fbpx

رداءة الخدمة كغرض تسويقي

ع ع ع

خليفة خضر

على طول الطرقات الواصلة بين القرى الممتدة شمالي سوريا، توجد مطاعم مبنيّة على الطراز الحديث وذات شكل عمراني حجري، تقدم هذه المطاعم الحديثة خدمات بأطباق فارهة ونظيفة، لكن نسبة من الزبائن يتركون هذه المطاعم ويركضون خلف “بسطات” لصنع سندويش الكبة أو مناقيش الزعتر، وأخرى لبيع القهوة والشاي، على الرغم من رداءة المشروبات والأطعمة إذا ما قورنت صحيًا بذاتها المقدمة من مطابخ نظيفة داخل المطاعم.

قد تستغرب من إلحاح أحدنا على شرب القهوة من ذات “البسطة” أو السيارة العاطلة عن العمل، التي تركن على زاوية طريق تحيط بها القمامة من كل جانب، عدا عن الحشرات والغبار الذي يرتطم أو يتساقط في الأطعمة والزيت المغلي، وترك مطعم معيّن قد يقدم ذات الوجبة وذات المشروب وبطريقة أفضل أو أحسن.

وقد تفسر في ذهنك أن البائع المتجول، ذا الخدمات الرديئة، لا يملك المال الكافي لتجديد “بسطته” أو تغيير المكان أو توسعته على الطراز الجديد، وأن ما يمنعه من ترميم محله أو “بسطته” سوء الحال المعيشية، أو قلة اهتمامه بالنظافة كسوء خدمة منه، أو غياب المعدات اللازمة أو المطلوبة، أو بسبب مكان وجغرافيا “البسطة” البعيدة عن مراكز المدن.

لكن أصحاب محلات موجودة في مراكز المدن، يشتركون بتقديم الخدمات الرديئة والحفاظ على الديكور الرديء، رغم توفر كل ما يريدونه للترميم ولشراء أطباق جديدة أو تحسين جودة الطعام للزبائن، لكنهم يحافظون على ما هو موجود لديهم ليس بخلًا أو كسلًا أو أي شيء مما يخطر في بالك.

يعتمد أصحاب تلك “البسطات” أو المطاعم هذه الطريقة كغرض تسويقي لجذب الزبائن والحفاظ عليهم، فهم يعتمدون على مشاعر الزبائن التي تجعلهم يتركون المطاعم ويلجؤون إليهم، من خلال ذكريات تربطهم بهذا المكان، كاستراحة مسافر أو قصة عاطفية تربطهم بألوان الأكواب وأشكالها التي يقدمها صاحب هذا المطعم، أو تلك الأطباق التي أكل منها الزبون مع والده المتوفى الذي كان يصحبه إلى المشفى ذات يوم.

أغلب هؤلاء يحاولون الحفاظ على طريقة ديكور المطعم، ولباس صاحب المحل، والأغاني التي تعيد الزبون إلى ما قبل عام 2011، لما لهذه الذكريات من سمة وقدسية لدى كثير من السوريين، ويستغلها صاحب المطعم أو “البسطة” كغرض تسويقي للحفاظ على زبائنه.

وهي سياسة قد تكون ناجحة، إذ يتوجه سوريون مقيمون في تركيا (خلال الزيارات المتاحة في الأعياد مثلًا) إلى ذلك المطعم الذي قدم صاحبه من دمشق أو حمص، وفتح محله بذات الديكور في الشمال السوري، أو ذلك الذي ينشر صور محله في دمشق أو حلب، وصورة لصاحب المحل الأصلي الذي توفي وترتبط صورته بأذهان الزبائن، مع الحفاظ على ديكور قديم وطاولات قديمة وخدمات ليست بذات الجودة في المطاعم الفارهة.

وليس ذلك بخلًا ولا قلة حيلة، بل هو غرض تسويقي يعتمدونه لاستمرارية وجودهم.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة