fbpx
× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

هل أصبحت سوريا دولة مؤسسات

ع ع ع

إبراهيم العلوش

رغم أن حافظ الأسد كان يمسك بخِناق الدولة والمجتمع، فإنه كان يصرّ دائمًا على أن سوريا هي دولة مؤسسات، وعندما زار الرئيس الأمريكي، بيل كلنتون، دمشق في عام 1997، قال الأسد ردًا على اتهامات الصحافة الغربية له بتغييب الحريات، بأن أمريكا لديها حزبان فقط، بينما في سوريا توجد عشرة أحزاب في “الجبهة الوطنية التقدمية”!

ما إن غاب حافظ الأسد وورثه ابنه حتى تغيرت السياسة العامة في البلاد، فمرحلة الحضانة للدولة الاستبدادية قد انتهت، ونضجت بنية الاستبداد وحان فطامها، وصارت الأجهزة والتنظيمات والمؤسسات الاستبدادية تعمل بشكل منفصل ومتناغم، وصارت تدير نفسها بنفسها بدلًا من أن تتلقى الأوامر التفصيلية من القيادة لكل تصرف ولكل مبادرة، وصار أعضاء مجلس الشعب ينتجون الشعارات الفضفاضة بمبادرات ذاتية متشبعة بنهج سياسات الأسد الأب والابن، فعضو مجلس الشعب خالد العلي الذي فاجأ النظام نفسه بصيحته الشهيرة “قليل عليك يا سيادة الرئيس حكم سوريا والوطن العربي.. ولازم تحكم العالم”، لم تلقنه المخابرات ما يقول، بل إن الرجل اجتهد وعمل بما ترغبه القيادة، وكذلك أجهزة المخابرات، تصرفت بعنفها التلقائي ضد المتظاهرين في بداية الثورة، فحسب “فان دام” صاحب كتاب “سوريا تدمير وطن” فإن بشار الأسد لم يكن هو المبادر بهذه التصرفات رغم رضاه عنها.

وهكذا تم إنتاج “الشبيحة” الذين ساقوا الدولة والمجتمع إلى الخراب والتحريض الطائفي، وكذلك تصرفت المخابرات بشكل آلي أدى إلى المذابح في المعتقلات كما تبين لجان حقوق الإنسان، وكما يبين أحد فيديوهات رامي مخلوف الذي يقرّ فيه بأنه كان يموّل عمليات هذه الأجهزة الوحشية التي تتنكر له اليوم وتطارد مديريه واستثماراته.

وقد توالدت مؤسسات فعّالة ومنظّمة استطاعت أن تقود الدولة إلى طريق الخراب رغم أنف القيادة، مستفيدة من نقمة قادة النظام على الشعب السوري، الذي بدا ناكرًا للجميل ولكل ما بناه حافظ الأسد من “جبهة وطنية تقدمية”، وجيش، ومخابرات، ومراكز بحوث علمية، ومنظمات شعبية، ونقابات، وتماثيل مُذهبة تزيّن مراكز المدن وتتوعّد حتى من يفكر بينه وبين نفسه بخيانة الوطن أو التجرؤ على رموزه!

لقد توالدت المؤسسات في الدولة السورية تحت شعار واحد هو “الأسد إلى الأبد”، أما بقية التفاصيل فتقوم هذه المؤسسات بدراستها وتخطيطها وتنفيذها مسترشدة بالروح التي زرعها حافظ الأسد فيها.

وقد أبدعت مؤسسة الجيش بابتكار البراميل المتفجرة وبتدمير المدن، وأبدعت مراكز البحوث العلمية بإنتاج ذخائر الغازات الكيماوية، وأبدعت المنظمات الشعبية بتنظيم “التشبيح”، وأبدعت “الجبهة الوطنية التقدمية” بالعزف على طبلة المؤامرة، وأبدعت أجهزة الإعلام بتخريج مذيعات ومذيعين قادرين على تخريب العالم وبث الفتنة فيه وليس فقط تخريب سوريا وحدها!

وتوسع توالد المؤسسات ليضم إليه المؤسسات الإيرانية وعلى رأسها “حزب الله” والميليشيات الإيرانية والعراقية والأفغانية و”الدفاع الوطني” ومؤسسات التبشير الطائفي، التي تنتشر في كل المدن السورية وهي تقابل الأيتام والأرامل بيد تحمل حقيبة المساعدات، وبأخرى تمد استمارات الانتماء والولاء للدولة الإيرانية ولتابعيها في سوريا.

وأنشأت روسيا أيضا مؤسساتها في الجيش وفي الميليشيات الموالية والمعارضة، وأنتجت “قوات النمر” و”منصة موسكو”، والميليشيات الشيشانية، وغيرها من أنواع المؤسسات التي تبشّر السوريين بالمزيد من الخراب في حال تعرض المصالح الروسية للخطر.

وفي مقابل ذلك الانقسام الانفجاري لنظام الأسد ومؤسساته، توالدت مؤسسات وتنظيمات إسلامية تناسلت من السلفية الجهادية، مثل “داعش” و”النصرة” و”الجيش التركستاني”، وغيرها من أنواع المستثمرين في استغلال الدين وفي تبخيس حقوق الشعب السوري ومطالب ثورته بالحرية والكرامة.

وساندت حركة “الإخوان المسلمون” المدعومة من تركيا هذه المؤسسات الدينية، وتوالدت على أيديها ميليشيات وتنظيمات تعتمد مبدأ بناء “يوتوبيا” الخلافة الإسلامية (العثمانية) على الأرض السورية، كـ”حركة أحرار الشام” ومنابرها الصحفية المتعددة العناوين ومجمّع فقهائها، وهي تتعايش مع السلفية الجهادية في جوار الحدود التركية، وأنتجت هذه المؤسسات دولة جديدة هي “حكومة الإنقاذ”، وسيّرت في إدلب دوريات (الفلاح) “الداعشية” التي تحلم بالهيمنة المطلقة على السوريين وعلى أفكارهم بحجة نشر الإسلام بصيغته الطائفيّة السنيّة والحفاظ عليه، وكذلك بحجة محاربة تنظيمات الـ”بي كي كي” بالتعاون مع تركيا، والتصدي لمؤسسات أوجلان التي ترفع شعارات مختلطة بين القومية والاشتراكية ودعم المرأة وتدمير تركيا!

لم تعد الدولة الأسدية هي نفسها دولة حافظ الأسد ذات الرأي الواحد، والرجل الواحد، ولم تعد هي نفسها دولة بشار الأسد التي ابتدأت بمرحلتها الوردية عبر شراكته مع آل مخلوف في تقاسم الدولة السورية ومواردها، بل أصبحت سوريا اليوم أشبه بـ”البزل” الذي يجمع كل أطياف الألوان وخاصة تدرجات اللون الأسود، ولم يعد هناك فرق بين “داعش” و”جمعية البستان”، ولا بين “قوات سوريا الديمقراطية” و”أحرار الشام”، ولا بين “قوات النمر” و”هيئة تحرير الشام”.

لقد تشظت دولة الاستبداد إلى أرخبيل من جزر تشكلها المؤسسات والتنظيمات والدويلات التي تضع العداء للسوريين في رأس أهدافها، فهي جميعها مستعدة للتعايش مع بعضها رغم كل تناقضاتها، ولكنها غير قادرة وبأي شكل، على القبول بثورة الحرية والكرامة، ولا هي قادرة على قبول الدخول في دولة المواطنة التي يحلم بها السوريون!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة