الهيئة العليا للمفاوضات.. ما عليها.. وما عليها

ع ع ع

إبراهيم العلوش

يتناول الدبلوماسي السابق والحقوقي فواز محمود الفواز بالدراسة “الهيئة العليا للمفاوضات”، وهي بادرة إيجابية لدى النخب السورية في الانتقال من المواقف الانفعالية والوقتية على مواقع الشبكات الاجتماعية، إلى إصدار الدراسات الموسعة التي تضع موضوع البحث في سياقه العام، وهذا ما حاوله الدارس في كتابه الصادر حديثًا عن دار “نون” للنشر بعنوان مميّز هو “الهيئة العليا للمفاوضات، ما عليها.. وما عليها”.

يشير الكاتب في مقدمته إلى تغيّر مسار التأريخ للأحداث، فثورة الإنترنت والميديا وثقت الأحداث والوقائع بالتصوير والتسجيل الحي، ولم يعد من مهمة الدارس النقاش في موضوع التشكيك بصدقية الأحداث ولا الدخول في إثبات وجودها، بل صار على المؤرخ أو الدارس أن يتفرغ لتحليل الأحداث، بالإضافة إلى رأي الكاتب المشكك بحيادية المؤرخ وعدم تصديقها، فالكاتب منذ الصفحة الأولى يعلن انحيازه لثورة الحرية والكرامة السورية، وهو الذي دفع 13 سنة من حياته في الاعتقال بسجن “تدمر” بعدما كان قنصلًا عامًا في قبرص.

يتناول الكاتب الصراعات السياسية بين أحزاب المعارضة السورية التي كانت تفتقر إلى القدرة على النقاش وتبادل الأفكار والتحالفات منذ “إعلان دمشق”، الذي أضعفته مناورات “الإخوان المسلمون” ومحاولتهم التفاوض مع النظام التي لم يجنوا منها إلا الخيبة، كما يقول الكاتب على لسان زهير سالم، الناطق السابق باسم جماعة “الإخوان المسلمون” في سوريا، بل إن زهير سالم يؤكد أن محاولات التفاوض مع النظام امتدت حوالي 30 سنة بلا نتيجة.

منذ بداية الثورة لم تستطع أحزاب المعارضة التفاهم فيما بينها، فسبقها المثقفون والسياسيون المستقلون، وتنادوا إلى إنشاء الكيانات والتجمعات وسط فوضى التلاسن والاتهامات بين مختلف الأطراف، كـ”هيئة التنسيق”، وأطراف “إعلان دمشق”، والكيانات الكردية والآشورية، والكيانات الجديدة التي ولدت مع بداية الثورة، إلى درجة أنه تم الاتفاق على إعلان “المجلس الوطني السوري” كما يقول الكاتب، في تشرين الأول 2011، دون أي وجه من أوجه الانتخاب أو الصراحة الديمقراطية، حتى إن بعض الأطراف فوجئت بإعلانه، بعد سلسلة من المؤتمرات الداخلية والخارجية التي بدأت تتدخل بإدارتها القوى الدولية في تركيا وفي غيرها، خاصة أن النظام كان قد أجهض عددًا من اللقاءات والحوارات الداخلية، وآخرها لقاء فندق “سميراميس” في دمشق بتاريخ 27 من حزيران عام 2011.

يصف الكاتب ولادة “المجلس الوطني” بالولادة الخديجة وغير المكتملة، ويستعرض التلاعبات المختلفة والضغط على رئيسه من قبل “الإخوان المسلمون”، واعتباره مجرد واجهة لنشاطاتهم ولنشاطات تابعيهم الفردية، فالكل لا يفكر إلا بمصلحته الشخصية أو الحزبية، ولا أحد يأبه بالمصلحة السورية العامة، كما قال رئيس المجلس، برهان غليون، مبررًا استقالته.

ويقول الكاتب، إن الأمور سارت على عكس ما هو طبيعي من إصلاح ومعالجة الخلل في “المجلس الوطني”، وبدلًا من إمداده بأوكسجين الديمقراطية وحس المسؤولية، تداعت الدول الداعمة إلى دفع السيد رياض سيف لتأسيس “الائتلاف الوطني” كمقدمة لاحتجاز إرادة السوريين والتلاعب بها في البازارات الدولية، وأُعلن عن تأسيس “الائتلاف” بنفس طريقة تأسيس “المجلس الوطني”.

اتسم الأداء السياسي في “الائتلاف” الجديد بعدم الحرفية، فالكاتب يصف خطاب رئيس “الائتلاف”، معاذ الخطيب، أمام الجامعة العربية بأنه قصيدة شعرية وليس خطابًا دبلوماسيًا يخاطب فيه العالم العربي والمؤسسات الدبلوماسية العالمية. الارتجال وعدم الحرفية صبغا أداء “الائتلاف” وخططه الغامضة التي تستغلها الأطراف الدولية، لعدم وضوح الجوانب القانونية في مهام “الائتلاف”، ورفض تشكيل هيئة سياسية احترافية، وعيّن سفراء بلا أي صلاحيات.

عبر هذا المخاض المشوّش، ولدت “الهيئة العليا للمفاوضات”، وحملت نفس جينات المسار الذي سبقها، وقد تم الإعلان عن ولادتها في الرياض 2015، وكلما اتخذت هذه الهيئة قرارًا أو أعلنت تصريحًا يتم جمعها بطلب من الروس والسعودية والدول الداعمة لتغيير الهيئة بحجة أن مقاساتها فيها زيادة أو أنها أزعجت لافروف والتفاهم السعودي- الروسي، ناهيك عن إصرار الأمريكيين على جعل الروس هم الطرف الذي يجب أن يتناقش معه السوريون، وهذا أمر عجيب من دولة عظمى تندد كل يوم بالروس وبتصرفاتهم في سوريا، وبنفس الوقت تجبر حلفاءها على التفاوض معهم إلى درجة تلقي الأوامر منهم، ولعل كارثة المصالحات في درعا أهم دليل على صدق ما أورده الكاتب في تحليله، فما إن أعلن خالد المحاميد، زعيم تلك المصالحات، أن عليكم تغيير “الهيئة العليا للمفاوضات” حتى تمت بعد أيام إقالة أشخاص مسؤولين، وعقد اجتماع جديد لمؤتمر “الرياض” دون دعوة بعض مسؤولي الهيئة الكبار، وهذا ما حدث مع العميد الزعبي ومع رياض حجاب، وتم استبدال كثيرين دون استشارة أحد غير الروس والسعوديين والأمريكيين.

يستعرض الكاتب كثيرًا من المفاوضات حول “منصة القاهرة” و”منصة موسكو”، ومفاوضات “جنيف” التي لم تسفر عن شيء حتى اليوم، بل إن ديمستورا حاول جاهدًا مع القوى الدولية تفريغ القرار الدولي 2254 من مضمونه بعملية “السلال الأربع” المتتالية وليس المتوازية، بالإضافة إلى محاولاته تطبيع وجود بشار الأسد، وتجاهل منع اشتراكه في الانتخابات المقبلة في 2021.

ويتحدث الكاتب عن رئيس “الهيئة العليا للمفاوضات”، وسلوكه الذي يتسم بالشخصنة للمؤسسة، وينتقد عدم حرفيته وعدم اهتمامه بتكوين فريق محترف حوله، وهو مثل كثير من المسؤولين السوريين، يعتبر قبوله بالمنصب كرمًا منه وتكريمًا وتضحية منه للشعب السوري. ويُذكر بأن السيد نصر الحريري انتقل قبل عدة أيام من قيادة “الهيئة” إلى قيادة “الائتلاف” بعملية تبادل فلكلوريّة مع السيد أنس العبدة.

كتاب “الهيئة العليا للمفاوضات، ما عليها.. وما عليها” للأستاذ فواز محمود الفواز يشكل وقفة مهمة لاسترجاع تواريخ الثورة ومحطات تكوّن مؤسسات المعارضة السورية، وأدائها الذي خيّب آمال السوريين، ومحاولة لفهم ما يحدث من أجل أن نتجاوزه وليس من أجل أن نبقى أسرى لتبادل الاتهامات، فالسياسة وسيلة لإدارة الخلافات وإنجاز التفاهمات، ويجب ألا نبقى في حالة “كلنا ضد كلهم، والسياسة محرّمة”، كما يقول حازم صاغية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة