الدروع البشرية في الحرب السورية

حافلة عسكرية تابعة لقوات الأسد تعرضت لتفجير بعبوة ناسفة في حي الضاحية بين المفطرة وبلدة اليادودة بمحافظة درعا 17 تموز 2019 (شبكة أخبار درعا تلغرام)

ع ع ع

عمر الحريري

ما زلت أذكر قبل ثماني سنوات عندما كنت استقل إحدى الحافلات من درعا إلى دمشق، كان التواجد العسكري لقوات النظام في مراحله الأولى وعمليات استهداف الأرتال على الطرقات قد بدأت. من سوء حظنا في ذلك اليوم أن رحلتنا تزامنت مع مرور رتل لقوات النظام بين مدينتي درعا وإزرع، لنُفاجئ بسيارات عسكرية تحيط بالحافلة وتقتادها إلى داخل الرتل لنصبح جزءًا منه، تحول ركاب الحافلة التي تجاوز عددهم الأربعين إلى “درع بشري” كان من الممكن أن يصبحوا ضحايا في أي لحظة. كانت نصف ساعة مليئة بالرعب حتى وصل الرتل إلى مدينة إزرع وتم “إطلاق سراح” الحافلة لنكمل طريقنا إلى دمشق.

في كل مرة اسمع فيها مصطلح “الدروع البشرية”، أتذكر ذلك اليوم الذي كنت فيه “درعًا بشريًا” يحتمي فيه النظام من الاستهداف. يعتريك شعور العجز من جهة وشعور القرف من ذلك الطرف العسكري الذي قرر أن يجعل من المدنيين وسيلة لحماية نفسه، وكأنه يعترف بدونيته ويعول على أخلاق خصمه في عدم استهداف المدنيين.

اتفاقية جنيف لعام 1929، شددت على منع استخدام “الدروع البشرية” وخاصة الأسرى منهم، وألزمت الاتفاقية الموقعين عليها بأن “على الطرف المسيطر على الجبهة إخلاء أسراه في أسرع وقت وإبعادهم عن جبهات القتال”. الاتفاقية أظهرت الحرص على عدم استخدام العسكريين الأسرى كـ “درع بشري” وحذرت من ذلك. فكيف بالمدنيين!

طوال هذه السنوات، رصدت المنظمات الحقوقية مئات الحالات لاستخدام المدنيين كدروع بشرية، من أطراف النزاع المختلفة، من استخدام السيارات المدنية كحماية للأرتال العسكرية أو وسيلة لنقل القوات، إلى إنشاء الحواجز بين المنازل وداخل الأحياء، إلى نصب المدافع في الأماكن العامة، وإنشاء المقار العسكرية بين منازل المدنيين.

كذلك فإن “الدروع البشرية” كانت في مرحلة من الحرب في سوريا، سلاح الأطراف العسكرية للضغط على المدنيين للنزوح من منطقة معينة دون طلب ذلك منهم، فإنشاء حاجز عسكري داخل تجمع سكني ونشر الآليات الثقيلة والأسلحة المتعددة، كان دافعًا كافيًا للمدنيين للهروب من هذه المنطقة، التي أصبحت معرضة في أي وقت للاستهداف، وكذلك الأمر عند إخفاء مستودعات الأسلحة بين المنازل.

قبل عدة سنوات، وقعت عدة تصادمات بين الأهالي في محافظة درعا، وأظن في مناطق أخرى أيضًا، وفصائل المعارضة اعتراضًا على إنشاء مقار عسكرية داخل المدن والبلدات السكنية أو إخفاء مستودعات الأسلحة داخلها. الأهالي كانوا يطالبون بسحب الذرائع من النظام، الذي يدّعي دائمًا استهداف أهداف عسكرية أثناء استهدافه للمدنيين. الأمر الذي دفع الكثير من الفصائل إلى الانتقال نحو المزارع وأطراف المدن والبلدات، وبطبيعة الحال فرضت بعض الفصائل قرارها بالقوة وألزمت الأهالي على النزوح بدلًا عنها. حالات مماثلة حصلت مع أطراف عسكرية أخرى كتنظيم الدولة والوحدات الكردية، كما أن المنظمات الحقوقية لم تنسى ما فعله “جيش الإسلام” عندما نشر عددًا من أسرى قوات النظام داخل أقفاص في مناطق مختلفة من دوما للضغط على النظام لإيقاف الغارات الجوية. آنذاك انقسمت أوساط الثورة السورية في توصيف الموقف بين الموافقة والتبرير والتحذير والتنديد، إلا أن توصيف المنظمات الحقوقية اتفق على أن ما حصل كان انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني وللعديد من الاتفاقيات الدولية بما فيها تلك التي تتناول الحروب.

يبدو مستغربًا أن أتحدث عن هذا الموضوع بعد أكثر من ثماني سنوات من الحرب التي عشنا وشاهدنا فيها كل ما يمكن للمرء أن يتخيل، لكن في الواقع فإن حوادث معينة تجعلك تستعيد المشهد من جديد وتعيد إحياء الفكرة وتسليط الضوء عليها مرة أخرى.

في منتصف تموز الجاري، تعرض ضابط في قوات النظام لاستهداف بعبوة ناسفة في ريف درعا الغربي، قُتل الضابط برفقة سيدة وطفل كانا معه في السيارة، قيل بداية أنهما زوجته وطفله، قبل أن يتبين أنهم مدنيان من أهالي ريف درعا، لم يكن يُعرف السبب الحقيقي لتواجدهما في السيارة المستهدفة.

الحاجة الملحة للدقة في العمل الحقوقي دفعتنا للبدء بالبحث أكثر، قد تكون السيدة وطفلها معتقلان أو عابري طريق أو جزء من اتفاقية تبادل أو ألف سبب آخر. لا يمكن التوثيق قبل التحقق من التفاصيل وفهمها بشكل جيد.

اكتشفنا بعد البحث المطول أن السيدة وطفلها كانا يستقلان سيارة أجرة، تم إيقافها على أحد حواجز قوات النظام غرب مدينة طفس، والطلب منهما الانتقال لسيارة أخرى كان يقودها الضابط، وأنه سيتكفل بإيصالهما إلى بلدة جلين في ريف درعا الغربي.

قد تبدو الحادثة مستغربة، لكنها في الواقع ليست كذلك على الإطلاق، فالنظام ينتهج سياسة استخدام السيارات المدنية أو وضع المدنيين داخل السيارات التي تقل العسكريين بشكل دائم. ضباط وعناصر النظام يقومون بإيقاف السيارات المدنية على الحواجز والركوب معهم لنقلهم من مكان إلى آخر، وإن اقتضى الأمر إنزال الركاب من السيارة والطلب من السائق أن يقلهم ثم يعود لأخذ الركاب مرة أخرى، وفي العديد من الشهادات التي تصل للعاملين في المنظمات الحقوقية فإنه من النادر أن يقود ضباط النظام سياراتهم لوحدهم، بل يتعمدون نقل الركاب معهم ضمن سياسة استخدامهم كـ “دروع بشرية”.

يعول ضباط وعناصر النظام على أن الطرف الباحث عن استهدافهم، إن وُجد والذي يراقبهم بطبيعة الحال، سيتراجع عن العملية بعد اكتشاف تواجد للمدنيين في السيارة. الأمر الذي لم يحدث في العملية الأخيرة في ريف درعا إما لجهل من نفذها بالتواجد المدني أو عدم اكتراثه لهذا الأمر. لتكون النتيجة استشهاد سيدة وطفل لا ذنب لهما إلا تواجدهما في المكان والزمان الخطأ.

ظهور “الدروع البشرية” ضمن النزاعات المسلحة لم يبدأ في سوريا بكل تأكيد، لكن انتشاره وحالة “الابتكار” باستخدامه لدى الأطراف المتحاربة، وتحديدًا قوات النظام، يعكس الانحدار الأخلاقي لدى هذه القوات، ويؤكد أن كثيرًا من أسباب الثورة السورية هي الخلاف الأخلاقي مع النظام وأركانه وقواته، قبل أي خلاف سياسي أو اقتصادي أو عسكري آخر.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة