أمراض الغدد اللعابية.. أسبابها وعلاجها

ع ع ع

د. كريم مأمون

يقوم اللعاب بوظيفة مهمة في الفم، فهو يمنع جفاف الفم ويحميه من الأمراض، وبهذا فإن صحة الفم تتأثر بصحة اللعاب، ويؤدي انخفاض إفراز اللعاب بدوره إلى جفاف الفم وتسوّس الأسنان، كما يساعد اللعاب في تفكيك الطعام كجزء من العملية الهضمية، ويتم إنتاج اللعاب عن طريق الغدد اللعابية.

هناك ثلاثة أزواج رئيسة من الغدد اللعابية في الفم:

الغدتان النكفيتان: وهما أكبر زوج من الغدد اللعابية، توجد كل غدة نكفية خلف زاوية الفك السفلي إلى أسفل وأمام الأذن، ويتم تصريف محتواها من خلال قناة تقع فتحتها في أغشية باطن الخد.

الغدتان تحت الفك السفلي: هما الزوج الأوسط بالحجم، وتقعان عميقًا في أرض الفم.

الغدتان تحت اللسان: هما الزوج الأصغر من الغدد اللعابية الرئيسة، وتقعان تحت اللسان.

ويجري تصريف محتوى الغدد تحت الفكية وتحت اللسان من خلال قنوات تقع فتحاتها في أرضية الفم من جهتي جذر اللسان.

بالإضافة إلى هذه الغدد الرئيسة، تتوزع العديد من الغدد اللعابية الصغيرة في جميع أنحاء الفم (التي يبلغ عددها ما يقارب الألف) وتوجد في الأغشية المخاطية على امتداد كامل أغشية الفم، عدا منطقة الفكين والحنك الأمامي، وفي أغشية الشفتين، والأغشية المخاطية في البلعوم.

ما الاضطرابات التي يمكن أن تصيب الغدد اللعابية؟

قصور الغدة اللعابية: يؤدي إلى تراجع إنتاج اللعاب بشكل كبير، وعندما يكون إفراز اللعاب قليلًا أو معدومًا يصاب الفم بـ”الجفاف”، ويكون قصور الغدد اللعابية أكثر شيوعًا عند البالغين، وينتج عن بعض الحالات الطبية، مثل:

· متلازمة “شوغرن”، وهي مرض مناعي ذاتي، تنتج فيه أجسام مضادة ضد غدد الإفراز الخارجية، ويتميز بانخفاض حاد بإفراز اللعاب وبإنتاج الدموع.

· العدوى، مثل عدوى فيروس العوز المناعي البشري (HIV).

· بعض الأدوية، مثل بعض أنواع مضادات الاكتئاب، ومضادات الهيستامين، ومضادات الذهان، والأدوية المضادة للباركنسون، والمهدئات، و الميثيل دوبا، ومدرات البول، ومستحضرات الميثامفيتامين المحظورة.

· الألم المزمن.

· العلاج الكيميائي أو الشعاعي للرأس والرقبة بهدف علاج السرطان، أو استخدام اليود المشع لعلاج سرطان الغدة الدرقية.

ولكن، ليس من الضروري أن تنجم جميع حالات جفاف الفم عن قصور في الغدد اللعابية، فعلى سبيل المثال، قد يكون سبب جفاف الفم:

· شرب كميات قليلة جدًا من السوائل.

· التنفس من خلال الفم.

· القلق أو الإجهاد.

وبما أن اللعاب يؤمّن حماية طبيعية كبيرة ضد تسوّس الأسنان، فإن تناقص كميات اللعاب سيؤدي حتمًا إلى مزيد من نخور الأسنان، وخاصة في جذورها، كما يمكن في الحالات الشديدة من جفاف الفم أن يعاني المريض من صعوبة في الكلام والبلع.

حصيات الغدة اللعابية: يمكن أن تتشكل الحصيات من ترسب أملاح الكالسيوم الموجودة في اللعاب في قنوات تصريف الغدد اللعابية، وفي حوالي 25% من الحالات لا تقتصر الإصابة على حصاة واحدة، ويميز هذا الاعتلال الغدد تحت اللسان، وعادة ما تكون حصيات الغدد اللعابية أكثر شيوعًا بين البالغين، ويزداد احتمال تشكلها بشكل خاص في الحالات التالية:

· عندما يعاني الشخص من الجفاف.

· عند تناول أدوية تقلل إنتاج اللعاب.

· عند الإصابة بداء النقرس.

كما توجد حالة أخرى مرتبطة بالانسداد، تحدث بالأساس لدى الأطفال بعمر 5- 10 سنوات، وتسمى “توسع القناة اللعابية” (Sialectasis)، وهي تصيب الغدد النكفِية فقط، وتتميز بانتفاخ متكرر بالغدة، وتنتج هذه الظاهرة عن تضيق قنوات التصريف، وعادة ما تختفي في أثناء مراحل النمو.

الأعراض النموذجية لانسداد القناة اللعابية هي تورم وألم في الغدة اللعابية المتصلة بها نتيجة احتباس اللعاب فيها، ويتفاقم الألم والتورم بعد تناول الطعام، خاصة عندما يأكل المريض شيئًا يحفز تدفق اللعاب (مثل المخلل أو عصير الليمون).

قد يتراجع التورم بعد بضع ساعات، وقد تحرر القناة دفقة من اللعاب، ويمكن لبعض الحصيات ألا تسبب أي أعراض، كما يمكن أن تنتقل العدوى إلى القناة المسدودة والغدة اللعابية التي تجمع فيها اللعاب الراكد.

عدوى الغدة اللعابية: قد تسببها الفيروسات، ويعتبر مرض النّكاف (Mumps) أكثر هذه الأمراض شيوعًا، وهو مرض يصيب الأطفال بشكل أساسي، وحين يصيب البالغين قد يؤدي للعقم، وعادة ما يسبب انتفاخا من كلا الجانبين في الغدد النكفية (المجاورة للأذن).

وثمة أمراض تلوثية أخرى، لكنها نادرة، هي التهابات الغدد اللعابية الجرثومية ، وتحدث معظم حالات العدوى الجرثومية عند المرضى الذين يعانون من وجود ما يمنع تدفق اللعاب (مثل الحصيات) أو الذين يعانون من قلة إنتاج اللعاب، وتكون العدوى أكثر شيوعًا في الغدة النكفية أيضًا، وعادة ما تحدث عند المرضى:

· في الخمسينيات أو الستينيات من العمر.

· الذين يعانون من أمراض مزمنة وجفاف الفم.

· الذين يعانون من متلازمة “شوغرن”.

· الذين جرى علاجهم سابقًا شعاعيًا في منطقة الفم، أو جرى علاجهم باليود المشع لسرطان الغدة الدرقية.

قد يتشكل تجمع قيحي ضمن الغدة في بعض الأحيان، وتخرج كمية صغيرة من القيح من قناة الغدة، وتصبح الغدة المصابة منتفخة ومؤلمة جدًا، وغالبًا ما يأخذ الجلد فوق الغدة لونًا أحمر ويصبح مؤلمًا بالجس.

تورم الغدة اللعابية: غالبًا ما ينجم تورم الغدة اللعابية الرئيسة (النكفية) عن النكاف، أو عن الالتهاب بسبب عدوى جرثومية، ويمكن أن ينجم عن انسداد القناة بالحصيات، كما يمكن أن ينجم التورم عن الأورام.

إصابة الغدد اللعابية الكبيرة والصغيرة بالأورام هي حالات نادرة الحدوث، وعند حصولها فعادة ما تكون أورامًا حميدة (الورم الأكثر شيوعًا هو الورم الغدي المتعدد الأشكال، وهو ورم حميد يصيب الغدد النكفية بشكل أساسي) ونادرًا ما تكون أورامًا سرطانية خبيثة (السرطانات الأكثر شيوعًا هي السرطانة المخاطية البشروية، والسرطانة الغدية الكيسية).

غالبًا ما يكون التورم الناجم عن الإصابة بورم أكثر صلابة من التورم الناجم عن الإصابة بعدوى، وإذا كان الورم سرطانيًا فقد يشعر المريض بتصلب الغدة اللعابية وكأنها حجرة قاسية، وقد تلتصق بقوة إلى الأنسجة المحيطة بها.

ويمكن أن تتورم الغدد اللعابية الصغيرة أحيانًا، فيمكن لإصابة الشفة السفلى نتيجة العض عليها بشكل عرضي أن تلحق الضرر بأي من الغدد اللعابية الصغيرة الموجودة فيها، وتعوق بالتالي تدفق اللعاب، ونتيجة لذلك، قد تتضخم الغدة المصابة وتشكل كتلة صغيرة لينة (قيلة مخاطية) تبدو مزرقة، وعادة ما تختفي الكتلة من تلقاء ذاتها في غضون بضعة أسابيع إلى أشهر.

كيف تشخص اضطرابات الغدد اللعابية؟

لا توجد حتى الآن اختبارات دقيقة لتشخيص إصابات الغدد اللعابية، ولكن، يمكن للطبيب أن يقوم ببعض الإجراءات لتشخيص الحالة:

يمكن الضغط على الغدد اللعابية، ما يؤدي إلى عصرها، ومراقبة تدفق اللعاب من الأقنية اللعابية.

يجري تشخيص التورم الناجم عن انسداد القناة اللعابية من خلال الارتباط بين حدوث الألم ووجبات الطعام.

قد يقوم طبيب الأسنان أو الطبيب العام بإجراء خزعة للحصول على عينة من أنسجة الغدة اللعابية وفحصها تحت المجهر لتشخيص سبب التورم.

و يمكن تحديد الأسباب الأخرى للانسداد من خلال التقنيات الحديثة التي تستخدم أنابيب عرض صغيرة جدّا (المناظير).

إذا لم يتمكن الطبيب من وضع التشخيص في أثناء الفحص السريري، فقد يلجأ إلى التصوير الشعاعي، مثل التصوير المقطعي المحوسب (CT)، أو التصوير بالإيكو، أو تصوير القناة اللعابية (سيالوغرافي)، وهو نوع من التصوير بالأشعة السينية الذي يجرى بعد حقن مادة ظليلة (مرئية على الأشعة السينية) في الغدد والأقنية اللعابية.

كيف تعالَج اضطرابات الغدد اللعابية؟

· يعالج قصور الغدد اللعابية بمعالجة السبب، وبشكل عام ينبغي على المرضى المصابين بجفاف الفم القيام بما يلي:

1- تجنب الأدوية التي تقلل من إنتاج اللعاب.

2- تنظيف الأسنان باستخدام الفرشاة والخيط بانتظام.

3- استخدام الغسول الفموي الحاوي على الفلوريد.

4- زيارة طبيب الأسنان لفحص وتنظيف الأسنان كل 3 إلى 4 أشهر.

وقد يطلب بعض أطباء الأسنان من المرضى ارتداء واقٍ بلاستيكي للأسنان توضع ضمنه مادة هلامية حاوية على الفلوريد في أثناء الليل.

ويمكن للأدوية التي تزيد من إنتاج اللعاب، مثل سيفيميلين أو بيلوكاربين، أن تساعد على تخفيف الأعراض. ولكن قد لا تفيد هذه الأدوية عندما تتضرر الغدد اللعابية بسبب الإشعاع، وغالبًا ما يكون جفاف الفم الناجم عن التعرض للأشعة دائمًا، وخاصة إذا كانت جرعة الأشعة عالية.

· وبالنسبة لحصيات الغدد اللعابية فيمكن تناول مسكنات الألم، أو شرب المزيد من السوائل، أو تدليك الغدد، أو تطبيق الكمادات الدافئة، أو تحفيز تدفق اللعاب عن طريق تناول عصير الليمون أو السكاكر الحمضية، أو مزيج من ذلك كله.

إذا لم تخرج الحصاة من تلقاء نفسها، فقد يلجأ طبيب الأسنان أحيانًا إلى دفعها من خلال الضغط على جانبي القناة. إذا فشل ذلك، فيمكن استخدام أداة دقيقة تشبه الأسلاك لسحب الحصاة.

والملاذ الأخير هو استئصال الحصاة جراحيًا.

· بالنسبة للنكاف لا علاج لهذا المرض، لكن يمكن التطعيم بلقاح ضده، وفي حالة الإصابة بالمرض، تتم معالجة الأعراض السريرية.

· في حال الإصابة بعدوى جرثومية للغدد اللعابية، يمكن للطبيب وصف المضادات الحيوية، وينبغي على المريض تدليك الغدد يدويًا، وتطبيق الكمادات الدافئة فوقها.

ومن الضروري تفجير خراج الغدة اللعابية وتصريف القيح.

· يعالج تورم الغدد اللعابية بحسب العامل المسبب، ويمكن استئصال القيلة المخاطية جراحيًا إذا لم تتلاشى من تلقاء نفسها وسببت الإزعاج للمريض، وبشكل مماثل، يمكن استئصال جميع الأورام اللعابية جراحيًا سواء كانت حميدة أم خبيثة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة