أسقف منازلهم تتداعى أمام أعينهم.. أهالي سراقب يشهدون نهب ممتلكاتهم

صورة جوية لمدينة سراقب بريف إدلب الشرقي- 7 من شباط 2020 (أوليغ بلوخين تلغرام)

ع ع ع

“تحويشة عمري ذهبت بصورة”، بهذه الكلمات علّق خنيس العيسى ابن مدينة سراقب بريف ادلب، على تسجيل مصوّر جرى تداوله مؤخرًا، يُظهر هدم عناصر من قوات النظام أسقف المنازل في سراقب، بهدف سرقة قضبان الحديد منها.

التسجيل الذي تداوله ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيه أشخاص بلباس مدني يتشاركون بهدم سقف أحد منازل المدنية بالفؤوس.

وقال خنيس لعنب بلدي، “لدي بيتان في سراقب، رأيتهم يهدمون بيتي الأول الواقع غربي الفرن الآلي بفؤوسهم، ومن المؤكد أنهم سيستكملون عمليات الهدم ليكملوا على بيتي الثاني”. 

شاهد خنيس مقطع الفيديو في إحدى المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تم تصويره عن طريق أحد المراصد العسكرية المرابطة في آفس على أطراف سراقب. 

وأضاف، “في البداية لم أصدّق أن يكون ما يظهر في الفيديو هو منزلي الذي أفنيت عمري في بنائه لبنة لبنة، جميع منازل سراقب تعرضت للتدمير والسرقة، ليس لنا إلا أن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل”.

تقع مدينة سراقب في الجهة الجنوبية الشرقية لمدينة إدلب، وتتميز بأهمية كبيرة باعتبارها المنطقة الواصلة بين دمشق وحلب، إضافة إلى وقوعها على مساحة تبلغ حوالي 17 ألف هكتار، وتبعد مسافة تقدر بنحو 50 كيلومترًا عن مدينة حلب، وهي نقطة تقاطع على الطريقين الدوليين “M5″ الذي يربط بين دمشق وحلب و”M4” الذي يربط بين حلب واللاذقية.
تقاطع طريقي M4 وM5 في سراقب بريف إدلب (تنسيقية بنش/ محمد حاج قدور)

تقاطع طريقي M4 وM5 في سراقب بريف إدلب (تنسيقية بنش/ محمد حاج قدور)

سرقوا أحلامهم

شاهر المحمد يتجنب الحصول على أي معلومات عن منزله في سراقب، وأشار في حديثه لعنب بلدي إلى أن بعض الأهالي وصلت إليهم أخبار أو صور عن تعرض منازلهم للهدم أو الحرق أو السرقة، إذ تمكن بعضهم من الحصول على إذن عسكري لدخول المدينة لساعتين أو ثلاث، وقاموا بتصوير بيوتهم وبيوت أقاربهم.

وأكد شاهر أن جميع بيوت سراقب قد تعرضت للضرر دون استثناء، بسبب الهجمة العسكرية الشرسة التي شهدتها في شباط الماضي، وقد تمكن كثير من الأشخاص من الدخول والتصوير عندما استعادت فصائل المعارضة السيطرة على المدينة، في 27 من شباط ، وظهرت البيوت متضررة بشكل كبير، وقد تحول معظمها إلى دمار. 

وأضاف أنه بعد سبعة أشهر من سرقة المدينة، لم يتبقَ فيها أي شيء من الأثاث والأدوات المنزلية، ولذلك فقد تحولوا إلى تكسير البلاط، وهدم الأسقف لإخراج الحديد منها، إذ يحتوي أي منزل وسطيًا على ما لايقل عن ثلاثة أطنان من الحديد، وسيحصدون كثيرًا من الأرباح عند بيعها.

ورغم تقلص الأمل قال شاهر، “لم أجد خارج سراقب أي حائط يشبهها، إن شاء الله سنعود إلى بيوتنا”.

وكان تسجيل مصوّر نُشر، في 16 من آب الحالي، أظهر مشاهد الدمار في مدينة سراقب مصحوبة بتعليق لأحد الأشخاص يقول فيه، “سراقب دمار ما بترجع بخمسمية سنة”، ليرد عليه آخر بالقول، “كل مناطق حلب مو بس سراقب”.

شهدت مدينة سراقب ، في شباط الماضي، معارك كر وفر بين النظام السوري المدعوم من الطيران الروسي، والفصائل المدعومة من القوات التركية.

وتناوبت الفصائل وقوات النظام السيطرة على المدينة، إذ سيطر عليها النظام، في 7 من شباط، قبل شن الفصائل هجومًا مضادًا تمكنت خلاله من استعادتها، في 27 من الشهر نفسه، ولكن في 3 من آذار، تمكنت قوات النظام من السيطرة على سراقب بشكل نهائي بعد معارك قوية شهدتها المدينة، كما وسعت سيطرتها على كامل الطريق الدولي دمشق- حلب.

وفي 5 من آذار، اتفق الرئيسان، التركي، رجب طيب أردوغان، والروسي، فلاديمير بوتين، على وقف إطلاق النار، الأمر الذي ثبت الخريطة العسكرية الحالية.

جدارية تعبيرية من مدينة سراقب في 2020 - (صفحة حيطان سراقب - فيس بوك)

جدارية تعبيرية من مدينة سراقب في 2020 – (صفحة حيطان سراقب – فيس بوك)

معاقبة الحالمين بالتغيير السياسي

وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، في تقرير لها نشرته في 29 من أيار الماضي، عمليات التدمير والتهجير القسري التي طالت محافظة إدلب في أثناء الهجمة العنيفة التي شنها النظام وروسيا، منذ مطلع كانون الأول 2019 حتى آذار الماضي، وبخاصة ما تعرضت له مدينتا سراقب ومعرة النعمان.

وأشار التقرير إلى أن تشريد أهالي المدينتين مرتبط بشكل عضوي بخسارة منازلهم ومحتوياتها ومحالهم التجارية، إضافة إلى عمليات الدمار المقصودة التي طالت الأسواق والنقاط الطبية ومراكز “الدفاع المدني”.

واستعرض التقرير أدلة بصرية تُبيّن حجم الدمار الذي تعرضت له مدينة سراقب، معتبرًا أنها تمثل نموذجًا يدل على أن تدمير المدن وتشريد أهلها هو هدف بحد ذاته لدى النظام، يهدف من ورائه إلى “إيقاع أقسى العقوبات الممكنة على كل من طالب بالتغيير السياسي”.

يُعرّف التهجير القسري في القانون الدولي بأنه “الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها”.

تحظر المادة (49) من اتفاقية “جنيف الرابعة لعام 1949” النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص، أو نفيهم من مناطق سكنهم إلى أراضٍ أخرى، إلا في حال أن يكون هذا في مصلحتهم بهدف تجنيبهم مخاطر النزاعات المسلحة.

وورد في المادة (7/د) من نظام روما الأساسي لـ”المحكمة الجنائية الدولية” أن “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين يشكل جريمة ضد الإنسانية”.

  

نزوح عائلات من معرة النعمان في ريف إدلب هربًا من القصف – 23 من كانون الأول 2019 (عنب بلدي)

الإطار القانوني لنهب الممتلكات

يُحظر النهب بموجب “القانون الدولي الإنساني العرفي“، وكُتيّبات السلوك العسكري، واتفاقية “جنيف الرابعة لعام 1949″، والنظام الأساسي لـ”المحكمة الجنائية الدولية”.

ويُعرّف “معجم بلاك القانوني” النهب بأنه “أخذ الممتلكات الخاصة عنوة من رعايا العدو من قبل جيش غازٍ أو محتل”.

وينص النظام الأساسي لـ”المحكمة الجنائية الدولية”، على أن “نهب أي بلدة أو مكان حتى وإن تم الاستيلاء عليه عنوة، يشكل جريمة حرب في النزاعات المسلحة غير الدولية”، وتوضح أركان الجريمة فيه، أن يكون الاستيلاء قد تم “لاستعمال خاص أو شخصي”.

ويُعتبر النهب جرمًا في أي نزاع مسلح، بمقتضى تشريعات كثير من الدول، كما أن حظر السرقة منصوص عليه في التشريعات الوطنية الجزائية لجميع الدول دون استثناء، ويُعاقب على النهب عادة بمقتضى القانون العسكري أو القانون الجزائي العام.

إغلاق المحلات التجارية في سراقب بريف إدلب خوفًا من القصف - 26 من نيسان 2019 (عنب بلدي)

إغلاق المحلات التجارية في سراقب بريف إدلب خوفًا من القصف – 26 من نيسان 2019 (عنب بلدي)

نتائج مدمرة

أكد تقرير أصدره “المركز السوري للعدالة والمساءلة” أن عمليات النهب التي جرت في أثناء الحرب السورية، وطالت المنازل والمعامل والمراكز التجارية، يمكن أن تكون لها “عواقب اقتصادية مدمرة”، مشيرًا إلى أن تتبّع حقوق الملكية للممتلكات الخاصة المسروقة في أثناء النزاع يُشكل أمرًا بالغ التعقيد، ما يجعل من الصعوبة بمكان معالجة الجريمة خلال آليات “العدالة الانتقالية”.

العدالة الانتقالية

هي اتخاذ مجموعة كاملة من التدابير القضائية وغير القضائية لكفالة المساءلة، وتحقيق العدالة، وتوفير سُبل الإنصاف للضحايا، وتعزيز التعافي والمصالحة، ووضع رقابة مستقلة على النظام الأمني، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون.

وأشار التقرير إلى أن عمليات “التعفيش” بمناطق سورية عدة، طالت سرقة الأسلاك الكهربائية النحاسية من الجدران، والآلات والمعدات الباهظة الثمن من المعامل، ما تسبب بالقضاء على لقمة عيش أصحابها، لافتًا إلى أن التعويض المالي عن فقدان الممتلكات يشكل مصدر قلق كبير لدى السوريين.

آثار قصف الطيران الحربي على الأحياء السكنية والمراكز الخدمية في مدينة سراقب شرقي إدلب 10 آذار 2019 (عنب بلدي)

آثار قصف الطيران الحربي على الأحياء السكنية والمراكز الخدمية في مدينة سراقب شرقي إدلب- 10 من آذار 2019 (عنب بلدي)

تعويض خسارة الممتلكات المنقولة 

رغم تركز النقاش على الممتلكات الخاصة غير المنقولة التي خسرها السوريون، المتمثلة بالمنازل والأراضي والمحلات التجارية والمصانع وغيرها، والقوانين التي تسهم بذلك ومنها القانون رقم (10) لعام 2018، يبقى من الصعب معالجة فقدان الممتلكات المنقولة، وفقًا للتقرير.

“إذ تتطلب إعادة الممتلكات إلى المالك الشرعي تعقّب البضائع المسروقة، وهي مهمة معقدة للغاية، ومن الممكن أن تتغير ملكيتها مرات عدة، وسيصعب إعادتها لأصحابها كجزء من عملية تحقيق العدالة بعد أشهر أو سنوات من حدوثها، كما لن يكون لدى معظم المالكين أي وثائق تثبت ملكيتهم للممتلكات المنقولة”.

مدير “مركز العدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، تحدث لعنب بلدي عن إمكانية تعويض الأهالي عن ممتلكاتهم المنهوبة، خاصة من استطاعوا توثيق عمليات النهب في صور وفيديوهات.  

وبيّن أنه يجب التركيز في هذا السياق على شقين، الأول هو الطرف الذي كان لديه تحكم فعلي وسيطرة على المدينة، والإجابة في حالة سراقب هي القوات الحكومية. 

والشق الثاني دليل على أن ما يحصل يتم برعاية القوات الحكومية، مشيرًا إلى أنه بمجرد توفر فيديو يُظهر عمليات النهب يمكن للنظام التذرع بأن من يقوم بها هم لصوص.

وأضاف العبد الله أنه في حال ظهور قوات حكومية أو شاحنات عسكرية تُسهم بنقل المسروقات، في أي صورة أو فيديو، سيكون لذلك أهمية كبيرة في عملية التوثيق، إلى جانب وجود شهود على الحادثة يمكن توثيق إفاداتهم حولها.

“وقد تكون الطريقة الأكثر فعالية لمعالجة الخسارة الاقتصادية المترتبة على عمليات النهب هي من خلال برامج (جبر الضرر)، التي يمكن أن تغطي الأحياء التي تعرضت للتعفيش، وكذلك تلك التي عانت دمارًا كنتيجة مباشرة للقتال”.

يمهد توفر الأدلة الدامغة والشهود وتوثيق الحقائق الطريق لتطبيق “العدالة الانتقالية”، التي تُتيح الملاحقات القضائية والمُساءلة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات الفاسدة.

ويشمل “جبر الضرر” التعويض المادي والمعنوي المباشر عن الأضرار، وردّ الاعتبار للضحايا، كالاعتذار العلني أو إحياء يوم للذكرى.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة