة المحصول هذا العام، مقارنة مع السنوات الماضية، إذ وصف المهندس الزراعي في الحسكة الإنتاج بالممتاز، وقال إنه زاد بنسبة 300% عن السنوات السابقة بفضل كميات الأمطار الكبيرة لهذا العام.

ومن جهته قال الفلاح، البالغ من العمر 35 عامًا، إنه لم يشهد من قبل وفرة كهذه في المحصول، الذي زاد أقل إنتاج له 15 ضعفًا عن كمية البذار بينما كان أعلى إنتاج له 70 ضعفًا.

وقدر النظام السوري محصول هذا العام من القمح والشعير بحوالي 2.7 مليون طن، في حين قدرت الإدراة أن يبلغ المحصول 1.1 مليون طن من القمح و1.5 مليون طن من الشعير.

وتأتي هذه الوفرة بعد انخفاض حاد العام الفائت، إذ قدرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، محصول عام 2018 بحوالي 1.2 مليون طن، أي ما يمثل 30% فقط من متوسط الإنتاج السابق لبدء الصراع السوري والذي كان يبلغ 4.1 مليون طن خلال الفترة ما بين عامي 2002-2011.

وفي حين كانت الزراعة تمثل 18% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا ما قبل عام 2011، وحوالي 23% من صادراتها مع عمل 17% من القوة العاملة بها، فقد أصبحت تمثل 60% من الناتج المحلي بحلول نهاية عام 2017، مع عمل 23% من السوريين بها، حسبما ذكرت المنظمة.

وتحولت سوريا، نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي المرتبط بنشوب الصراع المسلح وما خلفه من دمار في المدن والبنى التحتية، إلى مستوردة للحبوب بعد أن كانت مصدّرة لها، وتتوقع “فاو” أن تزيد نسبة استيراد سوريا للحبوب 30% هذا العام.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة