ع ع ع

ضياء عودة | محمد حمص | نينار خليفة

“يعتقد البعض أن الوطن مزرعة يأتون إليها متى شاؤوا ويرحلون متى أرادوا، إذا كان الأمر كذلك فلزام عليهم أن يدافعوا عن هذه المزرعة”، تصريح أدلى به رئيس هيئة الداخلية في مقاطعة الجزيرة، كنعان بركات، في تشرين الثاني 2014، وذلك تعليقًا على قانون “واجب الدفاع الذاتي”، الذي أعلن عنه بشكل رسمي في مناطق شمال وشرق سوريا، حينها، بالتزامن مع المعارك التي كانت تخوضها “وحدات حماية الشعب” (الكردية) في مدينة عين العرب (كوباني)، التي شهدت هجومًا واسعًا لتنظيم “الدولة الإسلامية” آنذاك.

اقتيد بموجب ذلك القانون الشبان في سن الخدمة للتجنيد الإلزامي في صفوف “قوات سوريا الديمقراطية”، الجناح العسكري لـ “حزب الاتحاد الديمقراطي”، الذي يفرض بممثله المدني (الإدارة الذاتية) سلطته على أغلب مساحة محافظة الحسكة، وأجزاء واسعة من محافظتي دير الزور والرقة، ومدينة منبج في ريف حلب الشرقي.

ورغم التعديلات الطفيفة التي طرأت عليه خلال الأعوام الماضية، إلا أن قانون التجنيد اتخذ شكله الأخير في 23 من حزيران 2019، حين أقرت الإدارة الذاتية قانونًا جديدًا يتألف من 35 مادة، تجعل منه قانونًا مشابهًا لقانون الخدمة الإلزامية لدى النظام السوري.

تفتح عنب بلدي في هذا التحقيق ملف تحول “قوات سوريا الديمقراطية” إلى اتخاذ شكل جيش نظامي من خلال القوننة، وتبحث في مدى موافقة قانون التجنيد الجديد للمعايير الدولية، كما تسلط الضوء على التدرج في هيكلية هذه القوات ابتداءً من المجموعات المقاتلة وانتهاءً بالمجالس العسكرية.

تجنيد إجباري تحت غطاء “واجب الدفاع الذاتي”

سبقت الإعلان عن قانون التجنيد الذي أقر تحت غطاء “واجب الدفاع الذاتي” عام 2014 اعتقالات طالت الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا في كل من الحسكة والقامشلي، من قبل “قوات أسايش” الذراع الأمني لـ “وحدات حماية الشعب” (الكردية) التي تشكل بدورها العماد العسكري لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الوقت الحالي.

لم ينكر رئيس هيئة الداخلية في مقاطعة الجزيرة، كنعان بركات، حينها الاعتقالات بهدف التجنيد، وقال إنها أسلوب غير حضاري نوعًا ما، مبررًا الأمر بأن المنطقة تعيش حالة حرب، وقانون التجنيد هو إجراء لضرورة المرحلة التي تمر بها المنطقة.

وأضاف بركات في تصريحه لموقع “بوير برس”، أن قانون التجنيد “اسمه قانون واجب الدفاع الذاتي، وهو مطبّق على الجميع دون استثناء (…) هذا القانون يجب أن يطبّق وخاصّة في هذه الأوضاع، وهدفه إنشاء جيش شعبي وطني شبيه بالجيش الوطني، الغاية منه حماية المؤسسات والمنشآت في المدن الكرديّة”.

إصدار قانون “واجب الدفاع الذاتي”، الذي أقره المجلس التشريعي لمقاطعة الجزيرة في 13 من تموز 2014، نص على تقديم كل أسرة من مواطني المقاطعة فردًا من أفرادها للمشاركة في “أداء واجب الدفاع الذاتي” لمدة ستة أشهر، التي تم تعديلها لتصبح تسعة أشهر في التعديلات التي أقرت في شهر كانون الثاني 2016.

ففي المرحلة التي تلت انتهاء معاركها في عين العرب (كوباني) في تشرين الثاني 2015، انتقلت “قوات سوريا الديمقراطية” إلى عمليات عسكرية أخرى أوسع في مناطق شمال وشرق سوريا، وبموازاة ما سبق استمرت عمليات التجنيد الإجباري دون تمييز أي منطقة عن أخرى سواء الحسكة أو عين العرب أو تل أبيض والقامشلي، وتخللتها عمليات تجنيد لأطفال وقاصرين، وهو ما وثقته منظمات حقوقية على مدار السنوات الماضية، وأكدته النعوات التي كانت تنشرها “الوحدات” بين الفترة والأخرى عن مقتل مقاتلين في صفوفها ضمن المعارك، بينهم أطفال في عمر الـ 18.

اعتقال وتجنيد بعيدًا عن القانون

رغم المساحة الكبيرة التي أتاحها قانون “أداء واجب الدفاع الذاتي” لتجنيد الشبان المقيمين في مناطق سيطرة “الوحدات”، إلا أن الأخيرة لم تلتزم بالبنود التي أقرها، ووثقت عدة حالات اعتقال تعسفي بغرض التجنيد، رغم التأجيل الدراسي للخدمة الإلزامية أو حصول بعض الشبان على إعفاء لغرض طبي أو غير ذلك.

وفي تقرير نشرته منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، في آذار 2018، قالت إن “الإدارة الذاتية” عمدت إلى اعتقال المزيد من الشبان في محافظة الحسكة، بالتزامن مع العمليات العسكرية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في محافظتي دير الزور والرقة، ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، فحتى بعض العاملين في سلك التربية والتعليم لم يسلموا أيضًا من هذا الاعتقال والتجنيد الإجباري، رغم أنهم حاصلون على ورقة رسمية تخولهم التأجيل من الخدمة.

ووفقًا للعديد من الشهادات التي حصلت عليها المنظمة، فإنّ العديد من الشبان تمّ اقتيادهم مباشرة إلى معسكرات التجنيد التابعة لـ “الإدارة الذاتية”، رغم أنهم مستثنون من الخدمة لأسباب عدة ومنها التأجيل الدراسي.

بحسب ما قال مصدر مطلع على عمليات التجنيد (طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية)، توجد بموجب قانون “أداء الدفاع الذاتي” طريقتان لسحب الشبان للخدمة الإلزامية في صفوف “قسد”، الأولى تسليم الشاب نفسه بشكل طوعي ويفرز في هذه الحالة إلى المراكز العسكرية في عامودا والقامشلي والحسكة.

أما عند إلقاء القبض عليه في حال تخلفه على أحد الحواجز العسكرية أو ضمن حملات مداهمة، فيفرز إلى مراكز عسكرية بعيدة في الرقة ودير الزور، وهذه العملية تعتبر بمثابة “عقوبة”.

مقاتل من قسد في أثناء تشييع مقاتلين شرق سوريا – آذار 2019 (AFP)

مراحل التجنيد

يوضح المصدر أنه بعد تسليم الشاب نفسه إلى مراكز التجنيد ينقل إلى المشفى الطبي العسكري، لفحصه والتأكد من سلامته من أي أمراض قد تعيق عمله العسكري، وفي المرحلة التالية يتم فرزه بحسب وضعه على أحد المراكز العسكرية الثلاثة في تل بيدر في الحسكة و”غرزيرو” في الرميلان و”غابكا” في القامشلي.

وبحسب المصدر، تحدد “قسد” (الوحدات أساسها العسكري) دورتها العسكرية بـ 4500  مقاتل، وتستمر على فترة زمنية 40 يومًا، وفيما بعد تعطى للمجند استراحة خمسة أيام في منزله قبل فرزه النهائي إلى المراكز العسكرية المنتشرة في عدة مناطق شمال وشرق سوريا.

الفرز يكون حسب الشهادات العلمية أو الإمكانيات والأعمال التي يتميز بها كل شاب، فعلى سبيل المثال يفرز الصحفي إلى المراكز الإعلامية التابعة لـ “قسد” بينما السائق إلى قيادة المركبات العسكرية، كونه على دراية بآلية عملها وقيادتها.

وتشابه مراحل التجنيد التي تتبعها “قسد” تلك التي يتبعها النظام السوري، سواء بالدورات التي تقوم بتنظيمها في بداية سحب الشبان وصولًا إلى عمليات الفرز، لكنها تختلف بالمدة الزمنية والعطل الشهرية التي تتاح للمجندين (25 يوم عمل في المراكز العسكرية وخمسة أيام في المنزل).

وبحسب المصدر توجد محسوبيات في عمليات فرز المجندين إلى المراكز العسكرية، فالفرز إلى القامشلي وعامودا والحسكة يعتبر أفضل بالنسبة للشبان من الفرز إلى الرقة ودير الزور، إضافة إلى تحديد خدمة بعض المجندين بالدوام الإداري حتى الساعة الثالثة ظهرًا وباقي الوقت في المنزل.

تعديل مواد فقط.. “الإدارة الذاتية” تتمسك بالقانون

منذ إقراره في تموز 2014 حتى اليوم، تمسكت “الإدارة الذاتية” شمال شرقي سوريا بقانون “أداء واجب الدفاع الذاتي”، رغم الرفض الكبير الذي واجهه من قبل المواطنين القاطنين في المناطق التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية”، والذين خرجوا في عدة مظاهرات رفضوا فيها عمليات التجنيد الإجباري، خاصةً أن شريحة واسعة من الشبان كانوا قد خرجوا من مناطق النظام السوري للهرب من خدمته الإلزامية ليجدوا نفسهم أمام تجنيد إلزامي لا يختلف كثيرًا بمراحله وأساليبه عما يفرضه النظام السوري.

أجرت “الإدارة الذاتية” فقط عدة تعديلات على القانون، ومن أهمّ التعديلات التي أقرّت، في كانون الثاني 2016، إلغاء الفقرة الأولى من المادة التاسعة التي كانت تنصّ على قيمة بدل للمقيمين خارج المقاطعة بمقدار 1000 دولار عن كلِّ زيارة، حتى يبلغ مقدار 5000 دولار كحدٍّ أقصى واستعيض عنها باستيفاء مبلغ 200 دولار من المكلّف عند زيارته إلى “روج آفا”، ويعتبر كتأجيلٍ سنوي من “واجب الدفاع الذاتي”.

وتمّ إقرار الفقرة الأولى من المادة الرابعة، في تعديل 2016، والتي رفعت مدّة أداء “واجب الدفاع الذاتي” من ستة إلى تسعة أشهر، وأيضًا تمّ إلغاء الفقرة الثالثة من المادة العاشرة التي كانت تجيز في زمن الحرب إلغاء التأجيل الدراسي للمكلّفين، “وذلك باقتراحٍ من هيئة الدفاع وبموافقة المجلس التشريعي”.

“قانون دولة”

في 23 من حزيران 2019 عدلت “الإدارة الذاتية” عدة مواد في قانون التجنيد القديم، وأقرت قانونًا جديدًا يتألف من 35 مادة، تشابه في مضمونها قانون التجنيد في مناطق النظام السوري.

في حديث لعنب بلدي، يقول الباحث في “مركز عمران للدراسات الاستراتيجية”، بدر ملا رشيد، إن فرض قانون الدفاع الذاتي في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” يعود إلى منتصف العام 2014، ومنذ ذلك الحين قامت “الإدارة الذاتية” بإتمام ما يقارب 40 دورة من دورات التدريب العسكري للمجندين الإلزاميين في محافظة الحسكة، واختلفت في نسبها في عفرين وعين العرب (كوباني).

ويضيف الباحث السوري أن القانون الأخير لا يُعتبر قانونًا جديدًا، بل تم إحداث تعديلات على القانون القديم، كان أهمها ما تم تحديثه فيما يخص التفرقة بين المواليد وفق المناطق، فبقيت المواليد المطلوبة على حالها في المدن الكُردية والشمالية، وهي مواليد 1986، بينما تم تحديدها في مناطق دير الزور والرقة بمواليد 1990 وما يتبعه.

ويشير ملا رشيد إلى أن التعديلات أدت إلى حدوث اعتراض كبير من قبل الفئة الشبابية في المدن الشمالية رفضًا للتمييز الحاصل، وانتشرت هاشتاغات متعددة تطالب بإلغاء هذا البند وتوحيد المواليد منها “#نعم_لتوحيد_مواليد_الدفاع_الذاتي #لا_للتفرقة #لا_للتمييز #لا_للمناطقية #نعم_للعدل #نعم_للمساواة #الإدارة_الذاتية_للجميع”.

وبحسب الباحث السوري فإنه ووفقًا للأعمار المحددة فإن “قسد” تحاول التخفيف من الاحتقان الحاصل في المناطق العربية، نتيجة سحب الشباب للدفاع الذاتي، كما يمكن اعتباره عاملًا لإمكانية فتح الباب مستقبلًا لعودة النازحين من هذه المناطق، سواءً إلى داخل سوريا أو إلى الدول المجاورة.

عناصر من قوات سوريا الديمقراطية في محيط الباغوز شرق الفرات – آذار 2019 (رويترز)

تكريس “الإدارة الذاتية”

تأتي التعديلات الأخيرة التي أجرتها “قسد” في الوقت الذي انتهت فيه العمليات العسكرية على الأرض ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، والذي خسر آخر معاقله شرق الفرات، وهي بلدة الباغوز.

وتزامنت مع اتجاه القوات الكردية إلى هيكلية عسكرية جديدة كانت أولى خطواتها الإعلان عن تشكيل المجالس العسكرية في كل من: تل أبيض، عين العرب (كوباني)، الرقة، الطبقة، والقامشلي، وهي تضاف إلى سابقتها من مجالس منبج، الباب، جرابلس، دير الزور العسكرية.

تمسكت “قسد” في السنوات الماضية بعمليات التجنيد، كجزء أساسي من العمليات العسكرية التي كانت تخوضها ضد تنظيم “الدولة”، وبالتالي فهي بحاجة إلى العنصر البشري لإحراز التقدم على الأرض، أما في الوقت الحالي فاستمرت عمليات التجنيد، وأُقر قانون جديد له، لكن المعارك قد انتهت، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن هدف القوات الكردية من التمسك بالتجنيد وتخصيص اهتمام وتركيز كبير بخصوصه.

ويرى الباحث السوري، مهند الكاطع، أن “حزب العمال الكردستاني عبر ميليشياته العسكرية في سوريا الممثلة بقسد، والواجهة السياسية الممثلة بمجلس سوريا الديمقراطية يطرح نفسه كقوى سورية شرعية، ويعتبر أن السيطرة العسكرية التي تحققت له في المنطقة بدعم من النظام في بادئ الأمر، ثم من أمريكا، يمكن له أن يصبح أمرًا معترفًا به، خاصة مع وجود مصالح لأطراف عربية ودولية بلعب الورقة الكردية الحالية”.

ويضيف الباحث السوري في حديث إلى عنب بلدي، أن ما سبق يدفع القوات الكردية للاستمرار ببرنامج التجنيد الإجباري ليس بصفته إجراء مؤقتًا، بل كحالة مستمرة لتكريس مسألة ما يسمى “الإدارة الذاتية”.

ويربط الباحث السوري ما سبق مع الشروط التي تضعها “الإدارة الذاتية” للتفاوض مع النظام السوري على أن يعترف بها من جهة وأن يبقي على خصوصية “قسد” من جهة أخرى.

ويعرّج الكاطع على مسألة تشكيل المجالس العسكرية التي تهدف إلى إنشاء عشرة مجالس عسكرية جديدة في مناطق سيطرة “قسد”، تسعى بحسب القائد العام لـ “قسد”، مظلوم عبدي، لأن يتولى أبناء المناطق المشكلة فيها إدارتها، ووفق الكاطع يأتي تشكيل المجالس بعد أقل من أسبوعين على لقاءات فرنسية- كردية أكدت بأن فرنسا ستستمر بدعم مشروع “قسد” شرط إشراك العرب سياسيًا وعسكريًا.

و”إلى جانب تلك اللقاءات فإن عقد الوفد الأمريكي السعودي في دير الزور مؤخرًا اجتماعات مع شخصيات عشائرية بحضور قسد كان يهدف عمليًا لإشراك العشائر العربية وطمأنتها تجاه وجود قسد”، بحسب الكاطع، الذي يضيف، “يهدف ذلك أيضًا إلى تعزيز قوة قسد بالمنطقة أمام أي تهديدات إقليمية خاصة من الجانب التركي، ويقطع الطريق أمام الأتراك في استمالة العشائر العربية ضد قسد مستقبلًا”.

لكن الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بدر ملا رشيد، لا يعتقد أن التعديلات التي حصلت على قانون “الدفاع الذاتي” لها صلة مباشرة بتشكيل المجالس العسكرية.

ويوضح أن تشكيل المجالس عملية تخص “قسد” بشكلٍ كامل أي “وحدات حماية الشعب” (الكردية) وبقية الفصائل المكونة لـ “قسد”، أما التجنيد الإلزامي فله قسم يتعلق بضم المجندين لصفوف “قسد”، وقسم يتعلق بمكتب الدفاع الذاتي، كون القوتين المشكلتين لـ “قسد” (القوات الفصائلية، والدفاع الذاتي) لم يتم دمجهما بشكل كامل إلى الآن، وهو أمر يمكن حدوثه مع انتهاء عملية إعادة هيكلة “قوات سوريا الديمقراطية”.

يجلسون في دلو حفارة في قرية باغوز بريف دير الزور – آذار 2019 (رويترز)

استطلاع رأي

لماذا تسعى أطراف النزاع في سوريا إلى التجنيد؟

أجرت جريدة عنب بلدي استطلاعًا للرأي طرحت فيه على متابعيها السؤال التالي: برأيك.. لماذا تتجه أطراف للنزاع في سوريا (النظام وقسد) لفرض وتعزيز التجنيد الإلزامي؟

يرى 54٪ من المشاركين في الاستطلاع الذين وصل عددهم إلى 680، أنّ التجنيد الإلزامي هو مسعى لزيادة عدد المقاتلين، بينما يعتقد 46٪ منهم أن الغاية منه تكريس النفوذ والسلطة.

وتقاطعت التعليقات التي كتبها بعض المشاركين مع نتائج الاستطلاع، إذ كتب سليمان فادي أن الهدف من التجنيد بالنسبة لأطراف الصراع هو “ليحكموا سوريا عبر العدد الأكبر ضمن الانتخابات التي ستكون ضمن خطة الانتقال السياسي وقرار جنيف واحد”، ويوافقه مصطفى مصطفى الرأي، بقوله “لقلة المقاتلين لديهم وليكسبوا الأصوات في الانتخابات”.

“مكفول في القانون الدولي”

التجنيد الإلزامي في الجماعات المسلحة “مباح”

يضع القانون الدولي عدة أسس ومعايير بالنسبة للخدمة الإلزامية أو التجنيد الإجباري المفروض في كثير من بلدان العالم، لكنه لا يتدخل بشكل مباشر في حالات التجنيد إلا في بعض المسائل، لا سيما تلك التي تخص تجنيد الأطفال التي يحظرها القانون الدولي ويعتبرها جريمة حرب.

ولا يحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان إلزامية التجنيد، وتشترط اتفاقية “منظمة العمل الدولية” رقم (29)، التي أبرمتها منظمة العفو الدولية عام 1930، أن تكون قوانين الخدمة العسكرية، معفية من الحظر المفروض على العمل الإلزامي.

وفي تصريحه لعنب بلدي، قال المحامي إبراهيم القاسم، المدير التنفيذي لـ “مجموعة ملفات قيصر”، إنه على الرغم من أن القانون الدولي لحقوق الإنسان ينص على عدم جواز الإكراه أو السخرة أو العمل الإلزامي، إلا أن الخدمة العسكرية الإلزامية لا تعتبر عملًا من هذا القبيل، لذلك لا يوجد في القوانين الدولية ما يمنع أو يجرم التجنيد الإجباري في الدول التي تفرضه، ولكن في المقابل هناك دول تخطط لإلغاء التجنيد، ودول أخرى لا يوجد فيها تجنيد، ودول تعاقب على من يتخلف عن أداء الخدمة.

وأكّد القاسم أن “ما ينطبق على الحكومات ينطبق على الجماعات المسلحة وفق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الإنساني العرفي، بموجب البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف الأربع”.

ومن خلال القانون الذي فرضته “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مؤخرًا، فإنه يترتب عليها ما يترتب على الدول، من محظورات التجنيد القسري، كتجنيد الأطفال.

ويتعين أن تتوافر في التجنيد القسري في الدول بعض المعايير الجوهرية ومنها يجب أن “ينفذ بطريقة قانونية وغير اعتباطية أو تمييزية”.

“الاستنكاف الضميري حق”

ترى “لجنة البلدان الأمريكية لحقوق الانسان” أن التجنيد القسري يعد انتهاكًا للحق في الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية وحرية الحركة وهو حق تكفله الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، التي تصف عمليات جمع الشباب من الشوارع بالتجنيد القسري، لأن عمليات التجنيد القسري لا تمكن الأفراد من الطعن في قانونية تجنيدهم.

كما تعتبر الأمم المتحدة أن رفض الخدمة العسكرية لدى الأفراد (الاستنكاف الضميري) هو حق مشتق من تفسير الحق في حرية الفكر والوجدان والضمير والدين.

و”المستنكف ضميريًا” هو الشخص الذي يدعي الحق في رفض أداء الخدمة العسكرية تحت زعم حرية الفكر أو حرية الضمير أو الدين.

ووفق القاسم فإنه قد يكون الاستنكاف جزئيًا، خلال أداء الخدمة الإلزامية أي في عمليات معينة أو حالات معينة.

وأشار إلى أن الأمم المتحدة طالبت في أحد قراراتها الدول الأعضاء بمنح حق اللجوء أو المرور الآمن العابر للأشخاص المرغمين على مغادرة بلادهم لاعتراضهم بدافع الضمير على المساعدة في تنفيذ الفصل العنصري بالخدمة في القوات المسلحة أو الشرطة.

وأقر “ميثاق الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية” في الفقرة الثانية من المادة العاشرة منه، إقرار الحق في عدم الاشتراك في الحروب وفقًا للقوانين المحلية التي تحكم ممارسة هذا الحق، وجاء في الاتفاقية الإيبيرية-الأمريكية المتعلقة بحقوق الشباب في المادة 12 أن للشباب الحق في الاستكناف الضميري عن الخدمة العسكرية.

لا استنكاف لدى “قسد”

لا يحوي قانون التجنيد لدى “قوات سوريا الديمقراطية”، الذي اطلعت عليه عنب بلدي، بنودًا حول الإعفاء من الخدمة، حالها كحال قانون التجنيد لدى النظام، الذي لا يعترف بالحق في الاستنكاف الضميري عن الخدمة، ولكنه يسمح لمن لا يرغبون في أداء الخدمة العسكرية بدفع مبلغ مالي معين، وذلك وفق ما جاء في إحدى الملاحظات الختامية في تقرير مرسل من الحكومة السورية إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان سابقاً، بحسب إبراهيم القاسم.

وفي الدول التي لا تعترف بالاستنكاف الضميري عن الخدمة العسكرية، لا ينبغي أن تطبق بعض أشكال العقوبات خصوصًا السجن أو الاعدام، بحسب لجنة حقوق الإنسان في قرارها رقم (77) لعام 1998.

“وقف تجنيد الأطفال” في صلب القانون الجديد

في آب 2018، اتهمت منظمة “هيومان رايتس ووتش” الحقوقية الدولية في تقرير لها “وحدات حماية الشعب” (الكردية) بتجنيد أطفال، وبينهم فتيات، للقتال في صفوفها، مشيرة إلى أن من بين الأطفال المجندين أطفالًا نازحين مع عائلاتهم إلى المخيمات التي تسيطر عليها “الوحدات” (العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية).

ووفق تقرير “هيومان رايتس ووتش”، توجد 224 حالة تجنيد أطفال من قبل “الوحدات” ووحدتها النسائية، عام 2017 فقط، بزيادة خمسة أضعاف عن عام 2016.

ودعت المنظمة “الوحدات” إلى تسريح الأطفال المنضمين في صفوفها فورًا والتوقف عن تجنيد الأطفال، ومنهم أطفال العائلات في مخيمات النازحين التي تسيطر عليها.

تلك الدعوات الحقوقية ترافقت مع انتقادات عدّة لـ “قسد” حول تجنيدها لأطفال تحت سن الثامنة عشرة، وهو ما تحظره القوانين الدولية، إذ تُعتبر كل عمليات التجنيد، بما في ذلك القسري، لمن تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة من الأمور التي يحظرها قانون المعاهدات الدولي في البروتوكولين الدوليين لعام 1977 في المادة، الملحقين باتفاقية جنيف لعام 1949 واتفاقية حقوق الطفل، ويعتبرها القانون جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مادته الثامنة.

ويتوافق القانون الجديد الذي أصدرته الإدارة الذاتية حول الخدمة الإلزامية في صفوف “قسد” مع تلك الدعوات الدولية، إذ ينص البند الأول من المادة (1) أن “واجب الدفاع الذاتي خدمة إلزامية يخضع لها الذكور من أبناء مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ممن أتموا الثامنة عشرة من العمر”.

وكانت “قسد” أصدرت في أيلول الماضي، قرارًا رسميًا، بمنع ظاهرة تجنيد الأطفال في صفوفها، استجابةً لتقرير “هيومان رايتس ووتش”.

ويقضي القرار، الذي نشرته “قسد” عبر موقعها الرسمي، بمنع تجنيد الأطفال ممن هم دون سن الـ 18 “منعًا باتًا” بموجب النظام الداخلي للقوات، وبموجب القوانين الدولية التي تحظر تسليح الأطفال وإقحامهم في جبهات القتال.

تعهدات إضافية.. هل تكفي؟

عاد الحديث مؤخرًا عن ظاهرة تجنيد الأطفال إلى الواجهة من جديد مع توقيع الأمم المتحدة خطة عمل مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من أجل إنهاء ومنع تجنيد الأطفال في صفوفها.

وأوضح بيان للأمم المتحدة أصدرته بداية تموز الحالي، أن خطة العمل تشمل تسريح الفتيان والفتيات المجندين حاليًا وفصلهم عن القوات، بالإضافة إلى منع وإنهاء تجنيد الأطفال ممن هم دون 18 عامًا.

ووقع الخطة باسم “قسد” قائدها العام، اللواء مظلوم عبدي، والممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، فيرجينيا غامبا، بمقر الأمم المتحدة في جنيف.

وتُعتبر “قسد” أولى الجهات المسلحة التي توقع هذا النوع من الاتفاقيات، عدا عن اعترافها بعمليات تجنيد القاصرين في صفوفها، من خلال حضور قياداتها في مقر الأمم المتحدة على رأسهم مظلوم عبدي، وريدور خليل، الناطق الرسمي السابق باسم “وحدات حماية الشعب”.

ويرى المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أن هذه الاتفاقية من الممكن أن تساعد في تخفيض أعداد الأطفال المجندين لدى “قسد” على المدى القصير، لكنها لن تُنهي جميع حالات التجنيد بشكل فوري.

ويضيف الأحمد في حديثه لعنب بلدي، “إننا نتحدث عن قوات عسكرية قوامها بالآلاف، وهي بحاجة إلى خارطة طريق، وخطة زمنية، واستراتيجية عملية من أجل وضع بنود الاتفاقية ضمن أنظمتها الداخلية لضمان تطبيقها”.

ويشير إلى أن توقيع الاتفاقية يُعتبر خطوة أولى فقط، من المفترض أن تليها العديد من الخطوات الأخرى التي يجب اتباعها، والتي يُفترض أن تتضمن تسريح جميع الأطفال الموجودين ضمن صفوف هذه القوات بشكل فوري، وضمان محاسبة الأفراد والقادة المتورطين في عمليات التجنيد تلك.

وبحسب الأحمد، فإن توقيع هذه الاتفاقية قد يكون حافزًا أمام مجموعات عسكرية أخرى في سوريا للانخراط في هكذا تعهد، خاصة وأن عقد اتفاقيات مع جهات رسمية كالأمم المتحدة يُضفي نوعًا من الشرعية والاعتراف والدفع المعنوي لهذه الجهات.

أقارب أحد مقاتلي قسد يحملون صورته في تشييعه بمنبج شرق حلب – آذار 2019 (AFP)

هيكلية “قسد”.. مجموعات ثم أفواج فمجالس عسكرية

تشكّل “وحدات حماية الشعب” (الكردية) العماد العسكري لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي أعلن عن تشكيلها بشكل رسمي في تشرين الأول 2015، ضمن بيان رسمي قالت فيه إنها “قوة عسكرية وطنية موحدة لكل السوريين تجمع العرب والكرد والسريان وكافة المكونات الأخرى”.

بالعودة إلى ما قبل تشكيل “قسد” أي في أثناء سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، نلاحظ أن “الوحدات” كانت تقاتل على شكل مجموعات مقاتلة صغيرة، كالنشأة الأولى لفصائل “الجيش الحر”، وهو ما كان حاضرًا في معارك مدينة عين العرب (كوباني)، إذ تحالفت مع عدة تشكيلات عسكرية في إطار “مصلحي” لصد هجوم التنظيم على المدينة.

وظهرت “الوحدات” بشكل علني في شهر تموز 2012، بعد أكثر من عام على انطلاقة الثورة السورية، وحينها تحولت إلى فصيل عسكري بحكم الأمر الواقع، وبدأت بنشاطها العسكري في كل من الحسكة وحلب والرقة وأنشأت نقاط تفتيش وحواجز.

بقيت “الوحدات” على حالتها الفصائلية دون أي تنظيم عسكري حتى الفترة التي تلت صد هجوم تنظيم “الدولة” على “كوباني”، لتنتقل إلى مرحلة جديدة تختلف بشكل جذري عن المرحلة السابقة، وتحتاج إلى عمليات تنظيم أكبر وهيكلية هرمية لاستيعاب حجم المعارك والقتال على الأرض.

المرحلة التي دخلت بها “الوحدات” هي تشكيل “قوات سوريا الديمقراطية”، التي جاء الإعلان عنها عقب إعلان الولايات المتحدة نيتها تقديم أسلحة لمجموعة مختارة من قوى مسلحة بغرض محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وجاء في بيان الإعلان عن “قسد” أنها تضم كلًا من: “التحالف العربي السوري” و”جيش الثوار” و”غرفة عمليات بركان الفرات” و”قوات الصناديد” و”تجمع ألوية الجزيرة” و”المجلس العسكري السرياني” و”وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة”.

المسميات التي أعلن عنها في تشكيل “قسد” عبارة عن فصائل عسكرية، وتمكنت بحكم تشكيلها العسكري التي ظهرت فيه من أن تمسك بزمام الأمور على الأرض، كالقتال على أكثر من جبهة ومحور في العمليات العسكرية التي أطلقت ضد تنظيم “الدولة”.

وكان الناطق السابق باسم “قسد”، طلال سلو، والذي انشق عنها، حدد أعداد قواتها بشكل تقريبي بحوالي 50 ألفًا بين مقاتل ومقاتلة، وأكثر من 70% منهم هم “YPK” ” وYPG””، ثم تأتي بقية المكونات.

أما عن المكون التركماني فأوضح سلو، “كنا عبارة عن فصيل صغير بقيادتي أنا، ضمن قرية حمام التركمان، ويضم نحو 65 مقاتلًا، وكان هناك طرح من قبل إدارة PKK، وخاصة من قبل شاهين جيلو (فرهاد عبدي شاهين) أن يكون هناك اسم فقط وبشكل رمزي”، كما أن المجلس العسكري السرياني يضم حاليًا حوالي 50 عضوًا، وبالنسبة إلى المكون العربي، أشار سلو إلى عدد كبير، غير أنه في الفترة الأخيرة لم يكن يشارك في العمليات العسكرية.

في أيار 2017 وبعد إطلاق عمليات عسكرية واسعة من قبل “قسد” أعلنت عن تشكيل أفواج عسكرية في مناطق سيطرتها، وقال الرئيس المشترك لهيئة الدفاع والحماية الذاتية في مقاطعة الجزيرة، ريزان كلو، في أيار 2017، إن “الهدف من تشكيل الأفواج العسكرية لقوات الدفاع الذاتي هو بناء قوة عسكرية على مستوى عالٍ من التدريب والانضباط، تدافع عن المكتسبات التي تحققت في روج آفا بفضل تضحيات آلاف الشهداء”.

أول فوج عسكري أعلن عنه في 9 من أيار 2017 وأشار كلو حينها، إلى أن “المنضمين إلى الأفواج العسكرية سيتلقون دروسًا عسكرية وفكرية لتزويدهم بالخبرات الكافية”، معتبرًا أن “هذه القوات تنظم نفسها تحت سقف الإدارة الذاتية الديمقراطية”.

وحُددت شروط الانضمام للأفواج بأن يتمتع المقاتل بصحة جيدة ويتراوح عمره بين 18 و40 عامًا، ومدة الخدمة هي 23 شهرًا والمنضمون يتم إعفاؤهم من أداء “واجب الدفاع الذاتي”، إلى جانب وجود مجموعة أخرى من الشروط بالإضافة إلى حقوق المنضمين مثل الاستفادة من الضمان الصحي وتلقي راتب شهري قدره 200 دولار.

لم يطرأ أي تطور على هرمية “قسد” بعد التوجه لتشكيل الأفواج، وصولًا إلى الإعلان عن المجالس العسكرية، التي أعلن عن تشكيلها في ظرف لافت عقب إنهاء نفوذ تنظيم “الدولة”، وزيارات مكوكية لمسؤولين عرب وأجانب شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا.

وقالت “قسد” في بيان تشكيل المجالس إنها تأتي لإعادة الهيكلية التنظيمية لقواتها وللتشكيلات العسكرية الموجودة في المنطقة، والهدف منها أيضًا توحيد جميع القوات العسكرية والأمنية تحت مظلة المجلس العسكري “ما يعزز خوض نضال موحد ضد الإرهاب وتجذير العمل المؤسساتي، بتفعيل المؤسسات العسكرية وتمثيلها في المجلس بشكل أكبر”.

عناصر من قسد في تشييع عنصر قتل في ريف دير الزور – نيسان 2019 (AFP)

مقالات متعلقة