fbpx

وجدتُ صورة قديمة لقرية سورية

ع ع ع

خليفة خضر

ترتسم على وجهي ابتسامة قد يطول عمرها على قدر النشوة التي رافقت معرفة تفاصيل الأماكن وتخمينها، وتقاطع زاوية الصورة وتقاربها بزاوية الصورة في وقتنا الحالي.

منذ مدة وجدتُ في أثناء البحث عبر الإنترنت والمتصفحات صورة قديمة تعود لعشرينيات القرن الماضي، ويظهر فيها عدد من الرجال والنساء محاطين بقبب طينية تلك التي يشتهر بها سكان شرق حلب (ريف حلب الشرقي)، وفي عمق الصورة، يظهر جبل الشيخ عقيل الذي يميز مدينة الباب عن المدن والقرى الأخرى بريف حلب الشرقي. ما زالت الابتسامة مرسومة على وجهي، وشعرتُ بنشوة المعرفة أنني عرفت وقَدَّرت المكان الذي التُقطت الصورة منه.

بالرغم من تشييد الأبنية الحجرية واندثار القبب الطينية بشكل كلي في مدينة الباب، جعلني تقدير المسافة وزاوية الصورة في البعد بين جبل الشيخ عقيل ومكان وقوف هؤلاء البشر من رجال ونساء، أخمّن المكان الذي وقف فيه هؤلاء المزارعون أو المارة في المدينة.

يسمى شارع زمزم الآن، وفي النهاية أكد لي أحد المعمرين في المدينة لي صحة تقديري لمكان التقاط الصورة من قبل مصوّر ألماني كان قد زار المدينة في عشرينيات القرن الماضي.

التقاط الصور للأماكن ورصد تغيرها والاحتفاظ بها أو نشرها، داء أصابني ولا يبرح يوم إلا يكون في جعبتي العديد من الصور، إما عامة لقرية أو لوحة طرقية لبلدة أو لوحة طرقية لمدينة وشارع عام أو اسم مسجد، حتى أسماء المحلات والذكريات الموجودة على الجدران ألتقطها وأحتفظ فيها بأرشيفي المصوّر.

في البداية، كانت المقاربات بين الصور تعتمد على ما ميّز القرية أو هذا المكان عن أيامه القديمة، أو هل استطاع أصحاب المكان الحفاظ عليه رغم كل موجات الهجرة الداخلية أو الخارجية في سوريا، وهل هُدم المكان بسبب التوسعة والتأثر بالتطوير العمراني الذي ولدته الكثافة السكانية والأجهزة الكهربائية، أم بقي على حاله؟ هل فقط الفقراء هم من حافظوا على هذه القبب التي يعود عمرها لأكثر من 100 عام؟

هذا ما أجابت عنه صورة التقطتها كاميراتي عندما وجدتُ صاحب منزل في قرية شويحة شرق حلب، ترك قبة من القبب الطينية على طرف منزله، ولكن في الجهة الأخرى يوجد بناء حجري كبير يسكنه هو وأفراد عائلته.

التقطتُ صورة للمنزل والنقيض التاريخي بين كل من القبة والمنزل الحجري، علّ ابتسامة ترتسم على وجه أحدهم إذا شاهدها على الإنترنت بعد زمن.

في المقابل، تؤلمك وتغرز في قلبك ألمًا تلك الصور التي لا طريق لك للوصول إليها، وهذا ما أشعر به عندما أشاهد صورًا تاريخية لمدن قديمة تحولت لمناطق عسكرية أو يُمنع الذهاب إليها، إذا مَثلت لأوامر الجهات العسكرية التي تسيطر عليها.

وأيضًا يؤلمك ويغرز في قلبك ويشحب وجهك عندما تستطيع اكتشاف صورة ليست تاريخية ولا قديمة لمعالم مكان أزيل بالكامل نتيجة قصفه وتدميره.

وصف صديقي في أثناء جولتي معه في محيط الجامع الكبير بمدينة معرة النعمان جنوبي إدلب، قبل سيطرة النظام السوري عليها، بقوله “من قبل لا تستطيع سماعي في أثناء التحدث إليك، بسبب الازدحام وأصوات محلات الحدادة وزمامير السيارات، لكن الآن حتى صوت صندوق من الكرتون فارغ يتطاير في الهواء من الصعب رؤيته، تسمعه جيدًا”.

أخبره عن صورة انتشرت لمدينة معرة النعمان في السابق يظهر فيها بناء كبير تحته صالة ألعاب، يخبرني أنه هناك “لا يوجد شيء”، لا مكان لصالة الألعاب الآن بعد القصف.

في هذا التوصيف واستذكار الأماكن، لا ابتسامة ترتسم، بل وخزة تغرز قلبك، تتمنى إثر الغرزة لو أنك لم تعرف وتقدر زاوية التصوير ولا مقاربتك أتت مثلما تخيلت.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة