إنها كرة القدم.. قاسية جدًا يا صاحِ

ع ع ع

عروة قنواتي

لا تكفي، ولن تكفي، كل أنواع الزوايا والمساحات في الصحف لتفرّغ وتستوعب غضب عاشق أو حزن مشجع على أحداث ليلة السبت الماضي في مدينة لشبونة البرتغالية، حيث وقعت المصيبة التي كانت في الحسبان دائمًا.

سقط برشلونة المتعب، سقط الفريق الذي يدور منذ أكثر من ثلاثة أعوام بين غرف الإنعاش وغرف الاستراحة في حضرة كرة القدم، التي وإن كانت مسرحًا للاحتفالات والبهجة وفيض السرور، ولكنها في بعض الأحيان مستشفى بإضاءة جيدة أو سيئة لا فرق، يترنح فيها المرضى بحثًا عن الحياة أو لزيادة جرعة “البنج” عند حلول المصاب الجلل.

ربما، أحسد نفسي لامتلاكي فرصة أن أكتب أسبوعيًا بين 400 و600 كلمة، هنا بين زملائي، لأرضي نفسي وروحي وأعصابي، نشوة أو خيبة.

في بعض الأوقات تحاول ترتيب الكلمات والأسطر كما لو كان الأمر رسالة فاصلة في حبك للحبيبة، تريد أن تقول كل ما يحلو للسامعين والناظرين من عبارات الغرام.

لكن في مثل هذه الأوقات، عليك أن ترتب بدمع العين وحرقة الدم لوصف لا يخجلك ولا ينهي تأثير روحك وعشقك في مقام كرة القدم. نعم، أعشق كرة القدم، فأقبل من صديقي اتصالًا فجر السبت وهو يقول “هاردلك إنها كرة القدم”، ولم أملك أكثر من أن أقول “ولكنها قاسية علينا يا صاحبي”.

لربما تحسد الآخرين على فرحهم، الشماتة التي يظهرونها بسقوط من تعشق ومن تهوى، وبإصرارهم على إزعاجك قليلًا في تلك الليلة، لأنك فعلت مثلهم في أوقات مضت (مع اختلاف حضور صديق عن آخر في هذا المقام)، عليك تقبّل الانفعال أحيانًا بإبعادهم وإغلاق وسيلة التواصل أمامهم حفاظًا على المستقبل، “لأنها كرة القدم.. حلوة ومرة يا صاحِ”.

لا أجد نفسي مخولًا للخوض في قراءة فنية أو سردية تفصيلية لتكتيك المباراة، وأين سقط الكبار، وكيف حانت لحظة مغادرة العجائز، وبالكاد أملك القدرة على توعية أصحابي بأن فريقنا الذي نعشق “أكثر من مجرد نادٍ”، فالصمت أفضل وسيلة تمنح لك وأنت تشهد الدقائق الفارقة بين فرح الخصم على أرض الملعب ووجوه حزينة لمن يرتدي قميص الفريق، وأنت العاشق منذ ربع قرن لحركة الأرجل وصفاء الذهن وإبداع التوجه نحو الشباك.

الفريق ليس بخير يا صاحِ، تسمع صدى الأنين من غرفة ملابسه وأروقة تدريباته في أغنية الرائع “برايان آدامز” حين يردد:

Don’t tell me it’s not worth trying’ for

You can’t tell me it’s not worth dying’ for

You know it’s true

Everything I do

I do it for you

لا تأتيك أحاسيس الفوضى إلا وأنت في قمة ثقتك أن هذا النجم أو ذاك المبدع قادر على إنجاز ما يمكن، رغم ثقتك أيضًا بأن مبضع الجرّاح اقترب كثيرًا من مكان النزيف والإصابة، وعليك أن تستسلم ابتغاء للصحة والتعافي، فكيف إذا كنت قد شاهدت إبداع النجوم ورحيلهم مهما تركوا من آثار مهمة في حياتك وفي عشقك، في سلسلة دموعك على مدار ربع قرن، مر خلالها زوبي زاريتا، لاودروب، فيغو، كلويفرت، ريفالدو، بويول، رونالدينيو– إيتو، المدرب كرويف، المدرب ريكارد، المدرب غوارديولا، اوفر مارس، دي بور، ديكو، زيندان، أبيلاردو، تشافي، انييستا، ستويتشكوف، وصولًا إلى ميسي وسواريز وشتيغن وقائمة لا تنتهي.

تذكر هؤلاء وتنسى كثيرًا في حضرة كرة القدم لأنهم لعبوا لبرشلونة، يخف عطاؤهم ويبقى برشلونة، يرحلون ويتركونك تشتاق، ولكنك تجدد الحب في برشلونة.

أتحدث هنا عن نفسي وليس عن كل عشاق الكرة في العالم، فلكل عاشق ومتابع لكرة القدم ميول وشغف تجاه مدرسة كروية أو أسماء بعينها، أتحدث باسم الذين لا يجدون الطريق إلى كلمات الغضب والحزن بما جرى ليلة السبت في لشبونة.

بعد مخاض عسير دام لسنوات، لم يعد يعني لي أي شيء يخص الإدارة الفنية للفريق، التي يجري اختيارها في السنوات الأخيرة بما لا يعادل اسم برشلونة وتاريخه في البطولات، لست قريبًا من مقر النادي لأحمل منديلًا أبيض برفقة أصدقائي تعبيرًا عن إرادة الجماهير ورغبتهم في رحيل مجلس الإدارة، الذي عبث بما فيه الكفاية وأسهم بالتخريب جملة وتفصيلًا.

أنتظر برشلونة مجددًا، بوجود ليونيل أو باختياره وجهة جديدة، بعودة بيب أو ببقائه بعيدًا. أنتظر أبناء البارسا الصغار من مدرسة “لاماسيا” ومن الفرق الشابة، وكما في كل جيل تودّع من تعب وتستقبل الحياة بوجوه الشباب، لكي تفخر يومًا ما بقولك إنه “أكثر من مجرد نادٍ”.

بالسلامة يا فريق الأحلام!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة