“خديجة” جداتنا الوحيدات

ع ع ع

نبيل محمد

بتقنية “ستوب موشن”، وبأقل من ثلاث دقائق، وبلغة بصرية شديدة البساطة، وبشكل يبدو وكأن الحكاية مروية على لسان طفل صغير يتحدّث عن جدته، يختصر شريط “خديجة”، للسوري بشر إدلبي، آلاف القصص التي لا بد أن لدى كل عائلة سورية مثالًا عنها في السنوات الأخيرة، حيث تبقى الجدة أو الجد حبيسي ذاكرة المنزل الصاخب، بعد هجرة الأبناء والأحفاد خارج البلاد، بحثًا عن مكان آمن للحياة. فتكون السنوات المتبقية في أعمار كبار السن هي استعادة لتلك الذاكرة فقط، يروونها لأنفسهم، وللغيّاب إن استطاعوا التواصل معهم، وبعيدون إحياءها كل يوم، بكل تفاصيلها.

دمى مصنوعة من المعجون ومن أدوات بسيطة أخرى، مكسوّة بألبسة قماشية ملونة، تتحرك في كادرها الصغير، لتوحي بجو العائلة، حيث طاولة تجمع الأفراد حول الجدة، وصوت أحاديث وضوضاء يشبه ضوضاء بيوت الجدات، بكاء طفل هنا وصياح آخر هناك، ولن يوقف هذا الصخب بالتأكيد إلا صوت رصاص يعلن بداية الحرب، ويبدد هذه الجلسات، ويكسر شكل الحياة الصافية، فيفرِغ الكراسي الخشبية المنتشرة حول الطاولة من الجالسين ليمضي كل واحد منهم في اتجاه، وتبقى الجدة وحيدة.

صور أفراد العائلة منتشرة في كل مكان، على يمين سريرها وإلى جانب علب الأدوية، حيث لا تستطيع الرقاد منقّلة أنظارها بين وجوههم، في الصالون خلف طاولة الطعام، يسكنون ذاكرتها لدرجة قدرتها على إعادة إحيائهم أمامها، حيث تنظر إلى ذلك الكرسي الفارغ على يمينها فترى فيه حفيدتها الغائبة، فتقرّب منها صحن الحلوى التي لا تقوى على التهامها في مائدة الوحدة تلك.

تزدحم صورة الفيلم بالأماكن الفارغة، الكراسي والزوايا التي توحي بالغياب، والتي شكَّلها صانع الفيلم بإمكانيات من الواضح أنها من أبسط ما توفر أمامه، من قطع أخشاب وأقمشة، كوّن بها ما تيسّر له من مناظر، لا يهم فيها إن كان هذا الكرسي مائلًا وتلك القطعة القماشية غير مرتبة، وذاك اللون قد لا يتناسب مع اللون المقابل له، مجرّبًا إنتاج القصة التي وفق ما يرويها مستوحاة من قصة جدته.
انتهى الفيلم بما هو متوقع له أن ينتهي به، فلن ترى الجدة أبناءها، ولن تعود السعادة لتعم في المنزل بالتأكيد، إنما دوى انفجار كسّر تلك المكونات، وخرّب حتى تفاصيل المنزل التي تساعد الجدة على استعادة الصور والمشاهد في مخيلتها. انفجار سيحرق كل شيء، وسيكون المسمار الأخير في نعش الذاكرة، وربما في نعش الجدة ذاتها.

أتاحت تقنية “ستوب موشن” لصانع الفيلم الشاب تخفيف كل تكاليف تلك الصناعة، فالمكونات التي صنعها بيده، يمكن أن تتحرك ويتم تصويرها في زاوية ما من منزله، وما عليه سوى تصوير المناظر، واستخدام الصور الثابتة لتكوين الحركة، حيث تعطي تلك التقنية مرونة، وتخفف تكاليف التحريك، وتسهم في مجمل الخطة الإنتاجية التي قام عليها الفيلم، والتي يبدو أنها فردية، تعتمد على جهود صاحب الفيلم ومساعدات بسيطة، قد تساعد في إغناء الفيلم.

تكوينات الفيلم البسيطة، وفقره الواضح، والأسلوب البدائي الذي اتخذه، والمشكلات في المكونات والصور فيه، لم تمنعه من أن يكون شريطًا لطيفًا قدّم بكل بساطة حكايةً كثيرًا ما ترددت أمام كاميرات مخرجي أفلام تسجيلية وروائية، حاولوا تقديم العزلة بشكلها السوري من خلال أعمالهم. وبالفعل استطاع “خديجة” أن ينال جائزة أفضل فيلم قصير بمهرجان “Le Mup” في مدينة مونتريال الكندية، المهرجان الذي يعنى بنقل تجارب سينمائية جديدة من العالم، ويعرض أفلامًا إنسانية عن حياة البشر في مناطق مختلفة من العالم، والذي رأى في “خديجة” قصة إنسانية حاول صانعها بكل ما أوتي من إمكانيات بسيطة أن يقدمها.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة