ع ع ع

مراد عبد الجليل l حباء شحادة l تيم الحاج

“في سوريا مجتمع واحد، لا يوجد مجتمعان مدني وغير مدني. هناك مجتمع واحد، مجتمع مدني متمدن”، هو النهج الذي أفصح عنه بشار الأسد في السنة الثالثة من حكمه لسوريا، واستمر في تطبيقه حتى وقت متأخر من سنوات “شرعيته”.

وبعد 16 عامًا على تصريح الأسد الشهير، يتوزع المجتمع السوري إلى ثلاثة أقسام على طاولة مفاوضات لإنتاج دستور جديد، بين نظام ومعارضة، ومجتمع مدني يحاول أن يلعب دورًا، يفترض أن يكون وسيطًا أو توافقيًا.

مؤخرًا، ومع انطلاق أعمال اللجنة الدستورية في جنيف، برعاية الأمم المتحدة، بدأت التساؤلات تتزايد حول الدور الذي يمكن أن يضطلع فيه المجتمع المدني على المستوى السياسي. وبين رافض وداعم ومتخوف، لا تزال قائمة المجتمع المدني ضمن اللجنة تحاول تحديد دورها الحقيقي، وتخفيف انقسامها، وتوجيه بوصلتها نحو هدف واهد.

تسلط عنب بلدي في هذا الملف الضوء على دور المجتمع المدني في العملية الدستورية، والأسباب التي تقف وراء انقسامه، ومحاولات تسييسه، وتسعى لتقييم فرص استمراره، ومستقبله ضمن العملية السياسية.

اجتماع اللجنة الدستورية الموسعة الأول في جنيف – 30 تشرين الأول 2019 (وكالة الأناضول)

في اختبار اللجنة الدستورية..

تضارب المواقف يفسد لـ”المجتمع المدني” قضية

في عام 2016، أعلن المبعوث الدولي السابق إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، تأسيس “غرفة دعم المجتمع المدني” المعروفة اختصارًا بـ “CSSR”في جنيف، وهي المرحلة التي يمكن أن تعتبر نقطة تحول في عمل المجتمع المدني.

ولم يكن المجتمع المدني بمنظماته ونقاباته ومجالسه بعيدًا عن السياسة، بل دخلها بشكل غير مباشر بيد المجتمع الدولي، ثم بشكل مباشر عبر المشاركة إلى جانب المعارضة والنظام السوري بقائمة ثالثة في اللجنة الدستورية، من مهامها وضع دستور جديد لسوريا.

أُعلن التصميم الأساسي للجنة الدستورية في مؤتمر سوتشي الذي عقد في روسيا تحت اسم مؤتمر الحوار الوطني السوري، في 30 من كانون الثاني عام 2018، لتتكون من قوائم ثلاث، نظام ومعارضة ومجتمع مدني، لكل منها 50 عضوًا، انبثقت عنها مجموعة مصغرة مهمتها وضع بنود الدستور، مؤلفة من 45 عضوًا، 15 اسمًا من كل قائمة.

أثار دخول المجتمع المدني في الصراع السياسي حفيظة كثيرين، ومنهم المدير التنفيذي لمنظمة “برجاف”، فاروق حجي مصطفى، الذي اعتبر أنه لعب دورًا خجولًا ومنحازًا، وهذا مقتل بالنسبة للمجتمع المدني.

فمن المفترض أن يكون همّ المجتمع المدني هو المصلحة العامة، من وجهة نظر حجي مصطفى، الذي يبدي تخوفه من الانزلاق إلى الصراع والمهاترات السياسية، مشيرًا إلى أن المجتمع المدني يجب أن يلعب دور الوسيط، ويقدم حلولًا وسطية توافقية بين الطرفين المتصارعين سياسيًا لا أن يكون منحازًا لأي طرف.

بداية الانقسام

مع اللحظات الأولى لانطلاق أولى جولات أعمال اللجنة الدستورية بأعضائها الكاملين، في 30 من تشرين الأول الماضي، بدا الانقسام وعدم التوافق بين أعضاء المجتمع المدني واضحًا، من ناحية الآراء والمواقف السياسية وحتى القانونية.

وتضم قائمة المجتمع المدني 50 اسمًا يميل قسم منهم إلى النظام السوري، ويقيمون في دمشق، بينما يحمل قسم آخر وجهة نظر معارضة للنظام السوري، كما يمثلها في المجموعة المصغرة المنبثقة عن اللجنة 15 عضوًا، منقسمين إلى ثمانية يدعمون وجهة نظر النظام، وسبعة يدعمون وجهة نظر المعارضة.

وخلال الجولتين الأوليين من اجتماعات اللجنة الدستورية، ركز الأعضاء المقربون من النظام على “إدانة اعتداءات التنظيمات الإرهابية في حلب، واستنكار العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا”، بينما أكد أعضاء مقربون من المعارضة على ضرورة “العمل على الإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي من قبل جميع الأطراف في سوريا، والكشف عن مصير المختفين قسريًا، وتشكيل لجنة وطنية لمراقبة إطلاق سراح المعتقلين من قبل جميع الجهات بشكل دوري وفق جدول زمني محدد”.

لكن الانقسام الواضح والحقيقي في المجتمع المدني، ظهر في الجولة الثانية لاجتماعات المجموعة المصغرة، عندما تصاعد الخطاب الإعلامي من قبل الطرفين، وبدأ تراشق الاتهامات بالتبعية وخاصة من قبل الأعضاء القادمين من مناطق النظام السوري، الذين اتهموا الوفد الآخر (مجموعة السبعة) بأنه منفذ لأجندة دول أخرى خاصة تركيا.

وللوقوف على أسباب الانقسام وعدم التوافق بين أعضاء المجتمع المدني التقت عنب بلدي، التي واكبت أعمال الجولة الثانية في جنيف، عددًا من أعضاء الوفدين.

انقسام تعززه التبعية

أعربت عضو وفد اللجنة الدستورية المصغرة المنبثقة عن وفد المجتمع المدني، صباح حلاق، عن أسفها من انقسام قائمة المجتمع المدني وعدم وجود توافق، مؤكدة أن وفد “مجموعة الثمانية” (المقربة من النظام)، أعلن بصراحة في الاجتماع الأول أنه مدعوم من “الحكومة السورية” مع العلم أنه حسب مفهوم المجتمع المدني يجب أن يكون مراقبًا ومتابعًا لعمل الحكومة لا مدعومًا منها.

أما “الأعضاء السبعة”، فيمكن إطلاق اسم معارضة عليهم، لكنهم مستقلون وغير تابعين لأجسام سياسية مثل “هيئة التفاوض العليا”، بينما اتهمهم الطرف الآخر بأنهم منتمون إلى “الهيئة”.

عضو المجموعة المصغرة في اللجنة الدستورية عن قائمة المجتمع المدني، رغداء زيدان، أكدت أيضًا أن أعضاء الوفد القادمين من دمشق تحدثوا بصراحة عن مرجعيتهم لدمشق، وأنهم ليسوا مجتمعًا مدنيًا، في حين طلب الوفد الآخر، عبر رسالة واضحة قُدمت للمبعوث الدولي، غير بيدرسون، ألا تتم معاملتهم على أنهم تابعون للمعارضة السورية، وأكدوا أنهم يمثلون كل السوريين.

وأشارت زيدان إلى أن “الأعضاء السبعة” في القائمة المصغرة، طلبوا من الوفد القادم من دمشق العمل معًا من أجل تقديم ورقة مشتركة باسم المجتمع المدني، لكنهم انسحبوا من الاجتماع ورفضوا العمل، ما دفع ستة أعضاء من المجتمع المدني لتقديم ورقة خاصة بهم حول المضامين الدستورية.

اجتماع اللجنة الدستورية الموسعة في جنيف – 30 تشرين الأول 2019 (رويترز)

مهاترات سياسية

خلال الجولة الثانية من اجتماع اللجنة الدستورية، تحول وفد المجتمع المدني من لعب دور الوسيط والمهدئ بين طرفي الصراع، إلى الدخول في مهاترات سياسية وتراشق الاتهامات السياسية، عبر الإعلام.

وأرجعت عضو وفد اللجنة الدستورية المصغرة المنبثقة عن وفد المجتمع المدني، ميس كريدي، وهي إحدى أعضاء “مجموعة الثمانية”، سبب ذلك إلى كون الصراع داخل اللجنة سياسيًا، إلى جانب وجود أطروحات سياسية ومحاولة تسييس للمجتمع المدني بإرادة بيدرسون، أو بإرادات أقوى منه عبر دول قادرة على أن تسيطر وتهيمن على الأمم المتحدة، وعلّقت، “يجب أن نرد بشكل سياسي ونقدم مخاوفنا”.

وقالت كريدي لعنب بلدي إنه “يوجد في قائمة المجتمع المدني أشخاص هم أكثر تشددًا من وفد الرياض (في إشارة إلى وفد المعارضة السورية) وهذا ما يدفعنا (القادمون من دمشق) للرد سياسيًا، لأنك حينها تكون أمام قناعاتك الشخصية المباشرة”.

وأضافت أن “المجتمع المدني غير حيادي وتم اختياره على أساس توازنات معينة”، واعتبرت أن الوفد المعارض ضمن قائمة المجتمع المدني “ليسوا ديناميكيين أبدًا تجاه التعاطي، ويريدون الحصول على إدانات سياسية للدولة السورية ومكاسب إعلامية”.

واتهمت كريدي أعضاء المجموعة الأخرى من المجتمع المدني (مجموعة السبعة) بأنهم غير مستقلين ويتبنون وجهة نظر الدول الداعمة لهم ومشاريعها، قائلة، “يتم زجنا من داخل المجموعة بنقاشات سياسية، وعندما تتم نقاشات سياسية بالتأكيد لن نسمح بأن يتم تجاوزنا، وإن كان فعلًا الهدف هو بناء الإنسان وفكر الإنسان كلنا سنكون يدًا وحدة”.

وتمسكت كريدي بموقفها من منطلق اعتبرته “وطنيًا”، وقالت “عندما تكون حاملًا لجواز دولة أخرى فأنت ملزم بقواعدها، وضمن السياق كيف يريدون أن نقوم بعملية مخادعة للشعب السوري ونتبنى أطروحات ليس لها أي أثر في الشعب السوري الباحث عن لقمة عيشه والأمان”.

لكن عضو المجموعة المصغرة في اللجنة الدستورية عن قائمة المجتمع المدني، رغداء زيدان، نفت الاتهامات، وأكدت أن وفد المجتمع المدني ناقش مواضيع تتعلق بحقوق الناس، وقدم “لا ورقة” حول ضرورة إطلاق المعتقلين والمختفين قسريًا، دون الخروج عن المبادئ الدستورية.

وأكدت زيدان أن كل المداخلات في أثناء الاجتماعات خلال الجولة الأولى كانت تركز على هموم الناس والمطالبة بحقوقهم، وحقوق الملكية، وتعويض الضرر، والعدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين، والإفراج عن المعتقلين، في حين تم رفض مناقشة الأمور السياسية التي أراد وفد النظام الدخول فيها كالإرهاب وإدانة التدخل التركي وغيره.

ووضع أعضاء المجتمع المدني المعارضين لوجهة نظر النظام قائمة بـ225 فكرة دستورية، بحسب زيدان، وطلبوا مناقشتها من قبل اللجنة، لكن “الوفد القادم من دمشق” رد على ذلك بترديد نغمة الإرهاب وبطولات الجيش والمطالبة بإدانة التدخل التركي، وتساءلت “هل الحديث عن هموم المواطن والمطالبة بإطلاق المعتقلين والمطالبة بالعدالة وتأمين عودة النازحين والمهجرين سياسة؟”.

واعتبرت زيدان أن وفد النظام ومن معه في المجتمع المدني جاؤوا بأوامر واضحة لتعطيل عمل اللجنة فقط، ورفضوا مناقشة أي مضمون دستوري.

أما عضو وفد اللجنة الدستورية المصغرة المنبثقة عن وفد المجتمع المدني، صباح حلاق، فأكدت أن الملفات التي قدمت في “لا ورقة” حول المعتقلين والمفقودين، كانت لغة لجميع الأطراف وليست محصورة بالنظام، كونه ملفًا إنسانيًا غير قابل للتفاوض، ويفترض أن يحل لأنه يمهد للعملية السياسية وبناء الثقة.

لجنة مسيّسة؟

وفي ظل الاتهامات بين أعضاء الوفد يرى يامن بلان، عضو جمعية “همزة وصل”، أن المجتمع المدني مسيس أساسًا من لحظة نشوئه، والانقسام موجود منذ تأسيس غرفة المجتمع المدني عام 2016، لوجود قسم يرى أن الأمم المتحدة قادرة على إيصال صوته وتحقيق أثر، في حين يرى قسم آخر أن العملية الأممية هي فقط لتفريغ المجتمع المدني من دوره وقضيته وتحويله إلى متفرج.

وبدا ذلك واضحًا في الجولة الثانية، إذ لم يلعب وفد المجتمع المدني أي دور في تقريب وجهات النظر بين وفدي المعارضة والنظام، وبحسب ما رصدته عنب بلدي خلال مواكبتها الجلسة في جنيف، لم تتم استشارة قائمة المجتمع المدني في أجندة الاجتماعات وجداول الأعمال، واقتصرت المباحثات حينها بين بيدرسون والرئيسين المشتركين، عن وفد المعارضة، هادي البحرة، وعن وفد النظام، أحمد الكزبري.

وأشار بلان إلى أن هناك مجتمعًا مدنيًا يرى سوريا بقعة جغرافية واحدة، ومجتمعًا مدنيًا يتبع للنظام بشكل أو بآخر وينفذ أجندته، وهناك قسم آخر يتبع للمعارضة أو هو ضد النظام وينفذ أجندة سياسية، إضافة إلى المجتمع المدني بالمنطقة الكردية المقسوم إلى قسمين، قسم بخدمة الإدارة الذاتية ومشروعها، وقسم حقيقي يرى العرب الكرد بعين واحدة.

برأيك.. هل لدى المجتمع المدني السوري مساحة للتأثير إيجابيًا في عملية اللجنة الدستورية؟

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Mittwoch, 11. Dezember 2019

كيف اختيرت أسماء قائمة “المجتمع المدني”؟

لعبت الأمم المتحدة الدور الرئيس في وضع القائمة الأولى لوفد المجتمع المدني في اللجنة الدستورية، حسبما ذكرت دراسة لجامعة العلوم الاقتصادية في لندن (LSE)، نشرت في تشرين الأول الماضي، وكانت القائمة الأولى متنوعة ومشكلة من أعضاء من المجتمع المدني وخبراء القانون والدستور من مختلف الخلفيات وأغلبهم كانوا من المستقلين.

كما كانت القائمة “مطولة” وشُكلت من خلال ترشيحات قدمتها الدول المعنية بالملف السوري، مع المعارضة والنظام، بحسب ما قاله مصدر مطلع على آلية الاختيار لعنب بلدي، طلب عدم ذكر اسمه.

ومع استمرار عملية الاختيار، تحولت إلى “إملاء” من قبل الدول الضامنة، تركيا وروسيا وإيران، التي استخدمت حق “الفيتو” لعدد معين من الأسماء، ما أدى إلى تنازلات كبيرة أثرت على مصداقية المجتمع المدني، خاصة بعد رفض شخصيات كردية مهمة، لتكون النتيجة سحب عشرات الأسماء من القائمة واستبدالها بما يرضي الأطراف المتعددة.

وعلى الرغم من بقاء شخصيات “مهمة” في التشكيلة النهائية للقائمة، وفق الدراسة البريطانية، تمت خسارة “الاستقلالية عن الأطراف الخارجية والسياسية” بسبب التدخل، كما قوضت هذه العملية مع غياب الشفافية، مصداقية بعض أهم الشخصيات في القائمة، الذين باتوا عرضة للشك لعدم تعرضهم للرفض كغيرهم، وفق المصدر.

وبعد محادثات ومفاوضات على قائمة المجتمع المدني، اختارت الأمم المتحدة 20 اسمًا، لم يعترض عليها النظام ولا المعارضة، بحسب المصدر، في حين فرضت روسيا أسماء أضيفت إلى حصة النظام السوري من القائمة، وفرضت الأمم المتحدة أسماءً على حصة المعارضة والنظام.

وتنقسم القائمة حاليًا إلى 27 اسمًا اختيرت من قبل النظام السوري، و20 اسمًا وافقت عليها المعارضة، مع وجود ثلاثة أسماء مفروضة من الأمم المتحدة، أما في القائمة المصغرة فاختار النظام ثمانية أسماء، ووافقت المعارضة على خمسة، وفرضت الأمم المتحدة اسمين.

اللجنة فخ المجتمع المدني

ويرى المدير التنفيذي لمنظمة “برجاف”، فاروق حجي مصطفى، أن المجتمع المدني انزلق إلى “فخ” اللجنة الدستورية، في محاولة لتهميشه، والسبب في ذلك يعود إلى آلية اختيار الأسماء، و”خاصة من جانب النظام السوري، الذي اختار شخصيات لا علاقة لها بالمجتمع المدني، وإنما غالبيتهم أعضاء في قيادات شعبة حزب البعث أو أفرع الحزب أو مؤسسات تابعة للنظام”.

من جهته تحفّظ يامن بلان، عضو منظمة “همزة وصل” المدنية في شمال شرقي سوريا، على آلية اختيار أسماء قائمة المجتمع المدني ومشاركته في العملية الدستورية، لأن “المجتمع المدني لا يتنازل ولا يساوم (سياسيًا) وهو يمثل كل السوريين وحقوق المواطنين”، معربًا عن استيائه من تحويل المجتمع المدني إلى تابع لمكتب المبعوث الأممي، الذي يمتنع عن دعوة أي شخص لاجتماعات غرفة المجتمع المدني أو يرفض الاعتراض على أي شيء يتعلق بالعملية الأممية، بحجة أنه معطل للتوافق.

وقال بلان لعنب بلدي إن الأطراف المتحاربة والمتنازعة، إن كانوا سياسيين أم عسكريين، ومن خلفهم من دول داعمة، بحاجة لشرعنة أي اتفاق يتم بينهما، والشرعية تأتي من المجتمع المدني كونه يمثل كل المواطنين.

وأضاف بلان أن الأطراف السورية غير مستقلة ومؤتمرة من الخارج، سواء النظام أم المعارضة أم “الإدارة الذاتية” في المنطقة الشرقية، مشيرًا إلى أنه كان يأمل أن يكون المجتمع المدني قادرًا على الاستقلالية ولعب دور الرقيب ويكون صوت الناس، لكنه مع الوقت تحول من مجتمع مدني نضالي إلى مجتمع مدني مهني، يبحث فقط عن مشاريع وتمويل.

فيتو تركي على تمثيل الكرد

من جهته ألقى المدير التنفيذي لمنظمة “برجاف”، فاروق حجي مصطفى، اللوم في اختيار الأسماء على الدول الضامنة بالدرجة الأولى، كون السوريين كانوا يعلمون بالأسماء المشاركة في اللجنة من خلالها، إضافة إلى اللوم على المعارضة والنظام السوري اللذين قبلا بالواقع وفرض الدول للأسماء.

كما ألقى حجي مصطفى اللوم على المشاركين من المجتمع المدني الذين اعتقدوا أن اللجنة الدستورية قد تكون سببًا من أسباب الانتقال إلى مرحلة أخرى، لكنهم وقعوا في فخ الدول الضامنة، إذ إن القطبين (المعارضة والنظام) المدعومين من الدول الإقليمية، هما طرفان ذهبا لبناء صفقة سياسية وتسوية معينة وليس لكتابة دستور، خاصة أن هناك أشخاصًا ذوي خبرة لم يتم إدخالهم في المجموعة المصغرة، بسبب رفضهم التبعية لأي راية، سواء المعارضة أم النظام.

وإلى جانب ذلك أثار ضعف تمثيل الكرد في العملية الدستورية استياء البعض، واقتصر الحضور الكردي في اللجنة الدستورية على أربعة اشخاص، منهم اثنان من قائمة المعارضة، واثنان من المجتمع المدني.

وعلى الرغم من تصريحات إعلامية بأن اللجنة تمثل أطياف المجتمع السوري كافة، لكن حجي مصطفى اعتبر أنه لا يوجد تمثيل حقيقي للوجود الكردي، كما لا يوجد لمنظمات المجتمع المدني في الإدارة الكردية تمثيل كما يجب.

وأكد حجي مصطفى أنه تم إقصاء اسمه وسحبه من قائمة المجتمع المدني، مع اسم آخر، بسبب التجاذبات السياسية والاستقطاب السياسي الذي لعب دورًا كبيرًا، وبسبب الفيتو التركي وموافقة النظام على هذا الفيتو.

أما بلان فأرجع إلغاء المكون الكردي إلى أمرين، الأول، وهو الرئيس، بسبب وجود تركيا والاتفاق مع الروس والإيرانيين والنظام على عدم وجود تمثيل كردي “وكأنهم طرف لوحدهم وبالتالي يصبح التعامل مع مناطق مختلفة ومسيطر عليها ومع قومية”.

أما الأمر الآخر فقد يكون إعلان اللجنة الدستورية والعمل في غرفة المجتمع المدني لإعطاء شرعية للعملية العسكرية التركية في منطقة شمال شرقي سوريا (نبع السلام)، التي شنتها ضد “وحدات حماية الشعب” في 9 من تشرين الأول الماضي، ودخول النظام وتقاسم المنطقة.

وتحدث بلان عن اجتماع حضره قبل شهر من إعلان الأسماء في اللجنة الدستورية، في مدينة أربيل العراقية، بحضور مجموعة من المنظمات السورية، من مناطق النظام والمعارضة والمنطقة الكردية، بوجود المسؤول السياسي في مكتب المبعوث الأممي.

وتم، حينها، الحديث والاتفاق على تمثيل الأطراف كافة، وعدم إقصاء أي طرف أو جهة، لكن فوجئوا بسحب بعض الأسماء، مشيرًا إلى أن عملية إقصاء الكرد أمر مبيت اتُّفق عليه مسبقًا، كونهم لا يريدون الاعتراف بوجود “الإدارة الذاتية” كقوة عسكرية وسياسية لأنها مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية.

اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف – 30 تشرين الأول 2019 (رويترز)

المجتمع المدني في سوريا..”تطور محدود”

يعرّف المجتمع المدني وفق الأمم المتحدة بأنه القطاع الثالث من قطاعات المجتمع، جنبًا إلى جنب مع الحكومة وقطاع الأعمال، ويتكون من منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، ويتوسع ذلك التعريف ليشمل كبار الشخصيات من قادة المجتمع، والمحترفين، مثل المحامين والأكاديميين، والجماعات التي تسعى وراء تحقيق قضايا عامة، حسبما ذكرت دراسة لجامعة العلوم الاقتصادية في لندن (LSE)، حول قائمة المجتمع المدني في اللجنة الدستورية السورية.

ولم يكن المجتمع المدني موجودًا في سوريا إلا بشكل “نادر” خلال حكم الرئيس السابق للنظام السوري، حافظ الأسد، بسبب تمركز السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بيد واحدة، ما سهل سيطرته على مؤسسات المجتمع المدني، وأدى إلى إضعافها وإلغاء هدفها الأساسي وحولها إلى نظام شمولي بدلًا من شكلها المدني.

وبحسب دراسة لمنظمة “Christian Aid” البريطانية، نشرت في 18 من أيلول الماضي، تم تحضيرها من خلال لقاء 25 مشاركًا من منظمات سورية غير حكومية، لم تتوفر في البيئة القمعية التي أدارها حافظ الأسد منذ السبعينيات، المقومات اللازمة لنشوء المجتمع المدني المهم والتعددي ضمن الدولة ولا المستقل قبل عام 2011، ورغم وجود 550 منظمة مرخصة عام 2000، إلا أنها لم تقدم الخدمات الاجتماعية للشعب مع إحاطتها بالخطوط الحمراء.

ومع تسلّم الرئيس الحالي للنظام، بشار الأسد، السلطة عام 2000، توفرت فترة وجيزة من الأمل، أطلق عليها مسمى “ربيع دمشق”، حملت وعودًا للحرية والانفتاح، وشهدت على نشاطات وجيزة للمجتمع المدني وظهور صحف مستقلة وخروج معتقلين سياسيين وتشكيل تجمعات مدنية ركزت على حقوق الإنسان.

لكن سرعان ما أحس الأسد أن تلك التحركات تمثل خطرًا على وجوده بالسلطة لذا سعى لإنهائها، وتحول مصطلح “المجتمع المدني” إلى دلالة على المعارضة، وقال في مقابلة مع قناة “الجزيرة” في 2004، “في سوريا مجتمع واحد، لا يوجد مجتمعان مدني وغير مدني. هناك مجتمع واحد، مجتمع مدني متمدن”.

إلا أنه ورغم القمع، شهدت الأعوام العشرة الأولى من حكم الأسد الابن تناميًا ناعمًا لأنشطة المجتمع المدني، من نشاط المدونين والحركات المناهضة للعولمة وحملات حقوق المرأة.

وتطور المجتمع المدني بسرعة خلال أعوام النزاع السوري، مستغلًا غياب السلطة الأمنية وملبيًا للحاجات الملحة التي أفرزتها الفوضى والمعاناة الإنسانية، إذ انتشرت المنظمات مع بدء الحراك الشعبي، ليصل عددها إلى 1040 منظمة حتى عام 2017، وفقًا لمسح أجرته منظمة “مواطنون لأجل سوريا“.

وكان من دوافع انتشارها هو انحسار دور الناشطين السلميين مع توجه الحراك الشعبي نحو العسكرة، مع تزايد الحاجات الخدمية التي ترافقت مع انحسار دور الدولة في مناطق متعددة من سوريا.

محاولات إقصاء وتذويب

هل من فرصة لاستمرار دور المجتمع المدني

مع تصاعد حدة الانقسام داخل وفد المجتمع المدني ضمن اللجنة الدستورية، تعالت أصوات من داخل “الوفد القادم من دمشق” بإلغاء قائمة المجتمع المدني، وبحسب معلومات عنب بلدي، وصفت إحدى أعضاء “المجموعة القادمة من دمشق”، المجتمع المدني بأنه “ثلث زائد”.

وطالبت العضو وفد النظام بضم القادمين من دمشق من مجموعة المجتمع المدني لمجموعته، لكن عضو “المجموعة المصغرة”، ميس كريدي، الموالية للنظام، نفت ذلك، واعتبرت أنه جزء من محاولات تسييس القائمة.

لكن قائمة المجتمع المدني ما زالت قائمة، وتدعى لاجتماعات اللجنة الدستورية، ولم يتم الحديث عن إلغائها بشكل رسمي، بحسب عضو وفد اللجنة الدستورية المصغرة المنبثقة عن وفد المجتمع المدني، صباح حلاق، “بل على العكس يتم العمل الآن على تقوية أعضاء الوفد الخمسين من خلال العمل على مفاهيم مشتركة، وتقديم دعم من قبل بيدرسون عبر خبراء وتقنيين واستشاريين وإقامة ورشات لجميع الأعضاء لمناقشة المبادئ الدستورية”.

في حين أكدت زميلتها في القائمة ذاتها، رغدان زيدان، أن المجتمع المدني لن يقبل بإلغاء قائمته في اللجنة الدستورية، وسيصر على عدم حدوث ذلك.

وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه القائمة في العملية الدستورية، اعتبر ناشط مدني، مطلع على عمل قائمة المجتمع المدني في اللجنة الدستورية، (فضل عدم ذكر اسمه)، أنه من الصعب تقييم وضع القائمة من خلال الجلسات الأولى الماضية.

وحول الأثر المتوقع لقائمة المجتمع المدني، رأى الناشط، أن الكتلة الكبرى في القائمة، تسمى 19 زائد واحد زائد 2، وهي 22 شخصًا يعتبرون مستقلين، وإذا استطاعت هذه الكتلة أن تتوسع أكثر وتضم مستقلين من طرف وفد النظام السوري، يمكن أن تلعب دورًا إيجابيًا من خلال إيجاد حلول وردم الهوة، ووضع مطالب ليست لها علاقة بالسلطة بقدر ما تتعلق باحتياجات السوريين.

من جهتها أكدت حلاق أنه مع مرور الجولات يمكن أن يحصل هناك توافق بين الأعضاء، أما “التجانس” فليس بالضرورة أن يحصل، “فالكل ضد الإرهاب ويهمهم وحدة أراضي سوريا ولهم ذات الحقوق وذات الواجبات”، مطالبة بالجلوس على طاولة واحدة ومناقشة الوصول إلى توافق.

في حين لا تتوقع ميس كريدي فشل المجتمع المدني، وتعتقد أنه في مرحلة من المراحل يمكن أن يخف تعطيل عمل اللجنة، معتبرة أن المجتمع المدني سيؤثر في كل مسار بالحياة وليس فقط بالعملية الدستورية.

بينما يرى المدير التنفيذي لمنظمة “برجاف”، فاروق حجي مصطفى، أن قائمة المجتمع المدني أمام استحقاقين، الأول، هو كيف عليها أن تبتعد عن أي مشروع أو منهجية هدفها تدمير المجتمع المدني السوري، والثاني، يتمثل في كيفية التعامل مع مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، وتحديد مدى شكل العلاقة وأهداف العلاقة مع هذا المكتب.

وتبقى الآراء حول استمرار عمل قائمة المجتمع المدني في إطار التوقعات، بينما تحدد الجولات المقبلة من اللجنة الدستورية، النية الفردية والجماعية لإكساب وفد المجتمع المدني دورًا وسيطًا، يسهم في تحقيق مكاسب على طريق الانتقال السياسي.

اجتماع اللجنة الدستورية الموسعة في جنيف – 31 تشرين الأول 2019 (وكالة الأناضول)

English version of the article

مقالات متعلقة