شيطنة “الآخر”.. المرحلة الأولى في خط إنتاج الإبادة

ع ع ع

منصور العمري

الفظائع الجماعية بما فيها القتل الجماعي والإبادة الجماعية، هي المرحلة الأخيرة في سلسلة من الإجراءات العمدية التي تبدأ عادة بشيطنة جماعة بشرية وتحويلها إلى عدو وتهديد خطير، لتنقضّ عليها جماعة أو جماعات أخرى في المرحلة الأخيرة. ما يميّز هذه الجرائم الجماعية عن تلك الفردية أنها لا تحدث بشكل مفاجئ أو اعتباطي، بل هي المنتج النهائي لعملية صناعية محترفة.

هناك عدة خطوات تسبق القتل كفعل أخير. تبدأ هذه الإجراءات بنشر الكراهية تجاه جماعة معينة في وسائل الإعلام وبين الناس، باستخدام مفردات وذرائع عديدة. تشمل إطلاق الألقاب والتسميات المسيئة والحاطة للكرامة، ثم تكريس هذه الصفات بممارسات متعددة، وتكوين رأي عام لتحويل الجماعة المستهدفة إلى عدو وتهديد خطير.

رأينا هذا الأسلوب مرارًا في التاريخ. سبق الإبادة الجماعية لليهود، توصيفهم بالجرذان والمرضى وتحويلهم إلى عدو الدولة. وسبق الإبادة الجماعية في رواندا وصف أفراد جماعة التوتسي العرقية بأنهم صراصير يجب القضاء عليهم. استخدم القذافي وصف جرذان لتبرير محاولته قتل معارضيه، ويصف نظام السيسي معارضيه بأنهم إخوان مسلمون وإرهابيون، ويحرض إعلامه ضدهم ليلًا نهارًا. وصف بشار الأسد معارضيه بالجراثيم، واتهم كل من يعارضه بالإرهاب لتبرير قتله، وحتى أنه وصف ملايين المدنيين السوريين بأنهم إرهابيون وحواضن للإرهاب، في شيطنة للمدنيين بمن فيهم النساء والأطفال، لتحضير الرأي العام وتبرير حملات القتل التي استهدفتهم. استخدم داعش صفات “الملاحدة” و”الرعاع” و”الفجّار” و”الخوّان” لوصف السوريين، ولم تنس جبهة النصرة تكفير السوريين ووصف آخرين منهم بالروافض. كما ينتشر توصيف أردوغاني وإخواني لمعارضي الإدارة الذاتية الكردية.

استخدم ابراهيم إبراهيم المنسق الإعلامي “لمجلس سوريا الديمقراطي” في أوروبا، ذات الأسلوب التحريضي، حين أسبغ صفة الإرهاب على 2 مليون مدني، لتبرير قتلهم.

يدعي إبراهيم أنه لم يدع لقتل المدنيين واعتذر، وحتى لو صدقناه حرفيًا، لكن الفعل الذي لم يعتذر عنه، هو إسباغ صفة الإرهاب على 2 مليون مدني أو على نصف المدنيين في إدلب، في مقدمة لتبرير قتلهم، وهو الفعل الممهد لشيطنة “الآخر” ثم قتله.

جاء بيان المكتب الإعلامي في “مجلس سوريا الديمقراطية” ليعزل إبراهيم، ولكنه ارتكب خطأ جسيمًا إضافيًا، حين ألقى اللوم على الصحفي الذي كان يحاور إبراهيم، وحمل الصحفي مسؤولية دعوات إبراهيم للقتل. لم يدع إبراهيم للقتل الجماعي مرة واحدة، أو بزلة لسان، بل أعادها حرفيًا عدة مرات في اللقاء، وفي نهاية اللقاء أكد أن هناك 2 مليون إرهابي في سوريا يجب قتلهم.

تحميل المسؤولية للإعلام بهذا الشكل، يشير إلى مبادئ ونهج الإدارة الذاتية في اعتبار الإعلام الحر الذي لا يعجبها عدوًا، ونظرتها غير الواعية لماهية دور الإعلام وأساسياته. ليس من مهام الصحفي مداعبة ضيفه وتمسيد أفكاره، بل من واجبه استثارة الضيف وخاصة إن كان مسؤولًا في كيان سياسي أو حكومي، كي يبوح بما يخفيه، ويعبر عن أفكاره بصراحة لا من خلف مكياج زائف.

يترتب على الموظفين الرسميين والجهات الحكومية والرسمية والإعلام مسؤولية إضافية تجعل تصريحاتهم وخطاباتهم أكثر خطورة من كلمات مواطن عادي على “فيس بوك” مثلًا. فحين يرى المواطن العادي أن مسؤوليه أو المتحدثين باسمه أو إعلامه الرسمي يروج للإبادة ويحمّل الصحافة الذنوب، يفهم أن هذا الترويج وتحميل المسؤوليات أمر قانوني، مما يشجعه على تبنيه وترديده بلا خوف من المساءلة، بما يدفع أعداد كبيرة من المواطنين إلى تبني هذا الخطاب وتشكيل رأي عام لديهم، وهو الكارثة الأولى التي تسبق عاصفة الفظائع الجماعية.

تتطلب الفظائع الجماعية عملًا جماعيًا متكاتفًا ومتسلسلًا، فرئيس الدولة القمعية كفرد غير قادر على قتل أعداد كبيرة من شعبه دون تواطئ مجموعة كبيرة من الناس معه، قد يكون من بينها الإعلام الرسمي أو الخاص المنحاز، والشرطة والجيش ووزارات الدولة، والناس العاديين.

تقول سوزان بينيش مديرة مشروع الخطاب الخطير الممهد للعنف الجماعي في معهد السياسة العالمية:

التحريض هو السمة المميزة للإبادة الجماعية، وقد يكون شرطًا مسبقًا لها. كل حالة إبادة جماعية حديثة سبقتها حملة دعائية تنتقل عبر وسائل الإعلام وتديرها حفنة من القادة السياسيين. تبدأ الحملة بتجريد الإنسان من الإنسانية، وتعريف “الآخر”، بأنه “حشرة”، “صرصور”، “جرثومة”، “آفة”، “ثعبان”، “غراب”… كل هذه الكلمات استخدمت للتحريض على العنف في الإبادة الجماعية في القرن الماضي في البوسنة وألمانيا ورواندا.

أما اليوم فهناك من يستخدم مفردات جديدة مثل: “إرهابيون”، “ملاحدة”، “روافض” وغيرها لشيطنة “الآخر” والتحريض على العنف ضده.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة