ع ع ع

ضياء عودة | مراد عبد الجليل

أربع ساعات أو أقل كانت كفيلة بأن ينتقل المسافر خلالها من مدينة دمشق إلى حلب قبل عام 2011، باستخدام حافلات السفر، بينما استدعت مسافة الـ 350 كيلومترًا بين المدينتين حوالي ثلاث ساعات فقط، للمسافرين في مركبات صغيرة.

الانتقال بين عاصمتي سوريا، السياسية والاقتصادية، وبين جنوبها وشمالها، كان يقتضي المرور عبر الأوتوستراد “M5″، الذي أغلق بعد العام 2012، إثر سيطرة فصائل المعارضة على قرى محاذية للطريق في ريف إدلب.

في الوقت ذاته، كانت كثير من الطرق الحيوية تتعطل في سوريا، لتصبح الحركة بين المحافظات أمرًا عسيرًا، يتطلب قطع طرق فرعية وزراعية في كثير من الأحيان.

ولم يقتصر الضرر في ذلك على حركة المسافرين، إذ انعكس على حركة التجارة الداخلية والخارجية وعبور البضائع والمواد الأولية في سوريا، خاصة بعد إغلاق أغلب المنافذ الحدودية البرية، لتصبح سوريا خريطة مغلقة مليئة بالحدود الداخلية.

اليوم، ومع التقدم العسكري الذي حققته قوات النظام على الأرض، تبرز قضيّة الطرق البرية السورية، كملف سيادي، تمرّ من خلاله الاستثمارات الدولية في سوريا، تمهيدًا لمرحلة “إعادة الإعمار”، التي يريد لها النظام السوري، أن تسير وفق وجهة نظره.

وتأخذ الطرق البرية اهتمامًا أكبر من ذي قبل، مع تهافت حلفاء النظام على حجز أدوار رئيسية في قافلة إعادة الإعمار، والبدء بخطط وعقود استثمارية في قطاعات محلية عدة.

ووفق ذلك، أعلنت حكومة النظام في تموز الماضي عن قرارات تتعلق بتعديل تصنيف مجموعة من الطرقات في سوريا، وسط الحديث عن الدفع بمشاريع استثمارية في الطرقات البرية، ذات الأثر الاقتصادي الكبير.

يناقش هذا الملف القرارات الحكومية السورية الأخيرة فيما يخص الطرق البرية، والهدف من ورائها، ودورها في جذب استثمارات إعادة الإعمار، كما يسلط الضوء على واقعها الإنشائي وأهميتها على المستويين، المحلي والخارجي.

طفل يجلس على حافة طريق في قرية الكرامة في مدينة الرقة – 2017 (رويترز)

تعبيد ممرات الاقتصاد السوري

شبكة الطرق البرية ترسم قواعد لعبة الاستثمار

لا يمكن أن تكون الطرق سالكة نحو الاستثمارات الأجنبية في سوريا من وجهة نظر النظام السوري، بالاعتماد على إبرام العقود وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية فقط، دون التأسيس على الأرض.

ذلك ما يمكن اعتباره القاعدة الأساسية التي ستتيح ترجمة الاتفاقيات والعقود مع الدول الأخرى، وخاصة اللاعبة في الملف السوري على أرض الواقع، والبدء بتنفيذ بنودها بشكل تدريجي.

وفي ظل العجز الاقتصادي لحكومة النظام، تعمد إلى تحركات وخطوات من شأنها جذب الاستثمارات الأجنبية، التي ستتولى المهام المتعلقة بإعادة الإعمار وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية، بغض النظر عن المقابل.

من بين الخطوات التي أقدم عليها النظام السوري، حديثه عن بدء تأهيل شبكة الطرق البرية على الأرض، وخاصة الرئيسية، التي تربط المحافظات السورية مع بعضها، إلى جانب الطرق المحلية، التي عمل على تعديل تصنيف 17 طريقًا منها إلى طرق مركزية، ضمن شبكة تمتد ما بين حلب وطرطوس واللاذقية، وصولًا إلى الريف الشرقي لحمص والجنوب.

تعديل التصنيف جاء، في 10 من آب 2019، بموجب أحكام القانون 26 لعام 2006 المتعلق بشؤون تصنيف الطرق العامة وحمايتها، وبناء على اقتراح وزير النقل في حكومة النظام السوري، علي حمود، الذي سبق أن أعلن عن وجود خطة مستقبلية لتنفيذ طرق برية مأجورة، تفرض الحكومة عليها رسومًا من أجل تأمين الدخل اللازم، للمحافظة على حالة الطرق، ومواصلة عمليات صيانتها وتحسينها.

ما هو نظام “BOT”

هو النظام الذي يتم بموجبه تمويل المشروعات الاستثمارية العامة، وإنشاؤها وإدارتها وصيانتها من قبل القطاع الخاص، الذي قد يكون شركة خاصة واحدة أو عدة شركات خاصة، محلية أو عالمية، تعمل من خلال الشركة المتعهدة بإنشاء وتنفيذ وإدارة وصيانة المشروع لفترة زمنية معينة، هي فترة الامتياز الممنوحة من قبل الدولة المضيفة، وتمكّن هذه الفترة الشركة المنفذة للمشروع من استرداد ما دفعته من تكاليف في المشروع، مع تحقيق نسبة مرضية من الربح.

بعدها تقوم شركة المشروع بنقل ملكية أصول المشروع للدولة المضيفة، وهو في حالة جيدة دون قيد وشرط، وتنحصر أطراف نظام “BOT” في طرفين أساسيين هما الدولة المضيفة والشركة المنفذة للمشروع.

المصدر: المعهد العربي للتخطيط

وتحدّث حمود، في كانون الثاني 2019، لصحيفة “البعث” الحكومية، عن وجود مشاريع لبناء الطرق سيجري العمل عليها، مخصصة لمحوري شمال جنوب، وجنوب غرب، وسيتم استثمارها وفق مبدأ “BOT”، الذي يسمح للشركة المستثمرة بعد استكمال بناء الطريق وتشغيله، أن تستفيد من عائدات التشغيل لمدة متفق عليها، تسلّمهُ بعدها للدولة.

من التأهيل إلى الخصخصة

يندرج تعديل تصنيف الطرق المحلية إلى مركزية، ضمن عمليات التأهيل التي تحدثت عنها وزارة النقل في حكومة النظام السوري، والتي لا ينطلق العمل بها من عمليات الإصلاح والصيانة فقط، بل يمتد إلى أهداف بعيدة وأساسية ترتبط بجذب المستثمرين والشركات الأجنبية.

وهو ما يحقق هدفين بضربة واحدة من جانب النظام السوري، الأول هو التخلص من العبء المادي للعملية، والآخر هو الحصول على عائدات مالية ورسوم بعد إتمام التأهيل بشكل كامل، ومد الطرقات بتصنيفاتها الجديدة.

من بين الطرقات التي حددتها وزارة النقل لتعديل تصنيفها، طريق أثريا- خناصر- حلب، السلمية- المخرم الفوقاني- الفرقلس، عقدة حميميم- مطار حميميم، صلخد- بكا- دوار المفطرة، طرطوس- بغمليخ- وادي العيون.

ينطلق تعديل تصنيف الطرق من محلية إلى مركزية، من ثلاثة أهداف، حددها المحلل الاقتصادي، يونس الكريم، في حديث لعنب بلدي.

الهدف الأول، بحسب الكريم، هو رفع المستوى العام لسرعة للسيارات، أي أكثر من 90 كيلومترًا في الساعة، ما يحقق جغرافية الوصل إلى دول العالم الأخرى، وبالتالي الوصول إلى المياه الدافئة (البحر المتوسط).

ويضيف الكريم أن الهدف الثاني الذي تتطلع إليه حكومة النظام السوري، هو وضع خريطة لإعادة خصخصة قطاع الطرقات وفرض ضرائب، سواء من الدولة أو القطاع الخاص على العابرين والمستخدمين.

وإضافة إلى ما سبق، يوضح الكريم أن النظام السوري يريد من تعديل التصنيف جذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة أن الجانبين الإيراني والروسي مهتمان بالأمر.

توجه النظام السوري إلى خصخصة الطرق في سوريا ليس جديدًا، بل يعود إلى عام 2001، حين أبرت الحكومة السورية عقدًا مع شركة الخرافي الكويتية لتنفيذ مشاريع مد طرق، بينها الطريق الذي يربط مدينة أريحا بريف إدلب مع مدينة اللاذقية الساحلية، وطريق دير الزور- الحسكة.

وفي تقرير لصحيفة “القبس” الكويتية، منشور في أيار 2006، ذكرت أن “الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية” أسهم في تمويل مشروع طريق أريحا- اللاذقية الذي يهدف إلى ربط مناطق الإنتاج في سوريا بمناطق التصدير، عن طريق قرض قدمه الصندوق للحكومة السورية بقيمة 15 مليون دينار كويتي.

لماذا يعدَّل تصنيف الطرق؟

لا يمكن عرض تأهيل الطريق في سوريا للاستثمار أمام الشركات الأجنبية في حال بقاء الصفة “المحلية”، بل يجب تعديل تصنيفه إلى مركزي يربط المحافظات ببعضها، بحسب ما يقول مهندس الطرقات السوري، عبد الجبار كيالي.

ويضيف كيالي في حديثه لعنب بلدي، “الطريق إذا كان له صفة محلية لا يمكن أن يدخل في مجال الاستثمار، بل يجب أن يكون تجاريًا أو يربط المحافظات مع بعضها”، مؤكدًا أن تعديل تصنيف الطريق إلى مركزي يجعل إمكانية عرضه للاستثمار الدولي كبيرة.

وبحسب كيالي فإن الطرق المركزية تختلف معاييرها عن الطرق المحلية، من حيث أخذ المنحنيات الشاقولية والأفقية والإشارات المرورية والرسوم، إضافة إلى عدة عوامل مرورية أخرى.

وتحتاج الطرق المركزية إلى صيانة دورية، بحسب المهندس، مشيرًا إلى تحديات كبيرة تعترض عمل حكومة النظام السوري في حال اتجاهها لإعادة التأهيل، بينها تأمين السائل الزفتي، الذي كانت تنتجه مصفاتا حمص وبانياس سابقًا.

ويقول كيالي إن دمشق وريفها تعتمدان بشكل أساسي على مجبل واحد فقط للسائل الزفتي، والحاجة المتبقية يتم الحصول عليها من البرك القديمة الموجودة في محيط المصافي النفطية، وقسم آخر عبر الاستيراد، وهو أمر تعترضه العقوبات المفروضة من أمريكا والاتحاد الأوروبي.

ويرى كيالي أن إعادة تأهيل الطرق في سوريا وتعديل تصنيف الطرقات من محلية إلى مركزية، يحتاج إلى شركات أجنبية تدخل بعقود استثمارية لإنجاز المشاريع.

ويتوافق حديث المهندس مع رأي المحلل الاقتصادي يونس الكريم حول أهداف النظام السوري من تعديل تصنيف الطرق المحلية إلى مركزية، إذ يربط كلاهما الأمر بمحاولة جذب الاستثمارات الأجنبية.

لافتة على حاجز مغلق على الحدود السورية التركية بالقرب من بلدة كسب – (سبوتنيك).

شريك في الاستثمارات

قرار تحويل الطرق إلى مركزية، بحسب إعلان وزارة النقل، جاء “بعد دراسة أهمية محاور الربط الحيوية بين مناطق وبلدات متنوعة على امتداد القطر، ومدى زيادة الغزارات المرورية والحمولات عليها، والحاجة الاقتصادية والسكانية والتنموية لها”.

وأوضح إعلان الوزارة أنه “من المتوقع أن تدرج تلك الطرق ضمن خطط عمل المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية في المرحلة المقبلة، وخاصة ما تحتاجه هذه الطرق من طبقات إنشائية وإسفلت وإشارات تحذيرية ودهان طرقي وأدوات السلامة المرورية”.

يرى المحلل الاقتصادي يونس الكريم أن الطرقات، وخاصة في حلب واللاذقية تعتبر حيوية، وتشهد صراعًا بين إيران وروسيا والصين للحصول على عقود استثمارية بشأنها، وذلك من أجل الربط مع الموانئ على المتوسط.

ويوضح الكريم أن النظام السوري يدرك جغرافية المنطقة، ويضع بحسبانه أن روسيا وإيران تحتاجان لمرفأ على البحر المتوسط، لذلك اتجه إلى عرض الطرق للخصخصة بعد توقيع اتفاقيات تأجير المرافئ وإعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية.

وتتبلور العوائد التي سيحصل عليها النظام السوري من العملية السابقة، بحسب الكريم، في إعادة تطوير البنية التحتية، كون حكومة النظام السوري عاجزة عن القيام بهذه العملية، لذلك لا بد من فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.

العائد الثاني، هو مشاركة النظام السوري في جزء من الاستثمارات، وبالتالي سيكون شريكًا مستقبليًا في الرسوم التي سيتم فرضها على المارين، أما العائد الثالث الذي سيحصل عليه فهو تحريك عجلة الاقتصاد والحد من انهياره، خاصة في قطاعي الزراعة والتجارة.

استطلاع رأي: مشاريع النظام دعاية لإعادة الإعمار

يندرج ملف إعادة تأهيل الطرقات ضمن مجموعة من المشاريع الكبرى التي تعلن عنها حكومة النظام السوري منذ أواخر عام 2017، بالتزامن مع التقدم العسكري لقوات النظام على الأرض.

وطرحت حكومة النظام عناوين كبرى لمشاريعها، مثل إعادة تأهيل البنى التحتية، ودعم قطاع الطاقة، وتشغيل آبار النفط، ومشاريع تفعيل قطاع النقل الجوي، والسكك الحديدية.

عنب بلدي، أجرت عبر صفحتها على “فيس بوك” استطلاعًا، لمعرفة رأي متابعيها بمثل هذه الإعلانات، وما إذا كانت بداية لخطط ستطبق على الأرض، أم أنها فقط للترويج بانتصار للنظام على الأرض في سوريا.

81% من المشاركين في الاستطلاع يعتقدون أن النظام السوري يسعى من خلال الإعلان عن مشاريعه، إلى نشر دعاية للبدء بمرحلة إعادة الإعمار.

بينما يرى 19% فقط من المشاركين، الذين وصل عددهم إلى 660، أن المشاريع التي يدور الحديث عنها، ستُطبق بالفعل.

أغلب المتفاعلين على منشور الاستطلاع، أيدوا فكرة “دعاية النظام لإعادة الإعمار”، واعتبر بعضهم أن النظام يسعى لجمع الأموال من خلال المشاريع المعلن عنها.

وعلّق المستخدم بشار أبو تيم، معتبرًا أن تلك الاستثمارات في الحقيقة هي لحليفي النظام، روسيا وإيران، و”ستتم على حساب الشعب السوري”.

برأيك.. ما وراء الإعلان عن إطلاق مشاريع ضخمة في سوريا؟

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Donnerstag, 5. September 2019

طرق سوريا..

قيمة اقتصادية كبيرة ببنية إنشائية ضعيفة

بلغ طول الشبكة الطرقية المركزية في سوريا 8280.3 كيلومتر في عام 2018، بعد أن كانت 7074 كيلومترًا في عام 2006، بحسب موقع وزارة النقل في حكومة النظام السوري.

ووفق القانون 26 لعام 2006 (قانون تصنيف الطرق العامة وحمايتها)‏، فإن الطرق العامة في سوريا تصنف حسب وظيفتها والجهات المسؤولة عنها إلى أربعة أصناف.

الأول ‏شبكة الطرق المركزية (السريعة)، وتشمل الطرق الدولية التي تربط سوريا بالدول المجاورة، والطرق الرئيسية التي تصل بين مراكز المحافظات اتصالًا رئيسيًا، إضافة إلى الطرق ذات الأهمية الخاصة والطرق الحدودية مع الدول المجاورة، وطرق التخديم وهي الطرق التي تخدم الطرق الدولية والرئيسية.

أما الصنف الثاني فهو شبكة الطرق المحلية، التي تشمل ‏‏الطرق التي تصل مراكز المحافظات بمراكز المدن والمناطق التابعة لها، والطرق التي تصل مراكز المدن بالمناطق والنواحي والقرى.

في حين يضم الصنف الثالث شبكة الطرق الزراعية والري، وهي الطرق المزفتة أو الترابية التي تخدم الأراضي الزراعية والمنشآت المائية، والصنف الرابع شبكة الطرق السياحية التي تخدم المناطق السياحية والمواقع الأثرية.‏

وتتسم الطرقات في سوريا بـ “بنية ضعيفة من ناحية الإنشاء والبناء بسبب اللامسوؤلية في العمل وعدم الرقابة وانعدام الحوكمة من قبل الإدارات المتخصصة وانتشار الفساد الإداري”، بحسب دراسة حول قطاع النقل والمواصلات والطرق لـ “مجموعة عمل اقتصاد سوريا”، نشرتها عام 2013.

الدراسة أكدت أن الطرق السورية تشوبها عيوب فنية هندسية وإنشائية، بسبب تسليم المشروع من المقاول إلى صاحبه دون فحص جسم الطريق وطبقات الرصف، ودون التأكد من تحقيق شروط الإنشاء وفق المواصفات المطلوبة والمعايير الدولية.

“قيمة لا يمكن التخلي عنها”

خلال سنوات الحرب، وإلى جانب المعارك الدائرة بين قوات النظام والفصائل للسيطرة على مدن استراتيجية مثل حلب، برز نوع آخر من المعارك يندرج تحت مسمى “حرب الطرقات”، إذ حاول كل طرف من أطراف الصراع السيطرة على طرق استراتيجية بهدف توسيع سيطرته.

النظام السوري، ولأهمية قطاع الطرقات بالنسبة له، ركز اهتمامه أكثر على السيطرة على الطرق الاستراتيجية وحمايتها والمحافظة على سيطرته عليها، وهو ما أكد عليه وزير النقل في حكومة النظام السوري، علي حمود، في مقابلة مع وكالة “سبوتنيك” الروسية في تشرين الثاني من العام الماضي.

وقال حمود حينها إن “نظرة الحكومة كانت تتركز على الطرق في سوريا وحمايتها وصيانتها والحفاظ عليها، إذ إن قيمة الطرق في سوريا تبلغ تريليوني ليرة سورية ولا يمكن التخلي عن هذه القيمة الكبيرة”.

وسيطرت قوات النظام، خلال العامين الماضيين، على معظم الطرقات الدولية الاستراتيجية في سوريا، مثل أوتوستراد دمشق- درعا الذي يربط سوريا بالأردن ودول الخليج.

إلا أن أبرز طريقين في سوريا لا يزالان خارج سيطرته بسبب مرورهما بمنطقة إدلب، الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، وهما أوتوستراد حلب- اللاذقية (M4) البالغ طوله حوالي 186 كيلومترًا، وأوتوستراد حلب- حماة (M5) البالغ طوله 146 كيلومترًا، وهو جزء من طريق مركزي يصل إلى دمشق بطول 355 كيلومترًا، بحسب رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، أسامة القاضي، الذي أكد لعنب بلدي أن الطريقين يمثلان شريانين بريين مهمين لمرور البضائع والترانزيت، وممرين يصلان الشمال السوري بالجنوب.

منفعة مادية للنظام

إلى جانب المصلحة العسكرية والسياسية للنظام السوري من السيطرة على “M4” و”M5″، فإنهما يحققان منفعة اقتصادية كبيرة، وخاصة طريق دمشق- حلب، الذي يعتبر شريانًا رئيسيًا يربط العاصمة السياسية (دمشق) والمنطقة الجنوبية، بالشمال والعاصمة الاقتصادية (حلب).

وتنعكس إعادة ربط الشمال بالجنوب بفوائد اقتصادية لحكومة النظام السوري، إضافة إلى منفعة كبيرة بالنسبة للمواطنين، تكمن في خفض أسعار المواد الغذائية والبضائع بسبب سهولة نقلها بين دمشق وحلب، بعدما كانت تصل عن طريق أثريا- خناصر “غير الآمن” الذي يصل حلب بحماة ثم حمص ودمشق.

في حين أكد وزير النقل في حكومة النظام، علي حمود، في مقابلة مع “سبوتنيك”، على أهمية الطريقين، وقال إنهما “من أهم الطرق التي نحتاج أن تعود إلى الاستثمار بشكل جيد لأهمية حلب الاقتصادية ودورها في إعادة الاعمار، ولأهمية اللاذقية كمرفأ وبالتالي نقل البضائع من الدول الأخرى باتجاه إعادة إعمار سوريا والعراق”.

وللأهمية الكبيرة، دخل الطريقان ضمن المفاوضات والاتفاقيات بين الدول الضامنة، روسيا وتركيا، في “اتفاق سوتشي” بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في أيلول العام الماضي.

وبحسب القاضي، ورد ضمن بنود الاتفاق الروسي- التركي، استعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين بحلول نهاية 2018، ولكن حتى الآن لم يتم فتح الطريقين، معتبرًا أنها “رسالة سياسية لفرض تطبيق الاتفاق، لكن مضمونه اقتصادي وسيادي بالنسبة لروسيا والنظام السوري”.

معبر كسب مع الحدود التركية – (سبوتنيك)

قطاع الطرق البرية.. اهتمام إيراني وانشغال روسي

في ظل الحديث عن المشاريع التي يسعى النظام السوري من أجلها، لا يمكن إغفال دور روسيا وإيران كحليفين رئيسيين للنظام حصلا على امتيازات اقتصادية كبيرة في سوريا، تمثلت في عقد اتفاقيات طويلة الأمد كرد جميل على دعمهم.

الروس، الذين عقدوا اتفاقيات اقتصادية في مجالات استراتيجية (نفط وغاز وقمح)، لم يدخلوا في الاستثمار بطرقات سوريا بشكل جدي، وقال وزير النقل، علي حمود، في تشرين الثاني الماضي، إن متطلبات استثمار الطرق هي أقل بكثير من متطلبات باقي القطاعات، “لذلك نركز مع الأصدقاء الروس على القطاعات المختلفة الأخرى”، بحسب ما نقلته وكالة “سبوتنيك” الروسية، حينها.

لكن حمود عاد وأكد، بحسب صحيفة “البعث” في كانون الثاني الماضي، على وجود عروض استثمارية من شركات روسية وصينية لبدء العمل بمشاريع الأوتوسترادات المأجورة في سوريا، وعلى الرغم من ذلك فإن اهتمام روسيا في الاستثمار بالطرقات لا يقارن باهتمامها بالمجالات الحيوية الاستراتيجية.

أما إيران التي وقعت اتفاقيات اقتصادية في مفاصل حيوية مثل الكهرباء والفوسفات والاتصالات، فتولي اهتمامًا أكبر بالطرقات السورية، لارتباطها بالطريق البري الذي تحاول إيران فتحه مرورًا بالعراق وسوريا للوصول إلى مياه البحر المتوسط ولبنان، خاصة في ظل عقد اجتماعات بين شركة “خاتم الأنبياء” الإيرانية ووزارة النقل في حكومة النظام، لبحث دراسة إنشاء مرفأ في أقصى جنوب محافظة طرطوس، قرب الحدود اللبنانية في منطقة الحميدية.

ودعمت إيران النظام السوري خلال السنوات الماضية، وتنتظر “الجائزة الكبرى”، بحسب ما وصفت وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية، وهي الطريق البري الذي تحاول طهران فتحه من أراضيها إلى سوريا، إن كان على الصعيد العسكري أو الاقتصادي.

ومن المفترض أن يمر الطريق عبر العراق، الذي يجري حاليًا مباحثات مع النظام السوري من أجل فتح معبر القائم في دير الزور، الخاضعة لسيطرة قوات النظام والتي تنتشر فيها الميليشيات الإيرانية.

وفي 7 من تموز الماضي أكد عضو مجلس غرفة التجارة الإيراني كيوان كاشفي، بحسب وكالة “تسنيم” الإيرانية، أن “إعادة فتح الطريق التجاري في العراق الواصل بين إيران وسوريا، ستتيح فرص تبادل اقتصادي كبير بين البلدين وخاصة في مجال تصدير مواد البناء كالسيراميك والبورسلان”، بحسب تعبيره.

وحول علاقة الطرقات الـ 17 التي أعلن النظام تحويلها من فرعية إلى مركزية بالطريق البري الإيراني، قال رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، أسامة القاضي، لعنب بلدي، إن الإيرانيين “لن يوفروا فرصة من أجل استخدام هذه الطرق لاستكمال مشاريعهم داخل سوريا”.

وأكد التوجه الإيراني للاستفادة من الطرق الثلاثة “ميعار شاكر- طريق طرطوس– صافيتا”، وطريق “فتاح نصار- عين الكرم – طرطوس”، وطريق “طرطوس- بغمليخ- وادي العيون”.

أوتوستراد دمشق حمص بعد تأهيله – (سبوتنيك)

من الصين إلى المتوسط

تحركات لتعبيد “طريق الحرير”

يقود الحديث عن إنشاء طرقات جديدة وتحسينها في سوريا، إلى الحديث عن طريق الحرير الذي يتم الترويج له عبر الإعلام الحكومي السوري من جهة، ووسائل الإعلام المقربة من الحكومة السورية من جهة أخرى.

ويسعى الإعلام السوري إلى التأكيد على أهمية سوريا في الطريق القديم، الذي كان يمر عبر مدينة تدمر، إضافة إلى الاهتمام الإعلامي الكبير بمشاركة سورية رسمية في مؤتمر “حزام واحد.. طريق واحد”، في العاصمة الصينية بكين، في 25 من شهر نيسان الماضي.

وأكدت بثينة شعبان، مستشارة رئيس النظام السوري بشار الأسد الإعلامية، حينها، أن “طريق الحرير لا يكون طريق حرير إذا لم يمر بسوريا والعراق وإيران، إذ تحظى سوريا بمكانة في هذه القمة لكونها أساسية في طريق الحرير التاريخي ولأن تضحيتها ومكافحتها للإرهاب محط تقدير الشعب الصيني وكل الشعوب المؤمنة بالإنسانية والمحبة والسلام في العالم”.

ما هو طريق الحرير؟
هو مجموعة من الطرق البحرية والبرية المترابطة مع بعضها كانت تسلكها السفن والقوافل بين الصين وأوروبا لتجارة الحرير والتوابل والعطور.ويبلغ طوله 12 ألف كيلومتر تقريبًا، ويبدأ من المراكز التجارية في شمال الصين لينقسم إلى فرعين: الأول هو الطريق الشمالي عبر شرق أوروبا والبحر الأسود وصولًا إلى مدينة البندقية الإيطالية.أما الجنوبي فكان يمر عبر سوريا والعراق وتركيا وصولًا إلى مصر والبحر الأبيض المتوسط.ويغذي الطريقان كلًا من قارتي أوروبا والقارة الإفريقية.

وتحاول الصين منذ عام 2013 إحياء هذا الطريق، لإيصال بضائعها بأسهل وأسرع طريقة ممكنة لجميع قارات العالم، عبر طريقين، بري وبحري.

السعي الصيني لإنشاء الطريق رافقه تحرك من قبل حكومة النظام السوري عبر وضع خطط استراتيجية لإنشاء طريق بمواصفات دولية، بحسب ما أكده وزير النقل السوري، علي حمود، في تصريح لوكالة “سبوتنيك” الروسية في تموز العام الماضي، أن “وزارة النقل وضعت رؤية خاصة واستراتيجية لإنشاء طرق دولية تربط أطراف سوريا، بما يتماهى مع مرور طريق الحرير البري عبر الأراضي السورية”.

وتحدث حمود عن طرح طريقين للاستثمار، الأول الطريق السريع الذي يربط الشمال بالجنوب، ويمتد من الحدود التركية حتى الحدود الأردنية وفق مسار “باب الهوى (الخاضع لسيطرة المعارضة)، حلب، حماة، حمص، دمشق، الحدود الأردنية”، بطول 432 كيلومترًا، من الدرجة الأولى، وبتكلفة تقديرية تصل إلى 480 مليار ليرة سورية.‏

أما الطريق الثاني فيربط شرق سوريا بغربها ويمتد من طرطوس عبر التنف إلى الحدود العراقية وفق مسار “طرطوس، حمص، البصيرى، التنف، الحدود العراقية”، بطول 351 كيلومترًا، من الدرجة الأولى، وبتكلفة تقديرية تبلغ 281 مليار ليرة سورية.‏

رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، أسامة القاضي، شكك بأن يعود الطريق الذي رصدت له الصين 900 مليار دولار تحت شعار “حزام واحد، طريق واحد”، بالمنفعة على سوريا.

وأعرب القاضي عن خشيته من خروج سوريا من خريطة طريق الحرير، بسبب المعارك والقصف وغياب الحل السياسي في سوريا، مضيفًا، “الطريق يسير بخطى سريعة، والصين لن تنتظر حتى يستتب الأمن في سوريا، بل ستتجاوزها عن طريق تحييدها، وتعويضها بخطوط المواصلات البرية التركية”.

مقالات متعلقة