fbpx
× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

رياح العدالة القادمة من ألمانيا..

قراءة في دلالات محاكمة ضابطين مسؤولين عن جرائم بحق الإنسانية

ع ع ع

أكرم بطحيش

يعود مفهوم العدالة من جديد ليفرض نفسه بعد أن نسيه السوريون طوال السنوات التسع الماضية، التي شهدت بحقهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، نُفذت على مرأى ومسمع العالم. رياح العدالة أتت من ألمانيا التي شهدت مؤخرًا أولى جلسات محاكمة ضابطين سابقين في مخابرات النظام السوري، وهما إياد الغريب وأنور رسلان رئيس قسم التحقيق في “الفرع 251”، أو فرع أمن “الخطيب” في دمشق، الذي وجه إليه الادعاء الألماني تهمًا بتعذيب نحو أربعة آلاف شخص، قُتل منهم 58، إضافة إلى حالتي عنف جنسي واغتصاب في الفترة الممتدة بين نيسان/ أبريل 2011 وأيلول/ سبتمبر 2012، وذلك وفق ما تم توثيقه فقط، إذ يُعتقد أن الأرقام غير الموثقة أكثر من ذلك.

لا يمكن لهذه المحاكمة أن تكون حدثًا عابرًا، فهي تحمل في طياتها العديد من الدلالات التي وجب تسليط الضوء عليها.

بداية، هذه القضية هي أول محاكمة دولية علنية لمسؤولين في النظام السوري، وتعود أهميتها باعتبارها خطوة بارزة نحو تحقيق العدالة الانتقالية، التي لم تبدأ بعد، لأحد أكثر الحروب تعقيدًا وتأثيرًا وإجرامًا في العصر الحديث. تلك العدالة التي لا يزال طالبوها من الضحايا وذويهم يتشبثون بها، ليس انتقامًا وإنما محاسبة لمجرمين لم يوفروا أي جهد في انتهاك حقوق المدنيين والإجرام بهم بشكل ممنهج.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مفهوم العدالة الانتقالية ليس مقتصرًا على الترتيبات القانونية وحسب رغم أهميتها، وإنما يشمل حزمة من الترتيبات الاجتماعية والنفسية والمالية وتحديد الظلم الواقع كممارسة، وليس كأفراد أو جماعات محددة. فهو يهدف إلى تهدئة النفوس وامتصاص الغضب الناجم عن الظلم، الذي لو سُمح التعبير عنه فقد يسبب أضرارًا بالغة وتعميقًا للجروح والشرخ المجتمعي. ففي النموذج الرواندي مثلًا، قُدّم أكثر من 800 ألف شخص متهم للمحاكمة في تنفيذ الإبادة الجماعية عام 1994، التي شملت عمليات قتل واغتصاب وتعذيب وتمثيل بالجثث، إضافة للقادة المشرفين والمخططين للإبادة من جميع الأطراف.

ما تحتاجه الحالة السورية بعد سنوات الحرب الطاحنة هو التأكيد على أن تكون عدالة انتقالية لا انتقامية، عدالة بحق كل من تلطخت يداه في دم الشعب السوري بغض النظر عن عرقه أو طائفته أو موقفه السياسي وهو ليس طريقًا سهل المنال، إنما يحتاج لوعي نخبوي ومجتمعي بإدراك أهمية هذه المرحلة لإعادة بناء وترميم العلاقات بين مكونات المجتمع السوري.

وما يميز هذه المحاكمة، أنها عمل سوري خالص، فهي نتاج جهد استثنائي تقوم به ثلة من السوريين الحقوقيين المتمرسين والشباب، إلى جانب الحقوقي أنور البني الذي أمضى خمس سنوات من الاعتقال في سجون النظام السوري، قبل أن يغادر إلى ألمانيا في عام 2014.

وفي هذا السياق، أود أن أسلط الضوء على فئة الشباب والشابات تحديدًا ضمن الفريق القانوني، فقد خضع هؤلاء خلال السنوات الماضية، لتدريبات على يد خبراء ومحاميين أوروبيين مختصين في القانون الدولي، وكان لهم دور بارز في عمليات التوثيق وتدوين شهادات الضحايا.

هذا الجيل السوري الجديد الذي تعلّم في أرقى الجامعات الأوروبية، وأدرك معاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ستكون له بصمة فارقة في مستقبل سوريا، واليوم بتنا نرى ملامح هذا الجيل عبر تفاعله وترويجه لقضاياه الإنسانية بلغة عصرية تحاكي المجتمعات في دول اللجوء، كأمثال الشاب عمر الشغري (24 عامًا) المتحدث والناشط في مجال حقوق الإنسان والمدافع عن حقوق المعتقلين السوريين، وهو الذي أمضى ثلاث سنوات في سجن صيدنايا سيئ الصيت.

ومما لا شك فيه، أن لهذه المحاكمة والجهود القانونية أثرًا سياسيًا ودبلوماسيًا بالغًا على سياسة النظام الخارجية الحالية، التي تروّج لانتهاء الحرب وعودة السلام إلى سوريا، وبداية عهد جديد يتمثل بنهاية العزلة الدولية للنظام السوري كما حدث في عام 2007. هذه المحاكمة وغيرها من المشاريع القانونية، تجهض جهود النظام وتفضح ممارسات العديد من أزلامه المسؤولين عن الجرائم بحق المدنيين السوريين في الأوساط الاجتماعية والدولية الغربية، التي يسعى النظام لإعادة تطبيع العلاقات معها والقبول به بحكم الأمر الواقع.

أثبتت المحاكمة أنه من الصعب لأي مجرم أن يستطيع العيش بهناء في أي مكان كان عبر تغيير موقفه السياسي فقط أو الانسحاب من أقبية التعذيب، وأن الطريق نحو العدالة الانتقالية بدأ للتو في حالة فريدة وخاصة بالوضع السوري، بعيدًا عن مسرح الجريمة وسوط الجلاد، أعزل أمام أعين ضحاياه وذويهم.

هذا الحدث هو دعوة صريحة للسوريين كافة حول أهمية توثيق الجرائم وتقديم الشهادات والتعاون مع المؤسسات الحقوقية ودعمها في تقديم المزيد من المجرمين للمحاكم الدولية، مع التأكيد على أن السوريين وحدهم هم القادرون على بناء وطنهم من جدي بخبراتهم العلمية وشبابهم المثقف، لتجاوز آلامهم نحو دولة ديمقراطية تحمي حقوق الجميع، لا مكان فيها لأي شكل من أشكال الإرهاب، دولة كان أم أفرادًا.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة