رياض الترك والديكتاتور الذي لم يمت

ع ع ع

إبراهيم العلوش

مات الديكتاتور!

تسببت هذه الجملة في عام 2000 بإعادة سجن المعارض رياض الترك، كما قال في لقائه مع قناة “BBC” العربية، في 9 من نيسان الحالي، الذي أجرته المذيعة اللبنانية الشهيرة جزيل خوري، فهل حقًا مات الديكتاتور؟

رياض الترك القيادي في حزب الشعب والأمين العام السابق للحزب الشيوعي السوري (جناح رياض الترك)، دفع 17 سنة من عمره في زنزانة منفردة أيام الأسد الأب، 12 سنة منها لم يرَ الشمس فيها، في محاولة من حافظ الأسد لإرضاخه وقبوله الانضمام إلى الجبهة الوطنية التقدمية، التي انضم إليها خالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي المسمى باسمه (جناح بكداش)، والذي كان مواليًا للروس حينها بينما كان جناح الترك قد نحا منحى قوميًا، ما أغرى حافظ الأسد بمحاولة استبعاد خالد بكداش من صيغة الحكم الشكلية، باعتباره أمينًا عامًا لحزب البعث العربي الاشتراكي، المنادي بإحياء القومية العربية وتوحيد الأمة العربية، وما إلى ذلك من بروباغندا أتقنها حافظ الأسد للتعمية على أعمال القمع والتنكيل والمذابح المتنقلة، التي كان يرتكبها بالتزامن مع إعادة هندسة المجتمع السوري بما يتلاءم مع تأبيده كحاكم أبدي لسوريا، إذ نجح بتوريث السلطة لابنه بشار في تموز 2000.

يعيد رياض الترك في اللقاء التلفزيوني الجديد إعادة سرد سيرته كإنسان معتقل، وكيف كان يقضي الوقت في زنزانته بعدِّ حبات “الزيوان” التي في الشوربة، وإعادة صفها على شكل رسوم وأشكال تستغرق منه وقتًا يتحدى فيه الظلمة والفراغ. ويتحدث عن عائلته وعن خبر الإفراج عنه وعلاقته مع بعض سجانيه الذين كانوا يتعاملون معه بإنسانية نسبية رغم ظروف الاعتقال القاسية، ويصف التعذيب التي تعرض له إبان حكم دولة الوحدة (1958- 1961) بزعامة جمال عبد الناصر بالوحشي، بينما اعتمد حافظ الأسد معه أسلوب الخنق دون تعذيب شديد، وهذا لا ينفي، كما يؤكد الترك، أن التعذيب الأسدي مع بقية المعتقلين كان وحشيًا.

تقارب جناح الترك مع “الإخوان المسلمون” في أحداث الثمانينيات من القرن الماضي ضد نظام الأسد الأب، وتحالف معهم في أثناء ثورة 2011، وأسهما مع الآخرين بتشكيل “المجلس الوطني” و”الائتلاف الوطني”، ولكن رياض الترك يلوم “الإخوان” لأنهم قدموا مصالحهم السياسية على المصالح الوطنية، وهو ما أدى إلى تأخير انتصار الثورة التي لا تزال تخوض حربها ضد النظام، ولا يزال يأمل بالنصر ضد نظام الأسد رغم كل وحشيته.

ظل رياض الترك الشخصية المهيمنة على الحزب حتى بعد تغيير اسمه، وظلت لقاءاته وأحاديثه هي الصوت الأهم الصادر عن حزبه، فقيادات الحزب الأيديولوجية ظلت تشكل طائفة حبيسة حبها لذاتها وعدم مرونتها، وفشلت باستقطاب الشباب، ولم تفلح في إيقاد نيران جديدة في نفوس منتسبيها لإغراء الآخرين بالدخول إليه، ووُجهت إلى رياض الترك انتقادات كثيرة نتيجة هذه الهيمنة، ولعل تمرد رزان زيتونة على أوامره من الأمور التي تناولها الآخرون بنقاشاتهم إلى حد التعسف، ولكن ما يسجل له عدم خروجه من سوريا حتى عام 2018، وهو الرجل الثمانيني المعرّض للاعتقال والتعذيب وربما للقتل.

طوال نصف قرن ظلت الأحزاب الشيوعية السورية بكل مسمياتها (بكداش، الترك…)، وحزب البعث، وحزب “الإخوان المسلمون” تتعامل مع بعضها عبر الأيديولوجيات وليس بالسياسة اليومية والحياتية الإيجابية، فانتصار الأفكار والرموز والقيادات كان أهم من الحياة اليومية ومن التنمية السياسية في تطوراتها، وقد استمرت طويلًا مماحكاتهم النظرية التي تحتكر القدسية، فالشيوعيون يفاخرون بانتمائهم لأيديولوجية اشتراكية كانت تعمّ العالم منذ عام 1917، والقوميون يوظفون أنفسهم كرسل للنهضة العربية والأمة (الخالدة)، و”الإخوان المسلمون” يرفعون السيف وشعار “الإسلام هو الحل” والويل لمن يبدي أي اعتراض على شعاراتهم.

ولعل انفصام هذه التيارات عن الحياة اليومية ورفضها المعايشة الحياتية للناس من أسباب عدم نموها ورفض الأجيال الجديدة لها، اللهم إلا حزب البعث الذي لا يزال يضم أعضاءه دون استئذانهم، وبناء على دراسات أمنية، وتتم ترقية المخلصين لعبادة الفرد من أجل بناء الديمقراطية المركزية التي يحلم بها القائد (الخالد).

ثارت نقاشات كثيرة حول اللقاء التلفزيوني مع رياض الترك، ضمن مطالبات للرجل الثمانيني بأن يكون “سوبرمان” ويأتي بالحلول للثورة السورية، أو عبر تحميله جزءًا من أسباب فشل الثورة السورية، وهيمنته غير المباشرة على توجهات حزبه شبه المشلولة.

ولكن رياض الترك كان يتحدث في اللقاء عن معاناته كإنسان، وعن زمن كانت فيه تصريحاته تهز نظام الأسد، ولعل جملة “مات الديكتاتور” كانت في حينها من أشهر الجمل التي هزت الطبقة السياسية الحاكمة في سوريا، وتم اعتبارها جرأة كبيرة وإهانة بحق القائد (الخالد) رغم أن الديكتاتور لم يمت بكل أسف، كما يستدرك رياض الترك في اللقاء، وأنه لا يزال يحكم من قبره!

إن وجود زعيم شيوعي سابق في قيادات الثورة، ووجود حزبه (حزب الشعب) ضمن فصائل الثورة يعتبر مفارقة بوجه من يتهم الثورة بأنها مجرد ثورة طائفية ودينية، فرغم أن التشكيلات الإسلامية العسكرية منها والسياسية مارست كل أنواع استبدادها وتوهماتها، واستحضرت كل فتاويها ومذاهبها وداعميها، واستحضر بعضها كل أنواع الإقصاء والتكفير والتعذيب ضد الآخرين من غير مناصريها، فإن الشيوعي الشهير رياض الترك لا يزال يتحدث باسم الثورة ويتمنى لها الانتصار.



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة