fbpx
× الرئيسية سياسة اقتصاد خدمات ناس رأي في العمقمنوعات رياضة سوريون في الخارج حقوق وحریات ملتيميديا مارس النسخة الورقية

عامر الموهباني.. نجا بذاكرة بصرية ليحفظ قضية بلده

المصور والناشط الإعلامي عامر الموهباني

ع ع ع

برنامج “مارِس” التدريبي- نور التقي

“ارتدت الشظية من الأرض متجهة نحو القلب مباشرة، فتلقتها عدسة الكاميرا المعلقة على صدري، حفرت فيها وعبرتها لتستقر خفيفة في الصدر.. ونجوت”.

تلك كانت المرة الثالثة التي ينجو فيها المصور والناشط الإعلامي عامر الموهباني من الموت، في أثناء تغطيته لمعركة “الله غالب” على تخوم الغوطة الشرقية بدمشق في عام 2015، بعد إصابته بشظايا عدة استقرت في طرفه الأيمن، وأخرى تلقتها عدسة الكاميرا، جراء استهداف الـ”فوزديكا” (مدفع صناعة روسية ذاتي الحركة) للمقاتلين آنذاك.

أنقذت كاميرا عامر حياته، وحمت غيره، وفق ما قاله لعنب بلدي، فعلى الرغم من أنه كان يغطي سير المعارك، لكنه كان ينقل معاناة المدنيين أيضًا، ويحاول توثيق الانتهاكات بحقهم، لتغير صوره بعض التفاصيل القاتمة في واقع الغوطة الشرقية الصعب، آنذاك.

الصورة تنقذ

لا يؤمن عامر أن مهمة الصورة التي تلتقطها عدسته، هي نقل المعاناة وتثبيت القضية فحسب، بل تستطيع الصورة أن تغير واقعًا.

قصة الطفلة “سحر ضفدع” كما يرويها عامر كانت أحد وجوه هذا التغيير. سحر التي عانت من نقص شديد في التغذية نتيجة للحصار على الغوطة الشرقية، كانت الإثبات الأكبر والبرهان الأوضح على وحشية الحصار، حين لم تصدق المنظمات الحقوقية وجود الحصار من أصله في ظل التباس الحقائق، آنذاك.

لم تنجُ سحر، لكن صورتها التي نُشرت كانت سببًا لدخول ثلاث قوافل للأمم المتحدة إلى الغوطة الشرقية، تحمل 400 طن من المواد الغذائية، أسهمت في نجاة كثير من الأطفال من موت كان سيتسبب به النقص الشديد في التغذية.

يروي عامر على لسان أحد أعضاء وفد الأمم المتحدة الذي دخل الغوطة يومها، أنه قال “انظر! هذه نتيجة ما سعيت إليه، صور الطفلة سحر والأرقام المقدمة بالتقرير هي ما جاءت بنا إلى هنا، لقد كانت أكبر من جميع محاولاتنا الضغط على قوات النظام السوري لإدخالنا”.

الصورة تصرخ

قد لا تُحدِث الصورة التغيير بشكل مباشر، لكنها تنطق بما يجعل ما فيها “قضية رأي عام”. يقول عامر إن صورة الطفل كريم الذي فقد عينه وقتلت والدته في قصف على الغوطة الشرقية أرّقته ليالي عدة، لكن حين انطلقت حملة “التضامن مع كريم”، أحس أنه أعاد له جزءًا من حقه المأخوذ.

صورة الطفل كريم لم تُعِد له عينه ولا أمه التي فقدها، ولكنها أوصلت قصته إلى مسامع كثيرين وتضامن معه الملايين على وسائل التواصل الاجتماعي، واستقبله الرئيس التركي وقدم العون لعائلته المهجرة.

عام واحد يفصل بين صورة الطفل كريم وصورة الطفل عمران التي سبقتها، والتي التقطت له في سيارة إسعاف بعد تعرض منزله في مدينة حلب لغارة جوية، فأصبحت صورته “أيقونة الحرب في سوريا” كما وصفتها واشنطن دي سي.

محمد رسلان، المصور الذي التقط صورة الطفل عمران، قال لوكالة “فرانس بريس” آنذاك، إنه حين التقط تلك الصورة لم يكن يدري أنها ستلقى ذلك الصدى وتنشر في صحف عالمية وتلقى ذلك التعاطف الكبير، لكنها فعلت ذلك.

لقطة ثمن الموت

سبقت الإصابة الأخيرة لعامر إصابته بشظايا دبابة في معركة “إدارة المركبات” بحرستا، خلال محاولته التقاط صور لتصدي المقاتلين لضربات الدبابة، وأُسعف بعدها إلى مدينة دوما وخضع لعملية جراحية.

الإصابة الأولى كانت إبان حصار الغوطة عام 2013، في أثناء عودته من إحدى المعارك التي كان من المفترض أن يغطيها، حيث تعرض لحادث سير أدى إلى تهشم كبير في الوجه.

نجا عامر، لكن كثيرًا من الإعلاميين لم ينجوا، إذ وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل ما لا يقل عن 695 صحفيًا وإعلاميًا (محليين وأجانب) منذ بداية الثورة السورية حتى أيار الماضي.

استهدفت قوات النظام السوري قنصًا بالرصاص كثيرًا من الإعلاميين والمصورين الذين عملوا على نقل صورة ما يجري في سوريا في بداية المظاهرات السلمية، ثم تبعتها اعتقالات وإعدامات وملاحقات، وصنفت سوريا في المرتبة 174 من بين 180 في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، لعام 2019.

أرشيف للقضية

“من يعتاد الموت والدمار؟” يتساءل عامر، ليوضح العلاقة بين مهنته وارتباطها بما يصوره، ويقول، “المصور أحيانًا يضع كاميرته على عينيه ويخفي خلفها مدامعه، كثيرًا ما أقف مسلوب الإرادة أمام بناء دُمر فوق رأس ساكنيه، أقترب لأوثق بالصور، يستوقفني أحدهم فقد عائلته تحت الأنقاض، يرتجيني ألا أصور، يعانقني ويبكي.. فأبكي معه”.

يخشى عامر من أن ذاكرتنا لا تتسع لجميع التفاصيل والحكايات، كما تتسع هواتفنا وأجهزتنا الإلكترونية لملايين الصور، لذا فإن الصورة هي التي تكتب التاريخ، وتوثق الخبر، وتجمد الزمان والمكان بإحساسه وتفاصيله، وتحفظه للأجيال المقبلة.

يقيم عامر اليوم في تركيا بعد نزوحه من الغوطة الشرقية مع عائلته، يحمل معه أرشيفًا كاملًا يوثق سنوات عدة من الحصار والدمار في الغوطة، وصورًا عديدة لضحايا وعائلات وأطفال وشيوخ وشوارع، بعضها لن ينشر وبعضها الآخر سيبقى دليلًا على مأساة الغوطة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة