ع ع ع

علي درويش | نور الدين رمضان | زينب مصري

عشرات الشاحنات (الصهاريج) تتوافد يوميًا من تركيا عبر المعابر الحدودية مع سوريا، محملة بأطنان من المحروقات، تجد طريقها إلى شركات مسؤولة عن التوزيع أو إلى محطات المحروقات مباشرة، في مناطق سيطرة المعارضة شمالي سوريا.

كما تجد صهاريج المحروقات طريقًا آخر تتسلل عبره من مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى شمالي سوريا، لتتغذى المنطقة، التي يسكنها 4.1 مليون شخص حسب تقديرات الأمم المتحدة، من موردين أساسيين، بينما لا تملك أي موارد نفطية.

تدخل المحروقات الأوروبية، التي تشمل المازوت والبنزين الأوروبيين والغاز المنزلي، عبر المعابر على الحدود السورية- التركية، أما المحروقات المكررة بدائيًا بأنواعها والفيول للأغراض الصناعية فتدخل من مناطق “قسد” إلى مناطق سيطرة المعارضة.

وتتفاوت أسعار المحروقات بين حين وآخر، وسط غياب لرقابة “الحكومة المؤقتة” في مناطق نفوذها بأرياف حلب، تقابله محاولات من حكومة “الإنقاذ” في مناطق إدلب وريف حلب الغربي لضبط الأمر عبر شركات مرخصة.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف كيف تحدد أسعار المحروقات ومن المسؤول عن استيرادها، ومن ينظم هذا القطاع الشائك، بمقابلة إداريين في المعابر، وحكومات الأمر الواقع، وباحثين اقتصاديين متخصصين.

حصريًا.. شركة تركية تزوّد الشمال بالمحروقات

ترتبط أسعار المحروقات في شمالي سوريا بشركة تركية موردة لها، تحدد الأسعار.

وتستورد مناطق المعارضة كافة النفط من تركيا عبر شركة واحدة فقط، سواء إدلب أو حلب، بحسب ما تحدث به مدير المكتب الإعلامي في شركة “وتد” للمحروقات، صفوان الأحمد، وهي أبرز الشركات التي تستورد المحروقات في الشمال السوري، وصاحب محطات “السلام” المنتشرة في الباب واعزاز بريف حلب الشمالي والشرقي، عبد الله الدك.

رحلة شحنات المحروقات الداخلة إلى الأراضي السورية تبدأ من الموانئ التركية، حيث تصل الشحنات التي يستوردها عبد الله الدك أولًا إلى ميناء “مرسين” جنوبي تركيا، وتعبر بطريقة “ترانزيت” إلى الداخل التركي متجهة إلى المعابر مع سوريا.

وأوضح صاحب محطات “السلام”، أن للشركة التركية الموردة مندوبين (تجارًا أتراكًا)، وهي المورد الحصري للمحروقات إلى سوريا، وفي حال أراد التاجر السوري استيراد محروقات، يتوجه إلى أحد مندوبي الشركة، ويدفع تأمينًا قدره خمسة دولارات على كل طن محروقات للمندوب، الذي يحول الشحنات بدوره إلى التاجر في سوريا.

شاب يعمل في منشأة نفط بدائية في بلدة مارمارين في إدلب – 21 تشرين الثاني 2018 (رويترز)

وتتسلم المحطات والشركات السورية من الجمرك التركي (الدابو) على النقاط الحدودية من جهة تركيا، وخلال مرور الشحنات على المعابر من الجانب السوري يدفع صاحب الشحنات رسومًا (جمركًا)، وتدخل المحروقات إلى الأراضي السورية، وتفرغ محتويات الصهاريج في المحطات.

وبهذه الآلية، لا علاقة للدولة التركية، بشكل رسمي، في قضية تحديد الأسعار، حسب عبد الله الدك.

أما شركة “وتد”، التي تنشط في إدلب، فتنقل شحناتها على مراحل، حيث تصل إلى معبر “باب الهوى”، وتبدل الصهاريج على الجانب التركي من المعبر بصهاريج من “وتد”، ثم تفرز الصهاريج من قبلها على المحطات المنتشرة في إدلب، حسب صفوان الأحمد.

وحاولت عنب بلدي التأكد من هوية الشركة التركية الموردة، لكن شركتي “وتد” و”كاف”، اللتين تنشطان في إدلب، تحفظتا على اسمها.

ومن خلال التواصل مع عدة مصادر، من أصحاب محطات وتجار، توصلت عنب بلدي إلى اسم الشركة وهو “MT”، إلا أنها لم تجد معلومات تفصيلية عنها، أو أي معلومات خلال بحثها عن أي وجود للشركة في تركيا.

عوامل تحدد أسعار المحروقات

يدفع مستوردو المحروقات في شمالي سوريا أسعار الشحنات بالدولار الأمريكي، بينما تسعّر ضمن المحطات بالليرة التركية، بسبب عدم توفر فئات صغيرة من الدولار، وبالتالي فإن أسعار المحروقات تخضع لتبدلات سعر النفط عالميًا، وتبدل أسعار صرف الليرة التركية، حسب مدير المكتب الإعلامي في “وتد”، صفوان الأحمد.

كما تحدد أسعار المحروقات حسب خطة العمل التسويقية لكل شركة، والمنافسة بين الشركات التي تعمل في هذا المجال، حسب حديث مكتب العلاقات العامة في شركة “كاف” للمحروقات بإدلب، لعنب بلدي.

توجد شركتان في إدلب حصلتا على ترخيص للعمل في مجال المحروقات، “وتد” و”كاف”، ولكن لكل شركة حصة سوقية، وتعتمد هذه الحصة على المنافسة في الأسعار والانتشار.

أُسست “وتد” عام 2018، وكانت تعد المستورد الحصري للمحروقات في مناطق سيطرة حكومة “الإنقاذ”، ومن خلفها “هيئة تحرير الشام”.

بينما أُسست “كاف” عام 2018، وتقول إنها تعمل على الوصول إلى المستهلك بشكل مباشر عن طريق إنشاء محطات ومراكز تابعة للشركة.

وتعد “الإتاوات” التي تُفرض على شحنات نقل المحروقات داخل المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، لا سيما الشحنات القادمة من مناطق “قسد”، التي تصل أحيانًا إلى 700 دولار على السيارة لمصلحة الفصيل المسيطر، من المشاكل التي ترفع الأسعار، حسبما تحدث به الباحث الاقتصادي خالد تركاوي لعنب بلدي.

واعتمدت حكومتا “الإنقاذ” و”المؤقتة” على الليرة التركية في عمليات التداول، منذ حزيران الماضي، نتيجة تفاوت أسعار صرف الدولار أمام الليرة السورية، وارتفاع سعر الصرف ليتجاوز 3000 ليرة مقابل الدولار الواحد، مطلع حزيران الماضي، ثم عادت الليرة للتحسن والاستقرار عند 2000 ليرة تقريبًا.

إلا أن سعر صرف الدولار أمام الليرة التركية لم يكن ثابتًا أيضًا، إذ انخفضت قيمتها، في 18 من آب الحالي، ليصل سعر الصرف إلى 7.37 ليرة مقابل الدولار الواحد، بينما كان في 1 من الشهر نفسه، 6.95 ليرة مقابل الدولار الواحد، ما أدى إلى رفع أسعار المحروقات في الداخل السوري.

كما يلعب سعر النفط العالمي، الذي انخفض إلى أدنى مستوياته، في نيسان الماضي، بتسجيله 11.57 دولار للبرميل الخام، ليعاود التحسن تدريجيًا ويصل إلى 43.12، في 17 من آب الحالي.

وحصلت “وتد” من الشركة التركية على تخفيضات لأسعار المحروقات التي استوردتها خلال انخفاض أسعار النفط، في نيسان الماضي، ووصول سعر برميل النفط الأمريكي إلى أقل من صفر دولار لأول مرة في تاريخه.

إذ اشترت برميل البنزين بـ61.9 دولار، وبرميل المازوت بـ44 دولارًا، وجرة الغاز المنزلي بـ2.2 دولار، حسب صفوان الأحمد.

من يضبط الأسعار؟

في الأحوال المستقرة لدى المنظومات الدولية التي توفر دعمًا للمحروقات، تكون مسؤولية إدارة قطاع المحروقات داخل الدولة بيد “مؤسسسة عامة للمحروقات”.

وما زالت مؤسسة توزيع المحروقات (سادكوب)، التابعة لحكومة النظام السوري، تعمل على إدارة القطاع في مناطق سيطرته، حيث تنقل المحروقات من المصافي والمواقع النفطية وتوزعها على مجموعة من المراكز، وفق جداول وخطط معينة، وتوفرها بسعر مدعوم، وبالتالي تكون قد حصرت البيع فقط عن طريقها، وتجبر المحطات على سعر مدعوم تحدده، بحسب ما تحدث به الباحث الاقتصادي خالد تركاوي لعنب بلدي.

وفي الدول التي لا يوجد فيها نظام دعم، يمكن لأي تاجر أن يستورد المحروقات ويبيعها بأسعار محددة، بمعنى السماح لجميع التجار بالبيع، وخلق منافسة أسعار في السوق.

لكن هذا التنافس في الشمال السوري محصور في جهات محددة، وبذلك لا تخلق منافسة واسعة تؤثر على الأسعار لمصلحة المستهلك.

ولأن معظم من يعيش فيها من الفقراء (بحسب تقديرات الأمم المتحدة يعيش 83% من السوريين تحت خط الفقر)، ولا يوجد دعم للمحروقات، يُفترض أن يترك الأمر للتجار، لخلق منافسة بالسعر لمساعدة السكان، بحسب تركاوي، لكن إذا لم ترغب الجهة المسيطرة بمساعدة السكان فيجري البيع عن طريقها فقط.

وفي حال أردنا تنظيم هذه العملية يجب تحييد القطاع، وضبطه بيد إدارة مركزية، وهذا ينطبق على كل القطاعات وليس المحروقات فقط، حسب الباحث خالد تركاوي.

ويرى الباحث في مركز “الشرق” ومهندس النفط سعد الشارع، في حديث لعنب بلدي، أنه في حالة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، من الضروري تقسيمها إلى منطقتين، الأولى إدلب والأرياف المحيطة بها، التي تسيطر على سوق النفط والغاز فيها شركة “وتد”، والثانية بقية المناطق التي لا توجد جهة معينة تتولى إدارة المحروقات فيها.

ضبط عملية البيع ناتج عن عملية ضبط السوق، والمحروقات منتجات مستوردة بمفهومها العام، سواء المستوردة من تركيا أو القادمة من مناطق “قسد”، أي إن أسعار هذه المواد معروفة، وبالتالي فإن عملية البيع مبرمجة وفق ما يسمى “منظومة السوق”، بحسب الشارع.

وعلى سبيل المثال، إذا كان برميل البنزين يأتي من منطقة المنشأ في شرق الفرات بسعر 100 ألف ليرة سورية، ويتقاضى التاجر ربحًا قدره عشرة آلاف أو 20 ألفًا، فبذلك لا يوجد هامش كبير للتلاعب.

وفي منطقة إدلب وأريافها توجد شركة “وتد”، التي توزع المحروقات بطريقتين، الأولى على نقاط معتمدة (المحطات أو الكازيات) أو ما شابه ذلك، أو في أماكن توزيع خاصة بها.

وتصدر “وتد” تقريبًا بشكل يومي نشرة أسعار، وهذه عملية ضبط كبيرة، والعملية أشبه بإدارة المحروقات في مناطق سيطرة النظام السوري، حيث يسعّر البنزين في ريف دمشق بنفس السعر في منطقة القامشلي في شمال شرقي سوريا (رغم التجاوزات غير الرسمية)، حسب سعد الشارع.

وهو ما يؤكده مسؤول العلاقات العامة في وزارة الاقتصاد والموارد بحكومة “الإنقاذ” (المسيطرة على إدلب وتنسق مع “وتد”)، محمد دعبول، الذي قال إن المحروقات تسعّر “وفق آلية معينة تحقق حماية للمستهلك وجودة المنتج واستمرار توفر المشتقات النفطية للفعاليات الاقتصادية”. ويجري ذلك بإلزام الشركات المرخصة لدى “الإنقاذ” بمخزون للمشتقات النفطية يكفي الفعاليات والخدمات الأساسية من مستشفيات وأفران ومياه وكهرباء، في حال انقطاع تزويد المحروقات.

وتلتزم الشركات المرخصة لدى “الإنقاذ” بآلية تسعير تصدر عنها أسعار دورية، في حال تغير سعر الصرف أو ازدياد أو انخفاض في سعر المحروقات من المصدر، حسب دعبول.

 “وتد”.. المتحكمة بقطاع المحروقات في إدلب

أُسست شركة “وتد” في كانون الثاني 2018، وتنقسم إلى عدة أقسام هي: الغاز والمحطات والأسواق.

أسست معملًا لتعبئة أسطوانات الغاز المنزلي وتوزيعه عبر مندوبين ونقاط، وأسست أسواق محروقات متفرقة في مناطق المعارضة.

منحت الشركة تراخيص لمحطات الوقود القديمة والجديدة.

وأسست سوقًا لاستيراد المحروقات من منطقة عفرين، وتوزيعها على المؤسسات والمحطات وإدراجها ضمن آلية التوزيع، بعد نشاط عمليات استيراد المحروقات المكررة والمستوردة من عفرين (القادمة من شرق الفرات).

و”وتد” شركة مساهمة يوجد فيها أكثر من تاجر، حصلت على ترخيص من حكومة “الإنقاذ” ولها سجل تجاري.

وتُتهم الشركة باحتكار تجارة المحروقات في إدلب، إلا أنها قالت إن أهدافها تنظيم عمليات تجارة المحروقات، وتنظيم استمرارية دخولها، والحفاظ على مخزون محدد لوقت الأزمات.

وانتقدت الشركة، عبر فيلم وثائقي أنتجته مؤخرًا، حالة تجارة المحروقات قبل عمليات “التنظيم”، إذ كان التجار يستغلون الأهالي بخلط المواد والغش ورفع الأسعار.

وكانت تنتشر نقاط البيع و”البسطات”، وتأخذ الدور الكلي في بيع المحروقات، ولم يكن هناك دور لمحطات الوقود المخصصة لهذا الغرض، حسب رواية الشركة.

ولم تكن هناك برامج تنظيمية أو سعة تخزينية أوعدادات من الممكن ضبطها، مع وجود تفاوت في الأسعار بين منطقة وأخرى نتيجة قرب المناطق من أسواق المحروقات العشوائية.

وبذلك تعتبر “وتد” أنها أنهت الفوضى التجارية التي كانت سائدة في الشمال.

لكن القيادي السابق في “تحرير الشام”، المعروف بـ”أبو العبد أشداء”، انتقد، عبر إصدار أسماه “كي لا تغرق السفينة” صدر في أيلول 2019، حصر الأعمال التجارية بشركات تتبع لـ”تحرير الشام” ضيقت على الأهالي، منها “وتد” التي أدى احتكارها لسوق المحروقات إلى حرمان عشرات الآلاف من الأهالي من أعمالهم في قطاع المحروقات.

رجل يدفع بالليرة التركية في محطة محروقات في جنديرس بريف حلب – 10 كانون الثاني 2020 (AFP)

“المؤقتة” لا تحصل على إيرادات..

“الإنقاذ” تحصر التراخيص

لا يسهم القطاع النفطي بأي عائدات مالية على “الحكومة المؤقتة”، التي تدير ريف حلب، وليست لديها أي استثمارات في هذا القطاع، لكنها تعد دراسة لاعتماد الاستيراد عن طريق الحكومة، وبيع المحروقات بسعر مناسب خاصة للفلاحين.

وحتى إعداد هذا الملف، لم تصل “الحكومة المؤقتة” إلى أي نتيجة، بحسب ما تحدث به وزير الاقتصاد في “الحكومة المؤقتة”، عبد الحكيم المصري، لعنب بلدي.

ومن الأسس التي يجب أن تتوفر لإدارة قطاع النفط، وجود وزارة معنية بإدراة هذا القطاع.

وفي الدورة الأولى من تشكيل “الحكومة المؤقتة” كانت توجد وزارة للطاقة، لكن في الدورات اللاحقة لم تُفتح حقيبة لهذه الوزارة، والسبب الأساسي لذلك أن مناطق سيطرة المعارضة لا توجد فيها منابع للنفط والغاز، وبالتالي لا توجد حاجة لأن يكون هناك وزارة، حسب الباحث سعد الشارع.

وطالب مواطنون وناشطون باستحداث إدارة لقطاع المحروقات، أشبه بـ”مؤسسة الحبوب” التي تدار من قبل “الحكومة المؤقتة”، ولكنها مستقلة بشكل كامل.

إذ تتولى “مؤسسة الحبوب” عملية شراء الحبوب وبيعها وطحنها وتوزيعها على المطاحن والأفران، لكن يبدو أنه بسبب حالة الفوضى الكبيرة التي تشهدها المنطقة عكفت الحكومات عن ذلك.

بينما تعد وزارة الاقتصاد والموارد في حكومة “الإنقاذ” المسؤولة عن إدارة المحروقات ومتابعة عمل الشركات والمحطات المرخصة لديها، في إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي.

وتوجد شركتان مرخصتان لاستيراد المحروقات في مناطق نفوذ حكومة “الإنقاذ” (إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي) هما “وتد” و”كاف”، إذ تعمل كل منهما على توزيع المحروقات عى منافذ البيع، بحسب ما تحدث به مسؤول العلاقات العامة في وزارة الاقتصاد والموارد بحكومة “الإنقاذ”، محمد دعبول، لعنب بلدي.

ولترخيص أي شركة في مناطق “الإنقاذ”، يجب الحصول على سجل تجاري، وأن تملك الشركة مقرًا ومستودعات للتخزين وحجم مخزون معينًا، وتحصل الشركة على الرخصة وتباشر بعملها في مجال استيراد المحروقات بموجب إذن استيراد، حسب دعبول.

وتخضع المحروقات لعمليات فحص في معبر “باب الهوى”، للتأكد من مطابقتها للمواصفات المطلوبة، وأيضًا ضمن الأسواق عند طريق دوريات التموين، التي تراقب جودة المنتجات، وتضبط حالات الغش والخلط والتلاعب بالأسعار وغيرها، حسب دعبول.

ويختلف حجم استيراد المحروقات في مناطق سيطرة المعارضة حسب العرض والطلب، وبحسب الفصل، ففي فصل الشتاء يزداد الطلب على المحروقات، وكذلك في مواسم سقاية المحاصيل الزراعية.

وتدفع شركتا “وتد” و”كاف” المرخصتان في إدلب ضرائب لحكومة “الإنقاذ”، وفقًا لعقود الترخيص المبرمة بين الجهتين.

وتنسق رئاسة مجلس الوزراء في “الإنقاذ” مع شركة “وتد”، ومنذ شهر أعلن المجلس عن اجتماعات دورية بين الطرفين، لسببين: الأول زيادة نشاط الشركة لتأمين حاجة المنطقة من المحروقات، خاصة أن هذه التجارة تتأثر بشكل كبير جدًا بالعمليات العسكرية.

وخلال عملية “نبع السلام” في شرق الفرات، التي أطلقها الجيش التركي مدعومًا بـ”الجيش الوطني”، في 9 من تشرين الأول 2019، ضد “وحدات حماية الشعب” (الكردية)، قطعت الطرق على الصهاريج التي تصل شرق الفرات مع أرياف حلب، وسبب ذلك شحًا بالمحروقات، وتضاعفت أسعار البنزين والمازوت.

ولا يرجح الباحث سعد الشارع إمكانية الوصول إلى إدارة مشتركة لهذه المناطق، لأن الأمر يتعلق بالمعابر الداخلية، التي تحصل أيضًا على “إتاوات” لدى مرور قوافل المحروقات، وتعود بالفائدة على الفصائل العسكرية.

لكن المسؤولية، بحسب الشارع، تقع على عاتق الحكومتين (الإنقاذ والمؤقتة)، ويجب عليهما أن يتوليا مسؤولية إدارة القطاع، لأنه يمس الحياة اليومية للمواطن، وهو أشبه بسعر ربطة الخبز، فارتفاع أسعار المحروقات حتمًا سيؤثر على ارتفاع أسعار السلع والنقليات.

وأشار الباحث إلى توارد معلومات تفيد بأن “وتد” حاولت منذ عدة أشهر أن تسيطر على أسواق أرياف حلب، أي مناطق عمليات “غصن الزيتون” (منطقة عفرين) و”درع الفرات” (بقية مناطق ريف حلب الشمالي)، لكن يبدو أن محاولتها لم تنجح.

غياب الحوكمة أثر على إدارة القطاع

يمكن القول إن هناك تمايزًا بين الجهات “الحوكمية” بمناطق الشمال السوري، في كل من محافظة إدلب، التي توجد فيها حكومة “الإنقاذ”، وفي عفرين وريف حلب ومنطقة عمليات “نبع السلام” (شمالي الرقة والحسكة)، التي تتولى المجالس المحلية فيها إدارة هذه المناطق، مع وجود رمزي لـ”الحكومة المؤقتة”، بحسب ما قاله الباحث في مركز “عمران للدراسات” محمد العبد الله، لعنب بلدي.

وكان للتمايز بين مناطق المعارضة من حيث الجهات “الحوكمية” أثر سلبي على إدارة ملف المحروقات، من جهة عدم وجود سياسات موحدة لضمان توفر المادة وعدم انقطاعها، والحد من عمليات التهريب والاحتكار بين هذه المناطق والمناطق المجاورة لها، ما له أثر كبير على عدم استقرار أسعار هذه المادة خلال السنوات الماضية.

وبالتالي، فإن عدم الاستقرار أثر بشكل كبير على الحياة الاقتصادية، وأرخى بتداعياته السلبية على مختلف القطاعات.

مشاكل تقابلها حلول

تتلخص المشكلات التي تواجه قطاع النفط، بعدم القدرة على ضبط عمليات التهريب وعمليات الاحتكار، والتلاعب بالأسعار، وعدم وجود كيان موحد في هذه المناطق معني بتقدير حجم الطلب، وتأمين المخزون الاستراتيجي الكافي من هذه المادة بهدف عدم الانقطاع المفاجئ في الأسواق.

ويرى الباحث محمد العبد الله ضرورة وضع خطة متكاملة لإدارة قطاع المحروقات عبر الجهات “الحوكمية” في مناطق المعارضة، ووجود تنسيق كافٍ بينها لضمان نجاح الخطة، والعمل على ديمومة تدفق النقود إلى هذه المناطق بالتعاون والتنسيق مع الجهات الدولية الداعمة.

كذلك العمل على محاولة التوسع في إبرام عقود مع الشركات الخاصة لتوريد المشتقات النفطية عبر الأراضي التركية، بحيث يضبط استيراد المحروقات عبر المعابر الحدودية مع تركيا، إلى جانب محاولة اعتماد آليات لتوزيع هذه المادة ضمن المناطق بما يتناسب والاحتياجات الفعلية للاستهلاك الفردي والإنتاجي، بالتعاون والتنسيق مع الأجهزة الأمنية داخل مناطق المعارضة.

هل تدعم “وتد” فصيل “تحرير الشام”

تعتبر شركة “وتد” إحدى الأذرع الاقتصادية لـ”هيئة تحرير الشام”، وأداتها للسيطرة على قطاع المحروقات والتحكم به، بما يحقق المكاسب الاقتصادية لها، بحسب ما تحدث به الباحث الاقتصادي في مركز “عمران للدراسات” محمد العبد الله.

والمراقب لنشاط الشركة منذ تأسيسها، يدرك بشكل واضح أن هدفها الأساسي من تسلّم هذا القطاع ليس خدمة المصلحة العامة بقدر ما هو أداة لاستغلال القطاع لخدمة مصالحها.

وذلك على عكس ما يشاع من أن هدف الشركة الإشراف على قطاع المحروقات وتنظيمه، وما تلعبه شركة “وتد” يشمل غيرها من الكيانات التابعة لـ”الهيئة” التي تعمل بشكل مستقل عن الوزارات ذات الصلة لدى حكومة “الإنقاذ”، حسب الباحث محمد العبد الله.

بينما يرى الباحث سعد الشارع أن “وتد” لا تسهم في تمويل “هيئة تحرير الشام” بشكل كبير، إذ لا تستطيع الشركة تمويل جماعة كبيرة كـ”تحرير الشام” أو حكومة “الإنقاذ”.

وبرر الباحث ذلك بوجود سعر مدعوم من قبل “وتد” لبعض المشتقات النفطية، وأضاف “نستطيع القول إن (وتد) إحدى الأذرع الاقتصادية لـ(تحرير الشام)، أما مدى الاستفادة المالية منها، فيحتاج إلى بحث مطول حول رأس مال الشركة وكمية المحروقات التي تبيعها”.

محل لبيع المحروقات في الباب – 22 آب 2020 (عنب بلدي)

English version of the article

مقالات متعلقة