نساء في “الهول” عرضة للابتزاز من سجاني “الإدارة الذاتية”

إحدى سكان مخيم الهول شرقي الحسكة تواجه حارسًا للمخيم - 2019 (AFP)

ع ع ع

الرقة – عبد العزيز الصالح

لم تعلم “أم أسامة” حين اتصلت برقم نشر مرافقًا لاسم زوجها، أنها ستقع ضحية للابتزاز والنصب. لم ترَ قبل الاتصال بالرقم سوى غبار المخيم، وبعد دفع ثمانية آلاف و500 دولار للخروج من المخيم، لم يتبقَّ لديها سوى الغبار.

داخل خيمة مهترئة تعيش “أم أسامة” وأطفالها الأربعة، أكبرهم سنًا عمره ست سنوات والصغيرة عمرها سنتان. لم تتخيل السيدة الثلاثينية أن تنتهي بها الحال من الرمادي في العراق إلى بادية الحسكة، وحيدة بلا سند ولا معيل، وزوجها في سجن لا تدري موقعه ولا تعلم مدته.

تحدثت عنب بلدي مع عدد من ساكنات مخيم “الهول” في ريف الحسكة شمال شرقي سوريا، وتحدثن عن وقوعهن ضحية للابتزاز والنصب من حراس المخيم والسجون التي جمعت المشتبه بانتمائهم لتنظيم “الدولة الإسلامية” وعائلاتهم.

طلبت النسوة عدم الكشف عن أسمائهن لأسباب أمنية، وحاولت عنب بلدي التواصل مع إدارة المخيم للحصول على الرد لكنها لم تلقَ استجابة.

هربًا من الموت إلى الموت

عاشت “أم أسامة” مع زوجها ووالدته وأبنائهم حياة هادئة في العراق، قبل أن تصبغ رايات قوات تنظيم “الدولة الإسلامية” حياتهم بالسواد.

عمل زوجها في مجال البناء، كان يذهب من الصباح حتى المساء، ولم يملك اهتمامات أو هوايات أخرى غير العمل، حتى عام 2015، حين تقدم مقاتلو التنظيم في المحافظات العراقية الغربية.

ممارسات قوات تنظيم “الدولة” وانتهاكاتها والمجازر التي ارتكبتها أثارت صدمة العالم وخوفه، وكان الرد عليها بتشكيل تحالف دولي لمحاربتها بالتعاون مع القوات المحلية في العراق وسوريا.

انتشرت تسجيلات مصوّرة نقلت قيام عناصر “متشددة” من “الحشد الشعبي” العراقي بقتل الرجال على الهوية، ما دفع “أم أسامة” وعائلتها إلى الفرار متنقلين ضمن مناطق سيطرة التنظيم، إلى أن انتهت الحال بهم في الباغوز، آخر معاقل التنظيم.

على ضفاف “الفرات”، حوصر الآلاف في المعركة الأخيرة التي انتهت بالإعلان عن القضاء على قوات التنظيم في سوريا، في آذار من عام 2019.

جمعت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) النساء والأطفال في المخيمات، في حين اقتادت الرجال والفتيان إلى سجون متفرقة، بانتظار التحقيق والمحاكمة لدورهم في قوات التنظيم أو في ظل “الخلافة”.

نفت “أم أسامة” حمل زوجها السلاح، وقالت إنها وجدت اسمه بين قوائم نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مع أرقام للحصول على معلومات عن السجناء، وعند الاتصال حصلت على كامل المعلومات التي تؤكد هويته، لكن المجيب على اتصالها قدم لها أكثر من مجرد التأكيد على حياته.

“قال لي إن لم تساعدي زوجك سيحوّل إلى العراق إلا إذا دفعت مبلغ عشرة آلاف دولار”، أوضحت السيدة، وبعد المشقة وطلب المعونة، لم تتمكن “أم أسامة” سوى من جمع مبلغ ثمانية آلاف و500 دولار، قدمتها لوسيط ولم تحصل بعدها على شيء، ولا حتى إجابة على الهاتف.

وكانت منظمة “هيومن رايتس وواتش” انتقدت المحاكم العراقية التي اختصت بالمشتبه بانتمائهم للتنظيم، مع إكثارها من أحكام الإعدام دون الاستناد إلى أدلة أو تحقيق كافٍ يثبت ارتكاب المتهمين أي جريمة كانت.

“نصب” من “المحررين”

لم تطلب “الإدارة الذاتية”، المسيطرة على شمال شرقي سوريا، مسؤولية حراسة قوات تنظيم “الدولة الإسلامية” ولا رعاية عائلاتهم، إلا أن دعواتها للدول المصدرة لرعايا “الخلافة” السابقة لاستعادة مواطنيهم لم تلقَ آذانًا صاغية.

تحدثت “أم أسامة” عن عمليات ابتزاز مختلفة تتعرض لها النساء في المخيم، من أبرزها المطالبة بأموال لتحسين أوضاع السجناء من الرجال والفتيان، وإلا كان الرد بـ”تعذيب” السجين.
علميات “الابتزاز” تتسع، حسبما قالت “أم حسن”، وهي امرأة أربعينية من الرقة، لتشمل التفاوض على خروج النساء من المخيم وعودتهن إلى بيوتهن.

“أهلنا خارج المخيم توقفوا عن إرسال المال بسبب كثرة عمليات النصب والاحتيال التي يقوم بها عناصر الاستخبارات الكردية، فهم يعتبرون أموالنا حلالًا لهم بعدما خلصونا من داعش”، حسبما قالت لعنب بلدي.

قُتل زوج “أم حسن” في الباغوز، وبقيت وحيدة مع أبنائها الثلاثة في المخيم، إلى أن علمت بإمكانية خروجها في حال دفعت مبلغ ألف دولار للحراس.

ولكن هذا السبيل لا يفلح دومًا، إذ لجأت “أم حسن” مع عدد من النسوة إلى أحد الضباط في المخيم، الذي طلب من كل عائلة مبلغ ألفي دولار للسماح بخروجهم، ولكنه بعد الدفع “أنكر المال”، وما كانت “أم حسن” لتخرج لولا “ضغط” عشائر الرقة وتمكنها من إخراجها مع عشرات من النساء.

أقيم مخيم “الهول” منتصف التسعينيات ليضم خمسة آلاف لاجئ عراقي، وأُعيد افتتاحه منتصف نيسان عام 2016 من قبل “الإدارة الذاتية”، وفي حين لم يكن مجهزًا سوى لاستقبال 41 ألفًا، ضم في ذروته 73 ألف شخص، وحاليًا يسكنه أكثر من 65 ألفًا، 94% منهم من النساء والأطفال.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة