قانون “قيصر”.. كوسيلة لحماية حقوق الملكية في سوريا

ع ع ع

جلال الحمد

تُتيح الظروف الجديدة الناتجة عن تطبيق قانون “قيصر” في سوريا، الفرصة لحماية حقوق السوريين وإبرازها، وتعريف المجتمع الدولي بها، ووضعها ضمن قائمة الأولويات، بما في ذلك الدفاع عن حقوق الملكية التي تمسّ بشكل مباشر ملايين السوريين ممن خسروا أملاكهم وعقاراتهم خلال سنوات الحرب، وهو ما يجب العمل عليه حاليًا في محاولة لتشكيل إجماع على الملف الحقوقي السوري، والاستفادة من كون القانون يشكل بجوهره وسيلة للعمل على حماية حقوق الإنسان في سوريا.

في 17 من حزيران الماضي، بدأ تطبيق قانون “قيصر” لحماية المدنيين في سوريا، وذلك بعد إقراره من قبل الكونغرس الأمريكي، وتوقيع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عليه في 20 من كانون الأول 2019، إذ استغرق الوصول إلى هذه المرحلة سنوات عدة، ويهدف القانون، بحسب مسؤولين أمريكيين، إلى وقف انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، وتغيير سلوك النظام السوري، من أجل الانخراط في حل سياسي وفقًا لقرار مجلس الأمن 2254، دون أن يكون إسقاط النظام هو أحد هذه الأهداف.

وشهدت الفترة التي تلت الإعلان عن موعد تطبيق القانون جدلًا واسعًا في الأوساط السورية، بين مرحب به ورافض له، أما الآن وقد أصبحت العقوبات واقعًا، فإن أمام السوريين كثيرًا من العمل لتحقيق هدفين رئيسين، الأول وضع جميع الانتهاكات التي يرتكبها النظام السوري وكل أطراف الصراع الأخرى على الطاولة، والدفع باتجاه وقفها وحماية حقوق الإنسان، والثاني تأمين المستلزمات الأساسية للسوريين بالاعتماد على الاستثناءات التي يتضمنها القانون.

وتتمثل توقعات النتائج الأولية لتطبيق القانون بعزلة حكومة بشار الأسد، وازدياد السخط الشعبي مع تراجع قدرة الدولة على تأمين المستلزمات الأساسية للسكان وعجزها عن إيجاد حلول بديلة، بينما يؤكد الأسد وحلفاؤه بالمقابل على “الصمود والصبر” والبحث عن خيارات بديلة، لكنها تبدو فعليًا غير كافية.

وتوحي الظروف التي ظهر فيها القانون، بموافقة ممثلي الحزبين “الجمهوري” و”الديمقراطي” بالكونغرس الأمريكي، والمتمثلة بتصاعد التوتر الإقليمي بمواجهة الامتدادات الإيرانية وإعادة هيكلة العلاقات الأمريكية والروسية مع تركيا، بسياسة أكثر تشددًا، وذلك بتطبيق عقوبات قاسية لانتزاع تنازلات حقيقية تؤدي إلى زعزعة حالة الاستقرار التي يروّج لها النظام السوري، وتوجيهه بقوة العقوبات نحو تغيير كبير، والتأكيد على عدم عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

وفي الفترة التي سبقت نفاذ قانون “قيصر”، عاد إلى واجهة الاهتمام الحديث عن الانتهاكات المرتبطة بالاعتقال والاختفاء القسري واستخدام الأسلحة الكيماوية، وعلى الرغم من خطورة هذه الانتهاكات وأهمية بقائها في مقدمة المطالب، يجدر بنا التركيز على انتهاكات أخرى لم تأخذ الحيّز اللازم لمناصرتها، رغم تأثيرها المباشر على ملايين السوريين ومستقبلهم، بما في ذلك تهديد عودتهم إلى وطنهم، وعلى رأسها حقوق الملكية.

وفي هذا السياق تأتي أهمية التأكيد على ما قد يشكله التعاون مع المؤسسات الحكومية السورية في مجال إعادة الإعمار من انتهاك لحقوق اللاجئين والنازحين، وتوضيح أن حماية ملكيات السوريين شرط أساسي لعودة آمنة وطوعية أكد عليها قانون “قيصر”، وتعهد بفرض عقوبات على منتهكيها ومن يشاركهم.

ويشكل “قيصر” (الملف والقانون) فرصة لإعادة ترتيب الأوراق واستراتيجيات المناصرة للدفاع عن جميع حقوق السوريين، والاستفادة من الظروف الدولية والعجز شبه الكامل الذي يعتري أداء الحكومة السورية، خصوصًا في توجيه الأموال لإعادة الإعمار، وبالتالي وإلى جانب الملفات الحقوقية التي تشهد جمودًا منذ سنوات، يمكن التركيز بجرعات إضافية على ملفات أخرى، من أبرزها حقوق الملكية، مستفيدين من الضغط الممارس على النظام السوري وحلفائه وداعميه، وتردد الشركات المحلية والدولية في العمل معه، ومواقف بارزة أخرى كرفض دول الاتحاد الأوروبي دعم إعادة الإعمار في سوريا إلا بشرط الحل السياسي والانتقال السلمي، كل ذلك في سبيل تأمين حماية الملكيات، والتراجع عن التشريعات والقوانين والإجراءات التي تشكل انتهاكًا لهذه الحقوق، وتهيئة الظروف بضمانات دولية وإقليمية للعودة الآمنة للراغبين بها.

ويجب ألا تقتصر الجهود المبذولة بهذا الصدد على الدفاع عن حقوق الملكية في مناطق سورية دون أخرى، إذ إنه ورغم تركيز القانون على معاقبة الحكومة السورية وداعميها على انتهاكاتهم، فإن ما هيّأه من أجواء تتيح لنا تسليط الضوء على مأساة ملايين السوريين الذين هُجّروا من مناطقهم، وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم، ولا يتمكنون من العودة إليها، هؤلاء لهم كامل الحق في إبراز قضيتهم على قدم المساواة.

ويُعوّل في هذا السياق على نشاط المنظمات الحقوقية والإنسانية المحلية منها والدولية، في زيادة التنسيق، وتوزيع الأدوار، لتشكيل دور نشط على صعيد وسائل الإعلام، وآليات التحقيق الدولية، ومراكز صنع القرار.

إن الفرصة الحالية تفتح لنا بابًا جديدًا لإيصال صوت سوريّي الداخل والخارج، وتظهر حاجتنا إلى الاجتماع على حقوق السوريين الأساسية، ودعم ملف حقوق الإنسان في سوريا باعتباره الغاية النهائية.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة