ع ع ع

محمد حمص | ميس حمد

خمسة أعوام مرت على الخطأ الطبي الأكبر في الشمال السوري، عقب سيطرة فصائل المعارضة عليه، الذي أودى بحياة 60 طفلًا وعرّض 300 طفل آخر للخطر.

إذ تسببت جرعات من لقاح الحصبة، ضمن حملة نظمتها الحكومة المؤقتة، في أيلول 2014، بتسمم الأطفال، وأثارت رد فعل عالميًا ومحليًا غاضبًا، وفتحت الباب أمام الحديث عن مشاكل قطاع الأدوية في مناطق سيطرة فصائل المعارضة.

برزت، آنذاك، الحاجة إلى تنظيم الرقابة الدوائية وزيادة جديتها، واستوجب ذلك تحركات من الحكومة المعارضة، لتبدأ بعدها خطوات قللت من التفلّت الدوائي، وانعدام الرقابة الموجودة عليه، إلا أن التجاوزات استمرت لفترات قريبة.

ولعل أبرز المشاكل التي عصفت بالقطاع الدوائي في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، تمثلت بانتشار الأدوية المخدرة والمهدئة التي شاع الإدمان عليها بشكل كبير، خلال السنوات الماضية، إذ باتت الصيدليات في مناطق مختلفة من سوريا تبيع حبوب “الكبتاغون” و”الترامادول” المخدرة، دون وصفات طبية.

مؤخرًا، اتخذت حكومتا “الإنقاذ” و”المؤقتة” اللتين تديران مناطق إدلب وريف حلب في شمالي سوريا، مزيدًا من الخطوات لتنظيم القطاع الصيدلاني، وتفعيل الرقابة الدوائية، لكن هذه الخطوات اصطدمت بقرار إحدى أكبر المنظمات الداعمة للمشاريع الطبية قطع دعمها، ما فتح الباب أمام تحدٍّ جديد، يُخشى أن تعود الأزمات الدوائية السابقة، بموجبه، إلى الواجهة.

تفتح عنب بلدي في هذا التقرير ملف قطاع الأدوية في شمال غربي سوريا، وتسلط الضوء على محاولات تنظيمه، والعوائق التي تواجهه، كما تحاول رصد أثر انقطاع الدعم عن هيئات الرقابة الدوائية.

شحنة أدوية غير مطابقة للمواصفات في معبر باب الهوى 17 من كانون الثاني 2018 (معبر باب الهوى)

ريف حلب الشمالي دون جسم طبي موحّد

غياب المركزية يصعّب ضبط قطاع الأدوية

تعاني مناطق ريف حلب من غياب الرقابة على قطاع الأدوية وعدم الإجماع على جسم موحد بين المكاتب الطبية التابعة للمجالس المحلية في مدن وبلدات المنطقة، التي تسيطر عليها فصائل معارضة مدعومة من تركيا.

وعلى الرغم من الإجراءات المتخذة من قبل المختصين في المنطقة، لكن الواقع الدوائي غير مضبوط بالشكل الأمثل لضمان الحماية للبائع والموزع والمستهلك.

مدير المكتب الطبي في مدينة الباب، أحمد العابو، قال في حديثه لعنب بلدي، إن الأدوية والصيادلة هي المشكلة الكبرى في المنطقة، وقد حاولت المكاتب الطبية اتخاذ خطوات لضبط الموضوع ولكن دون نتائج بسبب الخطوات المنفردة بين المكاتب الطبية في المنطقة.

الخطوات الأولى باتجاه ضبط واقع العمل الدوائي والصيدلاني في المنطقة، كانت في اجتماع ضم مكاتب منطقة “درع الفرات” (ريف حلب الشمالي) في آذار الماضي، اتُّفق فيه على ترخيص الصيدليات وتوحيد السجلات، وترخيص المستودعات بشروط موحدة بين المكاتب الطبية.

خرج اجتماع رؤساء المكاتب الطبية بعدة قرارت لضبط الأدوية الهندية والصينية، على أن يشكَّل مكتب رقابي من شأنه ترخيص الصيدليات ومراقبة الأدوية والتأكد منها.

وحدد المكتب الطبي لأخترين، حينها، شروط ترخيص الصدليات بوجود شهادة صيدلة مع جميع الثبوتيات من مصدقة تخرج وصور شخصية، إلى جانب خضوع مزاولي المهنة لامتحان من قبل لجنة طبية مختصة وحصول الصيدلاني على شهادة مزاولة مهنة صادرة عن المكتب الطبي.

وبحسب قرار مكتب أخترين، تبلغ تكلفة الترخيص السنوي للصيدلية 50 ألف ليرة سورية ورسمًا شهريًا لمن يمتلك ترخيص صيدلية ويعمل بموجب شهادة مزاولة مهنة.

وقال العابو لعنب بلدي إن خمسة اجتماعات جرت عقب ذلك الاجتماع، اتخذت فيها قرارات عدة، بعضها نجح وبعضها بحاجة لاستكمال بسبب وجود عرقلة “غير معروفة المسبب”.

الضبط الدوائي بيد المستودعات

يشير العابو، في حديثه لعنب بلدي، إلى أن ترخيص مستودعات الأدوية كانت الخطوة الكبرى التي اتخذتها المكاتب الطبية في المنطقة، بشكل موحد وشروط موحدة.

وتلزم المكاتب الطبية في المنطقة الصيدليات بشراء الأدوية من المستودعات المرخصة، بشرط أن يمهر كل مستودع الدواء الصادر عنه، ليتحمل الصيدلاني أو المستودع مسؤولية الدواء في حال دخوله من مصدر مجهول.

إذ مُنعت المستودعات غير المرخصة، والمستودعات الجوالة القادمة من محافظة إدلب، وعممت المكاتب الطبية على الجهات المختصة لمتابعة أمور التراخيص والتجاوزات، ولكن “الالتزام ليس كما هو مطلوب، وهناك بضاعة تدخل دون إرادة المكاتب الطبية”، بحسب العابو.

ولعل أبرز المشاكل التي تعاني منها المنطقة، هي المستودعات الجوالة، التي قد تبيع أدوية فاسدة أو منتهية الصلاحية أو ذات مصدر مجهول، وبحسب العابو، فإن المكاتب الطبية لا تطالب المستودعات بكشف مجهري دقيق أو تحليل كيماوي، ولكن هناك أدوية فاسدة علاجيًا تباع دون علم الصيدليات.

وتشترط المكاتب الطبية على المستودعات تقديم سجلات شهرية، بالإضافة لتقديم الصيدليات سجلاتها بالأعداد والكميات المباعة.

محاولات ضبط يفسدها غياب المركزية

في آذار الماضي، أطلقت المكاتب الطبية في ريف حلب مشروعًا لنقابة مركزية للصيادلة، من خلال توسيع نقابة الصيادلة في مدينة الباب لتشمل مدن المنطقة كافة.

وبحسب العابو فإن موضوع إنشاء مديرية للصحة وتفعليها، أخّر العمل أكثر من أربعة أشهر في المنطقة.

وقال مدير المكتب الطبي في مدينة الباب، إنهم بدؤوا جولات على الصيادلة لمراقبة التزامهم، بسبب الفوضى التي حصلت خلال أربعة أشهر من الفراغ في المنطقة، مشيرًا إلى أن هناك مشاكل بالالتزام، وسوف يعاد ضبط الأدوية وطريقة شرائها من المستودعات، و”ستفرض عقوبات كبيرة” على المستودعات التي تبيع دواء مزورًا.

وبحسب العابو، فإن الأمور تسير باتجاه الأفضل ولكن هناك الكثير من العقبات، من ضمنها عمل مكتب الباب مع المكاتب الثانية، وعدم وجود مديرية صحة واحدة ولا وزارة.

ويضع المكتب الطبي آمالًا بالوزارة الجديدة لـ “الحكومة المؤقتة”، وأن يكون لها دور مع استعداد المنطقة للتعامل معها.

إحدى الصيدليات في إدلب- 21 حزيران 2018 (نقابلة صيادلة ادلب فيس بوك)

خطوات صعبة لتحقيق الأمان الدوائي في إدلب

تتمثل أسباب تراجع انضباط السوق الدوائية في غياب الرقابة والآليات الناظمة، إلى جانب قلة الصلاحيات الممنوحة للمتنفذين بهذا القطاع، أو عدم قدرتهم على إلزام الصيدليات والمستودعات بالبيع ضمن الأصول الصحية.

بينما تعمل مديرية صحة إدلب على ترخيص جميع الصيدليات وإغلاق المخالف منها، وفق رئيس الرقابة الصيدلانية في المديرية، محمد حاج حمود.

وأضاف حاج حمود أن كل صيدلية رُخصت حديثًا تزود بسجل للأدوية، وتقوم الرقابة بجرد تلك الأدوية ليصار بعدها إلى التدقيق عن طريق كشوفات دورية، أو جولات رقابية لضبط صرف تلك الأدوية.

أُسست نقابة الصيادلة في 17 من أيار من عام 2016، كنواة مصغرة في مدينة إدلب، ثم توسعت لتشمل المحافظة عام 2017.

عملت النقابة منذ تأسيسها على تنظيم العمل النقابي وتنظيم الصيادلة وكشف المزورين وملاحقة المخالفين وتنظيم مناوبة الصيدليات وكشف الأدوية المزورة وتعميمها وإتلافها أصولًا.

ولم تتطرق النقابة في عملها للأعمال الاجتماعية والأنشطة الترفيهية واقتصر عملها على العملية التنظيمية.

واعتبر أن الوصول إلى واقع دوائي أفضل ليس فقط من مسؤوليات القطاع الصحي، مشيرًا إلى أنه يفترض تكامل عدة جهات معنية بالاقتصاد والتجارة الداخلية إلى جانب ضبط المعابر وعدة أمور تدخل في هذا المجال.

تضارب في الأسعار

يشهد سوق الدواء بشكل عام تضاربًا في أسعار البيع، بسبب عدم وجود آليات صارمة لضبط العملية سواء من البائع المباشر أو من مستودعات التغذية، كما أن دخول بعض أنواع الأدوية من مناطق سيطرة النظام إلى محافظة إدلب وريف حلب يخضع لإتاوات تُفرض بشكل عرفي من العساكر على المعابر والحواجز في مناطق سيطرة النظام.

وقال رئيس الرقابة الصيدلانية في مديرية الصحة بمحافظة إدلب، محمد حاج حمود، إن الأسعار كانت سابقًا (قبل 2011) محددة من وزارة الصحة، وأسعار الدواء محددة بتسعيرة معينة تدوّن على كل قطعة دوائية.

أما اليوم، فإن الظروف التي تعيشها إدلب وواقع الاستيراد، وتغير قيمة الليرة تؤدي إلى تذبذب الأسعار، مع الإشارة إلى التلاعب في بعض الصيدليات ومستودعات التوزيع أحيانًا، بحسب حمود.

وبشكل عام لا يمكن تحديد تسعيرة دقيقة لكل قطعة دوائية، وفق حمود، الذي أشار إلى أن الرقابة حاليًا تعتمد على شكاوى المواطنين.

وأضاف حمود أن الرقابة تركت هامشًا مقبولًا كمراعاة لفروق أسعار الأدوية، بحيث لا يتم تجاوزه، وفي حال التجاوز تتابع الرقابة الشكوى وتطلب فاتورة استجرار من الصيدلاني وتتم مقارنتها مع السعر الذي يفترض أن تباع به، وفي حال وجدت مخالفة تتم محاسبة المخالفين.

تنظيم العمل الصيدلاني

تعرّض العمل الصيدلاني لحالة من الفوضى بسبب المتعدين على المهنة والمستغلين عدم الرقابة والتنظيم في المنطقة، وشكلت هذه الفوضى تحديات كبيرة أمام الجهات الإدارية التي بدأت مؤخرًا بضبط الواقع الدوائي.

عملت مديرية الصحة في إدلب على تنظيم العمل الصيدلاني ومنافذ بيع الدواء من مستودعات وصيدليات، الأمر الذي لاقى احتجاجًا من بعض الصيادلة غير الحاصلين على شهادات، الذين فتحوا صيدليات على أساس سنوات دراسية في فرع الصيدلة لم يتمكنوا من إتمامها.

وفي حديثه لعنب بلدي قال نقيب صيادلة إدلب، يحيى نعمة، إن التحديات الكبيرة التي عاشها العمل الصيدلاني بسبب الفوضى العارمة والتعدي من المخالفين.

وبحسب نعمة، فإن تنظيم عمل منافذ بيع الدواء احتاج عملًا شاقًا دام أكثر من ثلاث سنوات، قامت النقابة خلاله بتنسيب الصيادلة الخريجين ممن يحققون المعايير التي تضاهي المعايير العالمية ومعايير الدول المجاورة.

إذ يُفترض للصيدلاني كي يزاول المهنة أن يكون حاصلًا على إجازة في الصيدلة ومجتازًا لامتحان “الكولكيوم” (امتحان تعادل الشهادات) إن كان خريج جامعة غير حكومية، أما إذا كان خريج جامعة حكومية فيجب أن يجتاز امتحانًا مخصصًا للتأكد من السوية العلمية للصيدلاني.

وحول الصيادلة الذين لم يتموا دراستهم ولم يحصلوا على شهادة تخرجهم، تتم إعادتهم إلى جامعات أخرى في المنطقة لاستكمال التأهيل العلمي المطلوب.

واعتبر نعمة أن الصيدلاني هو صمام الأمان بعد الطبيب في صرف الدواء واستخدامه من قبل المرضى.

وقال نقيب الصيادلة في إدلب، إن عدد الصيادلة والصيدليات في المحافظة كافٍ لتغطية المحافظة، ولا يوجد نقص، “بل على العكس كان هناك صيادلة قبل عمل النقابة عاطلون عن العمل بسبب المتعدين على المهنة”.

شروط فنية

تشترط نقابة الصيادلة في الصيدليات التي يتم افتتاحها، شروطًا فنية وعلمية، إذ يجب أن تكون مساحة الصيدلية تكفي لوجود مخبر وساحة لوقوف المريض، وساحة للعمل، ومكان لصف الأدوية، كما يجب أن تشمل برادًا موصولًا بشكل دائم بالطاقة الكهربائية، للأدوية التي تحتاج إلى درجة حفظ محددة.

كما تشترط النقابة، بحسب نعمة، وجود سجلات للأدوية النفسية والمخدرة وخزانة مخصصة لها، وميزان حرارة وميزان رطوبة، ولافتة، بالإضافة للنظافة والعزل والتهوية، والتكييف إن سمح الأمر.

ومن ضمن الشروط لإجراء ترخيص لفتح الصيدلية وجود مسافة بين الصيدلية وأقرب صيدلية لها، بحيث لا تجتمع الصيدليات بمنطقة محدودة وتترك باقي المناطق من دون صيدليات.

واعتبر نقيب الصيادلة أن الإجراءات للتراخيص والشروط التي تفرضها النقابة كافية وفعالة إذا تم تطبيقها بشكل جيد، معتبرًا أن “الإجراءات المعتمدة تضاهي الإجراءات العالمية”.

 

للسوريين في الشمال السوري: هل تثقون بالأدوية التي تباع في مناطقكم؟

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Mittwoch, 23. Oktober 2019

أربعة مصادر للدواء في الشمال السوري

لا توجد عقود واضحة بين شركات وموردي الأدوية، سواء كانت هذه الشركات تركية أو محلية، مع مستودعات توزيع الأدوية في الشمال السوري، وتعتمد المنطقة في محافظة إدلب وأرياف حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة، على ثلاثة مصادر رئيسية للدواء، تأتي من أكثر من منشأ، بينما يوجد مصدر رابع غير نظامي.

محلي الصنع

يؤكد رئيس الرقابة الصيدلانية في مديرية الصحة بمحافظة إدلب، محمد حاج حمود، لعنب بلدي أن الأدوية المنتشرة في المنطقة هي إما محلية الصنع مصدرها معامل أدوية موجودة سابقًا في المنطقة “المحررة”، كمعامل المنصورة في حلب أو معامل رُخصت حديثًا من مديرية صحة إدلب، أو من مناطق النظام.

ووفق وثيقة صادرة عن مديرية صحة إدلب توضح نسبة الأدوية في السوق الصيدلانية في الشمال السوري، بلغت نسبة الأدوية المنتجة من الشركات المرخصة قديمًا نحو 40% عام 2016، وارتفعت العام الحالي لتسجل نسبة 53%، في حين لم يكن هناك إنتاج دوائي من شركات دوائية حديثة عام 2016، لكنها سجلت العام الحالي نسبة 7%.

وتشير الوثيقة إلى أن نسبة 60% من الأدوية يتم تصنيعها من المعامل في المنطقة.

من مناطق سيطرة النظام

وفق رئيس الرقابة الصيدلانية في مديرية الصحة بمحافظة إدلب، فإن جزءًا من الأدوية التي تباع في الشمال السوري مصدرها من معامل أدوية في مناطق سيطرة النظام، تدخل إلى المحافظة من المعابر التي تصل المنطقتين ببعضهما.

وبحسب الوثيقة الصادرة عن مديرية صحة إدلب، فإن 30% من الأدوية في الشمال تصل عن طريق المعابر بين مناطق سيطرة النظام والمعارضة.

عبر “باب الهوى” و”باب السلامة”

يدخل جزء من الأدوية إلى الشمال السوري عن طريق معبري باب الهوى وباب السلامة الحدوديين مع تركيا، وتشمل الأدوية التي تأتي عن طريق المنظمات المختصة بالقطاع الصحي، وفق رئيس الرقابة الصيدلانية في مديرية صحة إدلب، محمد حاج حمود.

ويشير حمود إلى أن معظم الأدوية الواردة عبر معبر باب الهوى من تركيا خاضعة لرقابة دوائية “صارمة”، ولا تُعطى تصريحًا للدخول إلا بعد حصولها على “مطابقة للمواصفات الدستورية”.

وأوضحت الوثيقة التي حصلت عليها عنب بلدي من مديرية صحة إدلب أن 35% من الأدوية كانت تصل إلى القطاع الشمالي عبر معبر باب الهوى عام 2016، لكن النسبة انخفضت إلى 10% العام الحالي.

بينما بقيت حصة من الأدوية غير المحلية تصل إلى شمال غربي سوريا بنسبة 30%، في زيادة 5% عن نسبة الأدوية المستوردة لعام 2016.

بواسطة مهربين

المصدر الرابع للأدوية في الشمال السوري هو التهريب من الأراضي التركية إلى سوريا، وهذا ما تسعى حكومتا إدلب وريف حلب الشمالي لمحاربته، بسبب التزوير والتغيير وعدم مطابقة المواصفات.

ووفق وثيقة “صحة إدلب” فإن نسبة الأدوية المهربة في المنطقة وصلت العام الحالي إلى 0٪، وهو ما ينفيه مواطنون في إدلب أكدوا لعنب بلدي أن بعض الصيدليات ما زالت تبيع أدوية مهربة.

وتنتشر الأدوية المهربة غالبًا في الصيدليات الخاصة غير المرخصة، إذ يشير أمين سر نقابة صيادلة حلب، سالم عبد المعطي، إلى أن الصيدليات العامة تتبع للمشافي والمراكز الطبية وهي تابعة للمنظمات، ومصادرها تكون غالبًا من الدعم المقدم للمنظمات.

أما الصيدليات الخاصة التي يمتلكها صيادلة، فلها مصادر متنوعة، ومنها ما هو مستورد عن طريق المستودعات، ومنها غير قانوني يدخل عن طريق الحدود التركية السورية.

إتلاف أدوية من في إدلب من قبل هيئة الرقابة الدوائية في مديرية صحة إدلب، تشرين الأول 2019 (مديرية الصحة)

الرقابة الدوائية في الشمال السوري مهددة

تنتهي مع بداية تشرين الثاني المقبل المهلة التي حددتها منظمة “GIZ” الألمانية لدعم “مشروع تمكين مديريات الصحة”، الذي يغطي مجموعة من الخدمات الطبية في الشمال السوري، ومن ضمنها مديريات الرقابة الدوائية في مديريات صحة حلب وإدلب وحماة.

قرار توقيف الدعم عن الهيئة التي تشرف على عملية الرقابة الدوائية أثار مخاوف جزء من المواطنين، وسط تشكيك بقدرة المديريات على متابعة عملها في ما يخص ضبط قطاع الصيدلة، ومكافحة الأدوية غير الخاضعة للرقابة.

إذ أسهم انخفاض الرقابة الدوائية سابقًا في إتاحة المجال أمام التجارة بالأدوية المخدرة، وساعد في انتشار حالات الإدمان، كما تسبب بحالات تسمم دوائي عدة في الشمال السوري.

مخاوف من “نقطة الصفر”

“كان للرقابة الدوائية دور كبير في تحليل الأدوية وكشف المزور منها، وتحديد الأدوية المنتهية الصلاحية والمجهولة المصدر، وعينات الطعام والأغذية، وحليب الأطفال واللقاحات”، بحسب الصيدلاني خالد اليمان، العامل في مدينة إدلب.

ويشير الصيدلاني في حديث لعنب بلدي إلى أن فرض الرقابة الدوائية سابقًا أدى إلى تخفيف الأدوية المزورة والمخالفة، في حين سيفتح غياب الدعم الباب لظهورها مجددًا، والعودة إلى “نقطة الصفر”، لافتًا إلى ضرورة وجود رقابة على الأدوية ولو على الحساب الشخصي للصيادلة.

مدير الرقابة الدوائية في مديرية الصحة بإدلب، مصطفى الدغيم، قال لعنب بلدي أيضًا إن توقيف الدعم له تبعات سلبية على قطاع الرقابة الدوائية، لكنه قلل من الأثر الكبير لذلك، على اعتبار أن “أغلب العاملين في القطاع الرقابي حاليًا يعملون بشكل تطوعي على أمل إيجاد داعم جديد”.

أما عن التكلفة التشغيلية فيمكن تحصيلها، بحسب الدغيم، من خلال أجور يتم تقاضيها عن تحليل عينات الأدوية، ما يعني أن العملية لن تكون مجانية.

رقابة ذاتية

مع غياب الدعم عن الرقابة الدوائية، يُخشى من تردي العمل الرقابي المنظّم، الذي يستهدف بشكل أساسي المستودعات التي تعدّ “حارس البوابة” بالنسب للرقابة الدوائية، الأمر الذي يجعل الصيادلة يتحملون جزءًا من المسؤولية، فيما يخص الرقابة التي يتم تنفيذها على مستوى شخصي.

يقول صيدلاني يعمل في ريف حلب الشمالي (طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية) لعنب بلدي، إن الرقابة الدوائية الحكومية لا تزال قائمة حتى الآن، ولكن غياب اللجان الرقابية مستقبلًا،  قد يؤثر بشكل سلبي على قطاع الأدوية.

لكن الصيادلة هم الذين يلعبون الدور الأكبر في عملية الرقابة، ففي حال إيجاد أي أصناف في السوق، تُعمم بيانات بعدم صرف الأدوية في الأسواق، ويمنع الصيادلة من بيعها، وفي حال باعها الصيدلاني يخضع لعقوبات تتراوح بين الغرامة والسجن، أو كلتيهما، لذلك يترك الصيدلاني نفسه بمنأى عن العقوبات، فتتحول رقابته إلى ذاتية.

وفق الصيدلاني، فإن أغلب الصيدليات في إدلب ومناطق “درع الفرات” التي تخضع للإشراف التركي، مرخصة، ولكن المناطق التي تديرها طبيًا مديرية صحة حلب غير منضبطة، إذ لا تزال هناك صيدليات دون ترخيص، وهو ما يخشى أن يتزايد بعد توقيف الدعم.

مصادر الأدوية جزء من عملية الرقابة

على الرغم من الدور الذي يمكن للصيدلاني أن يلعبه في موضوع الرقابة الدوائية، إلا أن الصيدلية تبقى مؤسسة “ربحية”، بحسب الصيدلاني العامل في ريف حلب الشمالي، فالصيدلاني ليس عمله أن يحدد مدى مطابقة الصنف الموجود لديه للمعايير، وقد لا تكون لديه إمكانية لمعرفة ذلك.

ومن المفترض أن تُزوّد كل صيدلية بدفتر أدوية مطابق لما تزود به حكومة النظام الصيدليات في مناطق سيطرتها، ويجب على الصيدلاني أن يبيع الأدوية بموجب هذا الدفتر.

لذا فإن عملية الرقابة عند الصيادلة تُدار بمبدأ “الباب الي بيجي منه الريح سده واستريح”، فيركز الصيدلاني على أخذ الأدوية من مصادر معروفة بالنسبة له، بنسبة قد تصل إلى 80٪.

ويميل أغلب الصيادلة للتزود من شركات محلية معروفة لضمان سلامة عملهم، مثل “ألفا” و”الرازي” و”يونيفارما” و”أوبري” و”الرازي” و”الشهباء” وغيرها من الشركات التي تعتبر موثوقة، على اعتبار أنها خاضعة للرقابة أساسًا.

الشكاوى أساس الرقابة

يشير الصيدلاني خالد اليماني، العامل في مدينة إدلب، إلى أن الرقابة على الصيدليات تأخذ شكلين مختلفين، الأول من جانب الرقابة حيث ترسل شخصًا لشراء دواء من نوع محدد ترغب بفحصه، وإذا كانت هناك مشكلة تطلب الرقابة من الصيدلاني عدة عينات، ويتم التعميم بإيقاف العمل بالدواء في حال كان غير مطابق للمواصفات الدستورية للأدوية، أما الثاني فهو إرسال الصيدلاني الدواء للرقابة في حال الشك بصلاحيته.

ومع قطع الدعم عن الرقابة، ستكون الطريقة الثانية هي الأكثر اعتمادًا، بينما تبقى الطريقة الأنجع حاليًا هي الشكاوى التي يمكن أن يتم تقديمها بشأن الأدوية.

وتشمل هذه الرقابة مستويين، رقابة المواطنين على الصيادلة، في حال اشتروا أدوية غير صالحة، أو فاسدة، أو علموا بتوزيع أدوية ممنوعة، ورقابة الصيادلة على المستودعات التي توزع أدوية غير معروفة المنشأ.

حملات تفتيش على صيدليات إدلب من قبل هيئة الرقابة الدوائية في مديرية صحة إدلب 2019 (مديرية الصحة)

مقالات متعلقة