ع ع ع

صالح ملص | زينب مصري | خولة حفظي

أبعدت كلمة “قيصر” اسم فيروس “كورونا” من أعلى قائمة اهتمامات السوريين، مع بداية حزيران الحالي، على اعتباره الحدث الأهم والأكثر تأثيرًا في حياتهم، والذي لامسها بشكل مباشر في صلب معيشتهم.

القانون الذي وقّعه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في أواخر عام 2019، تُنسب إليه تهمة تخفيض قيمة الليرة السورية إلى أدنى مستويات شهدتها في تاريخها، بحسب ما تروّج له السياسة الأمريكية ووسائل إعلام، ووفق ما يُتداول في الأحاديث اليومية داخل دكاكين الخضار السورية والمقاهي والجلسات العائلية.

بينما يطفو “قيصر” قبيل تطبيقه على بحر من الأزمات المتراكمة، وعلى جملة من العوامل التي تجعل الاقتصاد السوري هشًا وغير قادر على الوقوف في وجه الإغلاق المتوقع مع دخول القانون حيّز التنفيذ، بُعيد منتصف حزيران الحالي.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف أثر قانون “قيصر” على الاقتصاد السوري وعلى النظام السوري، بالإضافة إلى مجموعة الأزمات التي تطوقهما بالفعل، وتحاول مناقشة فرص التحايل عليه ومدى إمكانية تحقيق القانون أهدافه المتوقعة.

قيصر يشهد أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي – 2014 (رويترز)

قيصر يشهد أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي – 2014 (رويترز)

“الاختناق الاقتصادي”

سوء إدارة النظام المالية يحصده السوريون في ظل “قيصر”

يسلّط توسع مساحة العقوبات الأمريكية بموجب قانون “قيصر” الضوء على الجذر الرئيس لانتكاسة الاقتصاد السوري في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، فعلى الرغم من عدم تطبيقه بعد، تراجعت الليرة السورية بشكل غير مسبوق، وتجاوزت ثلاثة آلاف ليرة أمام الدولار الواحد في الأسبوع الأول من حزيران الحالي، الشهر الذي سيشهد بدء تطبيق القانون.

ذلك التراجع، وما رافقه من تأثير مباشر على الأسواق، أي على معيشة المواطنين، فتح الباب أما تساؤلات عن مضمون القانون، وماذا يعني قرب تطبيقه، وعن سبب “الصدمة” الاقتصادية السابقة عليه.

عنب بلدي ناقشت تلك التساؤلات مع خبراء ومحللين، وتوصلت إلى مجموعة من الأسباب التي أثرت في تدهور الاقتصاد إلى جانب “قيصر”، وشكلت عوامل رئيسة، يضاف إليها القانون الذي ما زال حتى الآن غير محدد على وجه الدقة بالنسبة للسوريين.

سياسات النظام المالية

بحسب الباحث الاقتصادي السوري أدهم قضيماتي، “لا توجد سياسة مالية أو خطط نقدية تنقذ الاقتصاد السوري في حال وقوع أي أزمة في البلاد، إنما هي سياسة عصابات تدير البلاد وفق مصالحها”.

وهذه السياسة في ظل قرب تطبيق “قيصر” يُمكن أن تؤدي بمؤسسات النظام المالية إلى حالة من “الاختناق الاقتصادي” وفق قضيماتي، بسبب عدم توفر إمدادات الدعم التي كانت تصل من الخارج من قبل حلفاء النظام، ما يعني “تجفيف الموارد المتنوعة” التي يُمد النظام بها، وبالتالي ارتفاع نسبة التضخم بشكل أكبر في البلاد، وهذا ما يُفسر “الارتفاع الجنوني” بأسعار السلع الغذائية في البلاد.

وسياسة العقوبات على سوريا هي سياسة قديمة أخذت أشكالًا متعددة منذ بداية الثورة السورية في 2011، وفق ما قاله الباحث السياسي في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” معن طلاع، لعنب بلدي، وما “قيصر” إلا عقوبات اقتصادية يبرز أثرها على حركة النظام الاقتصادية أكثر من كونها متعلقة بالشعب السوري ومعيشته اليومية.

ويُرجع طلاع انتكاسة الاقتصاد السوري إلى سوء إدارة القطاعات المالية والاقتصادية لدى النظام، واصفًا ذلك السوء بـ“المزمن والممنهج” الذي يهدف إلى “تقنين سرقة المال العام” في بعض الأوقات من خلال غياب أدوات المراقبة والمحاسبة على مصروفات القصر الجمهوري في دمشق والمؤسسات العسكرية والأمنية الخاضعة للنظام.

إجراءات “لا تُسمن ولا تُغني”

قامت حكومة النظام السوري بإجراءات ورقابة مشددة على شركات الصرافة والحوالات الخارجية، التي كان أعلن عنها مصرف سوريا المركزي في بداية حزيران الحالي.

وفي محاولة لإيجاد حلول لضمان عدم تدهور الاقتصاد أكثر، أعلن رئيس النظام، بشار الأسد، إقالة رئيس مجلس الوزراء، عماد خميس، وتكليف محافظ دير الزور والقنيطرة سابقًا، ووزير الموارد المائية، حسين عرنوس، بمهامه حتى تموز المقبل موعد انتخابات “مجلس الشعب” التي أُجّلت مرتين.

وتأتي الإقالة في ظل أزمة اقتصادية تعصف بحكومة النظام السوري، جراء تدهور سعر صرف الليرة ووصولها إلى مستويات قياسية حتى ثلاثة آلاف ليرة سورية، خلال الأسبوع الماضي.

وفي ظل الأزمة الحالية، تصاعدت الأصوات المنادية بحل الحكومة، إذ طالبها أعضاء مجلس الشعب، الأحد الماضي، بتحمل مسؤولياتها بحماية المواطن ولقمة عيشه.

وقال مدير العمليات المصرفية في مصرف سوريا المركزي، فؤاد علي، في 10 من حزيران الحالي، إنه “ضرب معاقل السوق السوداء”، من أجل التصدي للمضاربين على الليرة، وتحسين قيمتها أمام الدولار.

ولا يمكن إيقاف تدهور الليرة السورية بهذه الإجراءات التي تتخذها حكومة النظام، بحسب قضيماتي، الذي وصفها بالإجراءات التي “لا تُسمن ولا تُغني من جوع”، طالما استمر النظام باستغلال كل مشروع لتنمية البلاد من أجل مصالح نفوذه.

مراسيم تقتل النشاط الاقتصادي

أصدر رئيس النظام مرسومًا تشريعيًا كان سببًا رئيسًا بتراجع قيمة الليرة السورية، بحسب المحلل الاقتصادي أسامة القاضي، هو المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2020، الصادر في كانون الثاني الماضي، والذي يقضي بـ”تشديد العقوبة” على كل من يتعامل بغير الليرة السورية، كوسيلة للمدفوعات، أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري أو التسديدات النقدية، سواء كان ذلك بالقطع الأجنبي أم بالمعادن الثمينة.

ويرى القاضي أن هذا المرسوم جمّد النشاطات الاقتصادية الضعيفة، وأدى إلى تراكم خمسة أشهر من النشاط الاقتصادي، إذ “حَسب النظام السوري أن أفضل طريقة لمعالجة المرض هو قتل المريض”، وفق تعبير القاضي.

وعلى الرغم من عدم تطبيق قانون “قيصر” حتى الآن، “وانتفاء علاقته بالتدهور الحالي”، يعتقد القاضي أن القانون هيأ السوريين نفسيًا لهذا التدهور.

مجموعة من الشباب يبحثون عن عمل في ساحة عرنوس بدمشق- 19 من شباط 2019 (عدسة شاب دمشقي)

 

أسهمت بتراجع الليرة..

مسامير أخرى في نعش الاقتصاد السوري

إلى جانب “سوء إدارة” حكومة النظام في مؤسسات الدولة المالية، الذي برز مع اقتراب تطبيق “قيصر”، يحمل الواقع عوامل أخرى مستجدة تسهم في إضعاف الليرة السورية أكثر.

و”هناك عدة أمور محلية وإقليمية ودولية أدت إلى انهيار الليرة السورية”، بحسب الباحث الاقتصادي السوري ومحرر الشؤون الاقتصادية في عدة صحف عربية أدهم قضيماتي.

صراع مخلوف مع الحكومة

يرى قضيماتي أن الليرة السورية تتعرض في الفترة الحالية إلى ضغوطات اقتصادية محلية، منذ بداية أزمة تسجيلات رامي مخلوف، التي تعكس الصراع بين رجل الأعمال وابن خال رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وبين حكومة النظام، من أجل دفعه للتنازل عن أملاكه في شركة “سيريتل” للحكومة.

وبالنظر إلى سعر صرف الدولار قبل وبعد تسجيلات مخلوف، يظهر أثر هذه الخلافات على الليرة، إذ كان سعر الصرف قبل 30 من نيسان الماضي 1250 ليرة للدولار الواحد، في حين بلغ في 19 من أيار، 1820 ليرة سورية، بحسب موقع “الليرة اليوم” المتخصص بأسعار العملات.

جفاف منابع الدعم الاقتصادي إقليميًا

تنعكس عوامل إقليمية على انخفاض قيمة الليرة السورية، منها ربط المصرف المركزي السوري بالمصرف المركزي الإيراني المنهار أساسًا، بحسب قضيماتي، وذلك من خلال اتفاقيات تمت بين الطرفين.

وسوء الوضع الاقتصادي في إيران الذي يرجع إلى العقوبات المتخذة من قبل الولايات المتحدة عليها، وتعثر الاقتصاد الروسي وهبوط العملة الروسية، تلك الأحداث أدت إلى تجفيف الدعم الكبير للنظام السوري من قبل روسيا وإيران، بحسب قضيماتي.

توقعات المستثمرين

انخفضت قيمة الليرة السورية بشكل أوتوماتيكي قُبيل تطبيق قانون “قيصر” بسبب إحجام المستثمرين في منطقة الشرق الأوسط عن التعامل بها، “فهم يعرفون أنه في تاريخ محدد ستُفرض عقوبات على النظام، ومن الممكن أن تتسبب في إفلاس الدولة، الأمر الذي يمنعهم من إدانة النظام أو شراء سنداته”، بحسب ما أكده الباحث الاقتصادي السوري وعضو “نقابة الاقتصاديين الأحرار” محمد موسى.

انهيار بوابة النظام للعالم.. مصارف لبنان

كان لبنان بمثابة بوابة سوريا الاقتصادية إلى العالم الخارجي منذ أواسط الخمسينيات من القرن العشرين على الأقل، وقد أدت العقوبات الغربية على النظام السوري إلى تدعيم هذا الدور اللبناني.

وما إن بدأت المصارف اللبنانية في تقييد بيع الدولار، في آب 2019، بالتزامن مع منع المودعين من سحب مدخراتهم بالعملة الأجنبية، قفز سعر الدولار الأمريكي في سوق العملة الصعبة اللبنانية، والأمر نفسه حدث في السوق السورية.

تداعيات “كورونا” على الليرة السورية

بدأت حكومة النظام السوري بتخفيف الإجراءات الوقائية لمواجهة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) عبر إعادة افتتاح المهن التجارية والخدمية والمحلات كافة، وفق برنامج يوزع أيام الأسبوع بين هذه المهن، وذلك بعدما أنهكت تلك الإجراءات الاقتصاد.

وهو ما عبّر عنه رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية وعضو مجلس الشعب، فارس الشهابي، في منشور له عبر “فيس بوك”، في نيسان الماضي، معتبرًا أن “فتح الأسواق وتخفيف إجراءات الحظر أتت لإنقاذ الاقتصاد”.

وعلى الرغم من عدم وجود أرقام رسمية دقيقة توضح تداعيات “كورونا” على الاقتصاد السوري، يعدّ تخفيف حكومة النظام الإجراءات دلالة واضحة على الخسارات التي ضربت مختلف القطاعات الاقتصادية، وأثّرت بشكل مباشر على المواطنين وخاصة أصحاب الأعمال الحرة.

ما هو قانون “قيصر”؟

قانون وقّعه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، في كانون الأول 2019، بعد أن كان مشروعًا أقره مجلس النواب الأمريكي، في 15 من تشرين الثاني 2016.

وينص القانون، الذي يبدأ تطبيقه في 17 من حزيران الحالي، على معاقبة كل من يقدم الدعم للنظام السوري، ويلزم رئيس الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الدول الحليفة للأسد.

وتعود تسميته باسم “قانون قيصر” إلى الضابط السوري المنشق عن النظام، الذي سرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل عام 2014، قُتلوا تحت التعذيب، أكد مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI)  صحتها وأثارت الرأي العام العالمي حينها، وعُرضت في مجلس الشيوخ الأمريكي.

ويتعيّن على الرئيس الأمريكي، بعد 30 يومًا من سريان مفعول القانون، إدراج مواطني الدول الأجنبية الذين يقدمون دعمًا لنظام الأسد وحلفائه الناشطين عسكريًا في قائمة العقوبات، ويشمل ذلك الدعم كل الأنواع المالية أو المادية أو التقنية.

إضافة إلى تقديم الخدمات التقنية أو المعلومات المساعدة على صيانة أو توسيع الإنتاج المحلي لحكومة سوريا في قطاع الغاز والنفط، أو في قطاع الطيران العسكري، وفي قطاع البناء والهندسة بشكل مباشر أو غير مباشر.

وتشمل العقوبات حجز الملكية ومنع الحصول على التأشيرات أو الحصول على أي منافع من دوائر الهجرة، مع سحب التأشيرات الجارية بشكل مباشر، وفرض غرامات.

كما يتضمن قائمة بأسماء مسؤولين في النظام السوري، بمن في ذلك بشار الأسد وزوجته، ومسؤولون في الأمن السياسي وقادة عسكريون في سلاح الجو والاستخبارات العسكرية، بالإضافة إلى دراسة شمل المصرف المركزي السوري بالعقوبات أم لا.

وبحسب الموقع الرسمي للكونغرس، فإن القانون بعد إقراره سيكلف وزارة الخزانة الأمريكية بدراسة نشاطات البنك المركزي السوري، لتحديد إن كان يجب اتخاذ إجراءات خاصة بحقه أم لا.

ويضم القانون بنودًا لدعم الشعب السوري، من دعم أنشطة المنظمات المجتمعية المرخصة، وتسهيل تقديم المساعدات الإنسانية.

ويمكن أن يوقف الرئيس فرض العقوبات في حال توقفت حكومة النظام السوري وحلفاؤها عن استخدام المجال الجوي السوري لاستهداف المدنيين بالبراميل المتفجرة أو الأسلحة الكيماوية والصواريخ، وتوقفت عن محاصرة المجتمعات في سوريا، وسمحت بدخول المساعدات الإنسانية والرعاية الطبية إلى جميع المناطق السورية.

بالإضافة إلى الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين المحتجزين قسريًا في سجون النظام، مع السماح الكامل للمحققين من منظمات حقوق الإنسان العالمية بالدخول إلى تلك السجون، والتوقف عن استهداف المنشآت الطبية والمدارس والأماكن السكنية وأماكن التجمعات المدنية.

معرض صور لمعتقلين قتلوا تحت التعذيب صورها الضابط “قيصر” (رويترز)

“قيصر”..

فعل اقتصادي يرتجي غايات سياسية

تتقاطع الغاية من قانون “قيصر” بشكل مباشر مع متطلبات الناشطين السوريين الذين عملوا على إقرار القانون في الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب ما قاله الباحث السياسي في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” معن طلاع، في حديث مع عنب بلدي، إذ وصف القانون بأنه “طريقة لعقاب” النظام جراء ارتكابه جرائم ضد الإنسانية.

وهذه التقاطعات المباشرة تحقق عدة أهداف لواشنطن، قسمها طلاع إلى عدة مستويات، الأول هو التفكير الاستراتيجي لإدارة الولايات المتحدة الأمريكية ملفاتها في الشرق الأوسط، إذ تبين أن نهج العقوبات الاقتصادية يخفف من تكلفة التدخل الأمريكي بالمعنى المادي والبشري في المنطقة، ويعزز مبدأ “الإدارة من خلف الأحداث”، مع إعلاء الشروط الأمريكية في أي سياسة ناشئة في المنطقة، وبالتالي هناك وجهة نظر سياسية في واشنطن تدعم منهج العقوبات الاقتصادية لتقويم سلوك الأنظمة وتعزيز شروط التفاوض.

ويتعلق المستوى الثاني من الأهداف بإكمال الحصار على إيران في سوريا، وفق طلاع، وبالتالي هي سلسلة من الإجراءات التي تسعى إلى “خنق مشاريع إيران الإقليمية في سوريا”، “لذلك نرى أن حكومة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، رفضت مناقشة القانون كونه سيعطل المفاوضات القائمة في ذلك الوقت مع طهران، وستخسر حكومة أوباما الاتفاق النووي”.

ويتمثل المستوى الثالث من أهداف قانون “قيصر” بشقين، وفق ما شرحه طلاع، الشق الأول هو تكوين مجموعة من العوامل الضاغطة على النظام ودفعه نحو المسار السياسي المتمثل بمؤتمر “جنيف” والتفاعل الإيجابي مع القرار رقم 2254، وبالتالي تشكل عقوبات “قيصر” بهذا المعنى، مسارًا تفاوضيًا جديدًا من قبل أمريكا للتعاطي مع النظام السوري.

ويتمحور الشق الثاني حول سوريا وإشكالية إعادة ترميم النظام في الوسط المحلي والإقليمي والدولي، إذ يتزامن تطبيق بنود “قيصر” مع تحديات “ما بعد الحرب”، وأبرزها إعادة إعمار سوريا، وفق طلاع، وبالتالي يعتبر “قيصر” فعلًا اقتصاديًا يرتجي غايات سياسية.

ويعتقد طلاع أن عقوبات “قيصر” تبرز ضلوع روسيا سياسيًا مع النظام السوري، كون اعتبار “قيصر رسالة أمريكية إلى روسيا مفادها أنه طالما النظام لم ينخرط في أي حل سياسي ترسمه واشنطن فأمامه تحديات ليست سهلة على النظام أو روسيا”، لذلك فإن “قيصر” أداة ضاغطة على الوجود الروسي في دمشق، و”بدأت روسيا المناقشة مع الأمريكيين للتخفيف من تلك الضغوط”.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أجرتا مباحثات حول “التسوية السياسية” في سوريا، قبل أسبوع من بدء تطبيق قانون “قيصر”.

وبحسب بيان للخارجية الأمريكية، في 11 من حزيران الحالي، أجرى المبعوث الأمريكي الخاص بالملف السوري، جيمس جيفري، مع نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي فيرشينين، مباحثات حول “تسوية سياسية” في سوريا.

وأوضحت الخارجية أن “جيفري ناقش مع فيرشينين العملية السياسية لتسوية الصراع السوري، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الذي يحقق سيادة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها”.

ولا يمكن ربط انهيار الأنظمة بالعقوبات الاقتصادية، كما يعتقد طلاع، إنما هو متعلق بالضغط على تلك الأنظمة ودفعها إلى حلول سياسية تشرف عليها واشنطن، ووفق هذا المبدأ، فإن “قيصر” إشارة إلى بدء سلسلة تفاوضات تتناسب مع سياسة أمريكا وليس انهيار الاقتصاد في سوريا، وفق طلاع.

قيصر يشهد أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي – 2014 (رويترز)

لا حلول مؤقتة

الالتزام بـ”قيصر” ملجأ الاقتصاد من التدهور

في حال عاش الشعب السوري انهيار اقتصاده بشكل كامل، فهذا يرجع إلى عوامل ذاتية من داخل النظام السوري، من خلال إعادة شبكاته الأمنية والاقتصادية للتحكم والسيطرة على الدولة والفرد السوري، برأي الباحث السياسي معن طلاع.

وهناك افتراضات ثابتة قد تساعد على عدم نجاح عقوبات “قيصر” بتغيير السلوك السياسي للنظام، وتحويل هذه العقوبات إلى نموذج إيراني، وهي بحسب طلاع، تطويع كل مؤسسات الدولة السورية وامتصاص طاقاتها لخدمة بقاء النظام منذ 2011 حتى الآن، لذلك وبحسب طلاع، فإن “قيصر” ليس السبب وراء انتكاسة الاقتصاد السوري، لكن يعتبر إضافة على أزمات موجوده سابقًا.

ولتدارك الوضع الاقتصادي المتأزم، يجب على النظام السوري إيجاد منظومة اقتصادية بديلة سريعة، وإلغاء المرسوم رقم 3، بحسب المحلل الاقتصادي أسامة القاضي.

وقال القاضي إن “هذا لن يوقف انهيارات قادمة أخف أو أثقل”، بسبب هشاشة الاقتصاد السوري، الذي يعمل بربع طاقته الإنتاجية، فكلما طالت الأزمة أكثر، وتأخر الحل السياسي، ضاقت الأمور الاقتصادية أكثر فأكثر، وانعكس ذلك على معاناة المواطن السوري.

ويرى القاضي أن الحل “الناجع الوحيد” أمام النظام هو الالتزام ببنود قانون “قيصر”، لكن النظام “بتعنته سيعيش حالة الإنكار”، وسيضع رئيس الوزراء ووزير المالية وحاكم مصرف سوريا المركزي “أكباش فداء لفشله السياسي والإداري”، الأمر الذي طُبق على أرض الواقع، بعزل عماد خميس.

ويتفق الباحث الاقتصادي محمد موسى مع القاضي، وهو يرى أن الحل الوحيد أمام النظام هو إعادة الثقة إلى الليرة السورية، من خلال عملية طويلة، تحتاج إلى سنوات لتُطبق، وتكون بإنهاء الحرب، وإعادة بناء علاقات دولية جديدة مع العالم في ظل حكومة تُشكّل وفق بنود “قيصر”، والانتهاء من العقوبات، وفتح المعابر التجارية، وإيجاد سياسات اقتصادية جديدة مرنة تتناسب مع الوضع الاقتصادي الجديد الذي خلفته الحرب، ووجود بنك مركزي قادر على التدخل بأي وقت للحفاظ على الليرة، ودعم التجار والتصدير والاستيراد لاستمرار التجارة، وإخراج المعتقلين وإعادة اللاجئين والمهجرين.

دعم “تخديري”

تترنح الليرة السورية بين تراجع قيمتها وتحسنها، متأثرة بالإجراءات المشددة والقبضة الأمنية للنظام السوري والتضييق على “السوق السوداء”، بالإضافة إلى مبادرات فردية وإعلامية من تجار سوريين لتحويل مبالغ “ضخمة” من الأموال إلى داخل سوريا، دون أن يصدر أي تصريح من قبل حكومة النظام السوري حول تلك المبادرات.

ويشير الباحث محمد موسى إلى أن أي دعم يُقدم للنظام لوقف انخفاض قيمة الليرة السورية من الدول الحليفة له سيكون تأثيره “مؤقتًا وتخديريًا”، يُعيد إلى الليرة السورية عافيتها لمدة أسبوع كحد أقصى، ومن ثم تعود قيمة الليرة إلى الانخفاض، بحسب ما توقعه موسى.

الأمر الذي أكده المحلل الاقتصادي أسامة القاضي، إذ يرى أن حلفاء النظام لم يعد بمقدورهم مساعدة النظام، وخرجت المسائل عن طاقتهم، وذلك بسبب خساراتهم المقدرة بـ124 مليار دولار لروسيا، و24 مليار دولار لإيران، فضلًا عن أوضاعهم الداخلية المتأزمة.

منابع الدولار جافة

أشار موسى إلى أن تطبيق قانون “قيصر” يعني حصارًا بشكل كامل على سوريا، مانعًا الاستيراد والتصدير والحوالات البنكية، ما يؤدي إلى عدم تمكن النظام من بيع سندات الخزينة مجددًا، وعدم قدرة أحد من الدول الحليفة على إدانته أو إدانة البنك المركزي في سوريا.

كما أن توقف الدعم الإيراني للنظام من المشتقات النفطية والقطع الأجنبي، بسبب العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، دفع النظام إلى استهلاك ما يمتلك من عملة صعبة لشراء القمح والنفط من روسيا، التي لم تعد تدين النظام وإنما تبيعه بشكل نقدي حصرًا.

وقال موسى إن لبنان بات أيضًا غير قادر على تغذية النظام بالقطع الأجنبي، بسبب أزمة المصارف اللبنانية، (الضالعة بغسيل أموال النظام)، القائمة حاليًا.

وعن مصادر تأمين القطع الأجنبي التي يلجأ إليها النظام، أضاف موسى أن المناطق الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية تعد “مصدرًا أساسيًا” للتمويل، إذ يجري تصدير الليرة السورية إلى مناطق الشمال السوري، ويشتري النظام السوري الدولار الأمريكي الذي يُؤمّن من تركيا من “تجار كبار”، من خلال حركة التجارة القائمة عبر المعابر الحدودية بين تركيا ومناطق الشمال السوري.

ويعتقد موسى أن تثبيت شركات الصرافة والحوالات والتجار تعاملاتهم في مدن الشمال السوري بالليرة التركية أو الدولار والابتعاد عن التعامل بالليرة السورية “سيوجه الضربة القاضية للنظام”، بحسب تعبيره.

صور تعبيرية لعملة سورية من فئة ألفين و دولار أمريكي في مدينة إدلب - 2 حزيران 2020 (عنب بلدي/ يوسف غريبي)

صور تعبيرية لعملة سورية من فئة ألفين و دولار أمريكي في مدينة إدلب – 2 حزيران 2020 (عنب بلدي/ يوسف غريبي)

“فقراء ومعدومون”.. ما الحل؟

ينعكس الانخفاض في قيمة الليرة السورية بشكل مباشر على أسعار المنتجات والخدمات، التي ترتفع لتُخفض معها القدرة الشرائية لدى المواطنين، الذين باتوا في مواجهة مع قائمة أسعار، كلما زاد سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة، ضمت سلعًا وخدمات جديدة باتت بعيدة عن متناول أيديهم.

وصنف القاضي المواطنين في سوريا في طبقتين “طبقة الفقراء وطبقة المعدومين”، فلم يعد هناك أي طبقة أخرى بعد هذه “الانهيارات” المتتالية لقيمة الليرة، بحسب رأيه.

فدخل الفرد الذي كان يُقدّر بـ300 دولار عام 2011، “وهو دخل قليل”، بات اليوم يُقدر بـ30 دولارًا، “متجاوزًا خط الفقر المدقع بأشواط” وفق القاضي.

ولفت القاضي إلى أنه في حال انهيار عملة دولة ما وعدم استقرارها، تلجأ الدولة إلى عملة مستقرة أخرى، بحيث تضع عملتين وسعرين للتعامل، الأول مقدّر بالعملة الوطنية، والثاني بعملة دولة أخرى مستقرة.

ولكن لا حلول أمام المواطنين السوريين المقيمين في مناطق سيطرة النظام، وفقًا للقاضي، لأنهم وبسبب وجود المرسوم رقم 3، لا يستطيعون التعامل إلا بالليرة السورية، والأسعار مرتفعة وهم عرضة لمواجهة تقلبات الليرة السورية بشكل كبير.

تسعير بعملتين

أما المواطنون المقيمون في المناطق الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية، فالحل أمامهم يكون بتداول الليرة التركية، والتسعير بالليرتين، السورية والتركية، وذلك يكون بتمكين “الحكومة السورية المؤقتة”، من أجل إنجاح عملها في ضبط أسعار العملات، ومراقبة عمل الصرافين، وضخ عملة تركية لا تقل عن نصف مليار إلى مليار ليرة تركية شهريًا إلى تلك المناطق، وفق القاضي، وذلك بدوره سيخلق فرص عمل، بالإضافة إلى إجراء العقود بالدولار أو الليرة التركية، بحسب أي العملات متوفر بشكل أكبر.

الأمر ذاته ينطبق على المناطق الواقعة تحت سيطرة “الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا”، بحسب القاضي، الذي أكد على ضرورة توفر أجزاء تلك العملات والفئات الصغيرة منها بشكل كبير، ليتمكن الناس من تداولها.

وقال القاضي إن هذه العملية ليست استبدالًا للعملة “كما يُروّج البعض”، وإنما تسعير بعملتين، وقبول عملة أخرى مع العملة الوطنية إلى أن يجري الانتقال السياسي وتعود العملة الوطنية إلى “ما كانت عليه، أو أفضل مما كانت عليه”، مشيرًا إلى أن هذه الطريقة اُتبعت في لبنان وموزمبيق، وتُتبع في البلاد التي مرت بظروف مشابهة من الحروب والكوارث.

هل يجد النظام طريقة للالتفاف على العقوبات؟

حاول النظام السوري الالتفاف على العقوبات في تجربة سابقة له مع ثلاث موجات منها، في ثمانينيات القرن الماضي، ومع تحويل رجل الأعمال ورئيس “رابطة التجار السوريين” في الكويت، فهد خضير، مبالغ “ضخمة” من الأموال إلى داخل سوريا، من أجل تحسين قيمة الليرة السورية، إضافة إلى الدعاية الإعلامية عن مبادرات مشابهة، طُرح التساؤل اليوم عن إمكانية إعادة التجربة، والتفلت من العقوبات.

بينما يرى الباحث محمد موسى أن النظام يمتلك أكثر من طريقة للالتفاف، أولاها الطريقة التي اعتمدها سابقًا ومرارًا في إنشاء شركات تجارية جديدة بأسماء أشخاص جدد تابعين له.

وثانيتها تحول حقول الفوسفات وموانئ اللاذقية وطرطوس، التي أُعطيت للاستثمارات الروسية، إلى “مناطق حرة” تحوي شركات روسية بداخل الدولة السورية، تمثل منافذ لدعمه، لا تصل إليها العقوبات، ولا يشملها قانون “قيصر”.

بالإضافة إلى المنظمات الإغاثية والإنسانية، وطرق التهريب بين سوريا ولبنان، التي لن تتأثر بالقانون، وفق بنود قانون “قيصر”، والمعابر الداخلية الواصلة بين مناطق سيطرته ومناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” وفصائل المعارضة السورية.

و”الالتفافات من الممكن أن تُنقذ النظام بنسبة لا تتجاوز 20% فقط”، وفقًا لموسى، لأن الاقتصاد والدولة “منهاران” في الأصل، وبحسب ما يراه فإن قانون “قيصر” آلية للضغط وليس آلية “لتدمير الاقتصاد”، وإمكانية الالتفاف بيد الولايات المتحدة الأمريكية، “فمن الوارد أن تغض الطرف” كما فعلت في تجارب سابقة خلال فرضها عقوبات على إيران وفنزويلا.

لكن المحلل أسامة القاضي يرى أن الالتفاف على عقوبات قانون “قيصر” سيكون “صعبًا جدًا”، ويتمثل السبب بأنه لو قُدر للمصرف المركزي السوري أن يصنف باعتباره مصرفًا يدعم غسيل الأموال، سترتفع متطلبات الشفافية والالتزام الإداري والمالي أمام وزارة الخزانة الأمريكية وأمام المؤسسات المالية العالمية، وكل المصارف الخاصة لن تستطيع ممارسة عملها داخل سوريا.

وفق ذلك، يبدو “قيصر” خناقًا محكمًا على النظام السوري، سيتأثر به الاقتصاد السوري لدرجة كبيرة نتيجة الأرضية الخصبة من الأزمات الموجودة بالفعل، وتبقى فترة المقاومة ومدى نجاعة آليات التحايل رهن تفاصيل تطبيق القانون التي لا تزال غير محددة بدقة حتى ساعة إعداد التقرير.

English version of the article

مقالات متعلقة