“درب السما”..  في تطورات سينما النظام

ع ع ع

نبيل محمد

فيلمان من آخر إنتاجات المؤسسة العامة للسينما في سوريا، أتاحتهما المؤسسة للمشاهدة عبر الشبكة، في وقت تتجه فيه كثير من المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي والفني بالعالم لتقديم تسهيلات لمتابعة منتجاتها أو محتوياتها أو أرشيفاتها عبر الإنترنت في ظل التزام سكان عشرات الدول في العالم منازلهم، منهم السوريون، الذين قدمت لهم مؤسسة السينما، مجانًا، فيلمين اثنين، من مجمل أرشيفها، عبر موقع “Vimeo”، أحدهما من إخراج أيمن زيدان والآخر من بطولته ومن إخراج جود سعيد، والفيلمان من إنتاج 2019.

“درب السما” لجود سعيد هو واحد من أحدث الإنتاجات، وهو فيلم ضخت له الآلة الإعلامية السورية بكل مكوناتها ما قدرت أن تضخه من تسويق، ومثّل سوريا في مهرجانات عدة، خاصة في تلك المهرجانات العربية المتسامحة مع ما ينتَج حاملًا وجهة نظر النظام السوري بمجريات الأحداث في سوريا، ونال جوائز أيضًا في مهرجان الإسكندرية السينمائي بنسخته الـ”35″، كأفضل سيناريو، وأفضل فيلم وأفضل ممثل (أيمن زيدان) في مسابقة نور الشريف للأفلام الروائية العربية الطويلة، جوائز ربما لم تكن لتمنح لفيلم بهذا المستوى، إلا في مهرجانات مصرية تحكمها أجهزة السيسي.

لا شك أن الفيلم يقدّم تطورًا ما عما صنعه مخرجه جود سعيد في السياق ذاته، مثل فيلم “مطر حمص” سابقًا، هذا التطور ليس فنيًا، إنما تطور طرأ على بعض القيود الخاصة بتفاصيل كانت محظورة سابقًا على الأقل في السينما، فما جاء في “مطر حمص” وسواه مما قدم قبل “درب السما” لا يحتمل سوى شيطنة الطرف الآخر (المعارضة) كليًا، بأسلوب ساذج يقارب الكوميديا في بعض تجلياته، وتبرئة كلية لطرف جيش النظام بطريقة أيضًا لا تخلو من سذاجة، أما في الجديد هنا فيبدو أن السقف ارتفع سنتيميترات قليلة، لنرى مقاتلًا معارضًا يحب ويملك مشاعر إنسانية، ويجد نفسه مجبرًا على حمل السلاح، ونرى أحد المرتبطين بجيش النظام ومخابراته يعيش رغدًا مصدره سرقة مفروشات المنازل. لكن لم تخلُ هذه “الجرأة” من السذاجة ذاتها التي كان يعانيها الطرح المقيّد السابق، خاصة في قصة “التعفيش” التي تمر مرور الكرام، مع تسميتها بـ”غنائم الحرب” حتى خلال انتقادها، بمعنى أن كلمة “تعفيش” الرائجة لدى كل الأطراف السورية، بما فيها الأطراف القائمة بفعل “التعفيش”، لم ترد بصيغتها المجردة الحقيقية المعبرة، إنما وردت بصيغتها الأكثر قوننة ومقبولية لدى الدولة، بل وجاءت في سياق تقديم شخصية سيئة بالمطلق، متوحشة، سايكوباتية.

أما شخصية المقاتل المعارض، فبالتأكيد يتم القصاص منها بسيناريو ملائم لتوجهات أصغر فرع أمن في سوريا، فبما أنها شخصية معارضة مقاتلة لكنها تحمل ملامح إيجابية، فيجب أن تترك السلاح وتخلع بدلة القتال وتعود مدنية رومانسية عاشقة، ليتم إعدامها من قبل المتشددين بتهمة الحب.

كل ما في الفيلم من قصص بإطاريه الزمنيين، في أثناء حصار حمص، وما بعده، هي محاولة لرسم مكونات شخصية ملائكية وطنية، يلعبها أيمن زيدان، أستاذ اللغة العربية المثقف الذي يتم طرده من الحي الذي عاش فيه أغلبية حياته في حمص، بسبب كونه “علويًا من الريف”، ليخسر كل شيء، بما في ذلك إصراره على عدم مغادرة المنزل، وابنتاه إحداهما شنقًا من قبل المعارضة والثانية غرقًا في البحر في أثناء رحلة التهريب، ويعود بابنه الذي فقد أحد قدميه، وبابنة صديقه التي تعهّد أن يستكمل تعليمها، إلى قريته، ويواجه تناقضاتها بعد الحرب، التناقضات التي لعلّها كانت من أبرز صور السذاجة في الفيلم. مشاهد تمر دون رقيب أو مدقق أو متسائل عن منطقيتها، أو قدرتها على إقناع المشاهد بما فيها من لا منطقية مبنية على سينمائية واقعية، فمديرة المدرسة تصرخ في وجه أحد كبار رجال الحي دون أن يرد عليها بكلمة، وفارق زمني يوحي بأكثر من 15 عامًا بين الأخ وأخيه، بينما تُظهر الصور أن الفارق بينهما سنوات قليلة.

أتاحت المؤسسة العامة فيلمًا من منتجاتها الرديئة، بينما بقي ما كان جيدًا إتاحته حبيس أدراجها وأرشيفها الصامد ضد المشاهدة، بمشيئة الفروع الأمنية المعنية بمؤسسة السينما وما هو مصرّح لها أن تتيحه.



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة