fbpx
× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

“فقدت مدينتي وأصبحت غريبًا”.. حكايات قاسية من شتاء إدلب

طفلة في جو ماطر غمرت مياهه الخيم في مخيم كفر يحمول في ريف إدلب - 16 كانون الأول 2019 (عنب بلدي)

طفلة في جو ماطر غمرت مياهه الخيم في مخيم كفر يحمول في ريف إدلب - 16 كانون الأول 2019 (عنب بلدي)

ع ع ع

عمار البوشي

قبل حوالي خمسة أشهر، نزح محمد من مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، ويقيم اليوم في “مخيم الكرامة” بريف المدينة الشمالي. هذا الشتاء هو الأصعب على محمد، حيث بدأت مخيمات النازحين في الشمال السوري مرحلة جديدة من معاناتها المستمرة مع بدء هطول الأمطار وتشكل السيول التي تجرف الخيم. 

“فقدت مدينتي وأصبحت غريبًا في منطقة أخرى، وفقدت أرضي التي أعتاش منها أنا وأسرتي، وفقدت المواشي التي كنت أربيها، لأصبح اليوم نازحًا أنتظر المساعدات الإنسانية التي لا تكاد تكفي لإطعام أولادي”، يقول محمد.

محمد هو واحد من كثر فروا مؤخرًا من منازلهم في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، بسبب قصف قوات النظام السوري والطيران الروسي، إلى المخيمات التي تنتشر في مختلف مناطق الشمال السوري، لا سيما في ريف إدلب الشمالي والغربي.

“أم أحمد” نازحة بدورها من ريف إدلب الشرقي إلى “مخيم الساروت”، تشكو معاناتها مع الأمطار والسيول، “خلال الأسبوع الماضي، غرقت خيمتي بمياه الأمطار، فاضطررت لنقل أطفالي إلى مكان آخر بعيدًا عن المطر، بعدما تبلّلت أمتعتنا وبدأ أولادي يرتجفون من البرد”، مضيفة “لا يمكننا الاستمرار على هذه الحال طوال فصل الشتاء، فالتنقل ليس بالأمر السهل وهذا يجعلنا عرضة للأمراض بشكل أكبر، لكن هل من بديل؟”.

ونظرًا لهشاشة الخيم المكونة من قماش وأعمدة خشبية فقط، وفي أحسن الأحوال تغطيها عوازل من النايلون، يصعب على سكانها الصمود في وجه العوامل الجوية القاسية كالثلوج والأمطار والسيول والرياح، فيصبحون عرضة للبقاء من دون مسكن خلال فصل الشتاء.

ونظرًا لطبيعة مناطق الشمال السوري الجبلية، فإن معظم المخيمات أُنشئت فوق أراضٍ غير مستوية، وهذا عامل آخر يجعل الخيم عرضة للسقوط بشكل أكبر، وقد جرفت الأعوام الماضية مخيمات بأكملها بسبب الأمطار والسيول.

حيل للصمود

من جهته، يروي خالد وهو من مهجري الغوطة الشرقية، عن استعداداته لفصل الشتاء في “مخيم قاح” القريب من الحدود التركية، قائلًا، “قبل فصل الشتاء بشهر، قمت بفك خيمتي وأحضرت الأحجار الكبيرة والصخور من مكان آخر ووضعتها تحت الخيمة، فعلت ذلك لأرفعها قليلًا عن الأرض التي ستكون مجرى للمياه في الشتاء، لعلها تنفع في التخفيف من كوارث المياه الجارية”.

يتابع خالد كلامه، “قمت بصيانة جوانب الخيمة وحياكتها بشكل جيد لعلها تقينا من المطر والغرق، كي لا نضطر للانتقال إلى مكان آخر في ظل الظروف الإنسانية والطبيعية القاسية التي تضرب الشمال السوري”.

محاولة خالد حماية خيمته، يقوم بمثلها كثر، إذ يعملون على رفع سواتر ترابية عالية حول المخيمات، لا سيما من جهة المرتفعات الجبلية، كما يحفرون الترع المائية والخنادق لاحتواء المياه التي تتجمع داخل المخيمات وجر هذه المياه إلى خارج نطاق المخيم. كما يحاول سكان المخيمات رصف طرقات بين الخيم استباقًا لتشكل الوحل والطين الذي يعرقل الحركة تمامًا.

رغم كل تلك الاحتياطات، يبقى من الصعب على المهجرين حماية أنفسهم بالكامل في مواجهة الكوارث الطبيعية، وذلك بسبب قلة الإمكانيات المادية والافتقار للأدوات المطلوبة للعمل، والأعداد الكبيرة للمخيمات والخيم، إضافة لذلك لا توجد خيمة خالية من رجل عاجز أو طفل مريض، وأحيانًا يكون فيها امرأة وأيتام لا حيلة لهم.

محروقات بأسعار قياسية

مع أن ارتفاع أسعار المحروقات يعد أمرًا طبيعيًا في فصل الشتاء، إلا أن هذا العام شهد وصولها إلى معدلات قياسية في المنطقة، وذلك نتيجة المعارك الدائرة شمالي شرقي سوريا، وتحديدًا في المناطق التي تسيطر عليها “وحدات حماية الشعب” (الكردية)، التي حالت دون وصول المحروقات إلى الشمال السوري “المحرر”.

يقول خالد، “تجاوز سعر الليتر الواحد من المازوت 700 ليرة سورية، ولو دفعت كل راتبي لشراء مازوت للتدفئة فلن يكون ذلك كافيًا”.

ويشرح عماد الخطيب، وهو أحد تجار المحروقات في الشمال السوري، أن سبب ارتفاع سعر المازوت هو عدم وصول النفط الخام من مناطق سيطرة “الوحدات” التي تتحكم بآبار النفط في سوريا بعد المعارك الأخيرة في الشمال، موضحًا أن “قلق التجار دفعهم لإخفاء مخزونهم من المحروقات، وبالتالي خف العرض وازداد الطلب، حتى المؤسسات الخدمية لم تكن تضع بحسبانها هذا الموضوع وبدأت تبحث عن مخزون احتياطي، فأصبحت لديها حاجة لشراء كميات كبيرة من السوق الذي بات أصلًا شبه خالٍ من المحروقات”.

ويضيف عماد، “من عوامل ارتفاع أسعار المحروقات كذلك هو انخفاض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، إذ ازدادت أسعار مجمل البضائع أكثر من 70%”، لافتًا إلى أن “هذه الزيادة أنهكت المواطنين، لأن دخلهم يكون عادة بالليرة السورية وليس بالدولار”.

المصدر: فريق "منسقو الاستجابة" في الشمال السوري

المصدر: فريق “منسقو الاستجابة” في الشمال السوري

بدائل خطرة

للحصول على التدفئة بطرق أقل تكلفة، وإن كانت أكثر ضررًا على الصحة، يلجأ سكان المخيمات إلى إيجاد بدائل عن المحروقات، منها الحطب بأنواعه، و”البيرين”، وهي مادة شبه صلبة قابلة للاشتعال مصنعة من بقايا عصر الزيتون، والفحم.

ورغم مساوئ استخدام هذه المواد وارتفاع سعرها، إلا أنها تعد أقل سعرًا من المازوت.

ويتحدث اختصاصي أمراض الرئة والجهاز التنفسي، الطبيب حمزة السيد حسن، عن مخاطر استخدام المواد القابلة للاشتعال في التدفئة، قائلًا، “يستخدم البعض بقايا النفايات والبلاستيك من أجل التدفئة، ما ينتج عنه روائح تضر بالأطفال خاصة حديثي الولادة”.

ويلفت الطبيب، الذي يعمل في العديد من مشافي مدينة إدلب، إلى توافد كثير من الحالات المرضية وجلّها من الأطفال إلى المشافي في الشتاء، ومعظمهم يكون مريضًا بسبب البرد أو تبعات التدفئة غير الصحية، علمًا أن أغلبية المرضى هم من سكان المخيمات الذين يفتقرون إلى أدنى وسائل التدفئة.

أكثر من 900 ألف مهجّر

وفقًا لتقرير نشرته الأمم المتحدة بتاريخ 29 من تشرين الأول 2019، فإن عدد النازحين الذين تركوا منازلهم في شمالي سوريا، جراء العملية العسكرية الأخيرة للنظام السوري على مناطقهم، وفروا إلى شمال محافظة إدلب، يبلغ 400 ألف نسمة.

يضاف إلى ما سبق لدى هؤلاء هاجس تأمين إيجار السكن. وبحسب محمد، تصل أجرة الخيمة في منطقة قريبة من الحدود التركية إلى 100 دولار شهريًا باعتبارها منطقة آمنة وبعيدة عن القصف، بينما أجرة المنزل العادي في مناطق تعد آمنة نسبيًا، كمدينتي الدانا وسرمدا، قد تصل إلى 300 دولار شهريًا.

ويتساءل محمد، “من أين لشخص مهجر عن محافظته أو نازح عن مدينته أن يحصل على هذا المبلغ ويسدده كأجرة للمنزل؟ لقد تركت كل ما أملك خلفي بعد سيطرة قوات النظام على خان شيخون”.

وفي دراسة مفصلة نشرها موقع “منسقو الاستجابة السريعة” في تشرين الثاني 2019، وركزت على سبعة مواقع في محافظة إدلب هي: أريحا، جبل سمعان، جسر الشغور، حارم، مركز إدلب، معرة النعمان، تبيّن أن عدد المخيمات الرسمية وغير الرسمية في المواقع السبعة هو 1153 مخيمًا، يضمون حوالي 962 ألف شخص.

وتوضح الدراسة المخاطر التي تواجه سكان المخيمات من إمكانية غرق الخيم وإزالتها وانتشار الأوبئة، كما تلخص المتطلبات الرئيسة بحدودها الدنيا التي يحتاجها سكان المخيمات من حاجة لتأهيل الطرقات الخدمية والإسعافية إلى المخيمات، والحاجة إلى خيم جديدة وعوازل مطرية وحفر مسارب مطرية وسواتر ترابية لعزل المخيمات.

المصدر: فريق "منسقو الاستجابة" في الشمال السوري

المصدر: فريق “منسقو الاستجابة” في الشمال السوري


*تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في “الجامعة الأمريكية في بيروت” بالتعاون مع “مؤسسة دعم الإعلام الدولي”، ومؤسسات إعلامية سورية وعربية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة