الشاعر ياسر العظمة

ع ع ع

نبيل محمد

خذلان واستياء عام لدى جمهور الفنان السوري ياسر العظمة إثر عودته عبر قناته في موقع “يوتيوب” بمقطع شعري من تأليفه، بعد أن وعد جمهوره قبل أسبوع من تلك العودة، بمادة أسبوعية سيقدمها عبر قنواته الموثقة في “السوشيال ميديا”، فيبدو أن جزءًا من هذا الجمهور توقع لوحات فنية ما، أو تسجيلًا ساخرًا مشابهًا لأسلوب الفنان المحبوب من قبل جماهير عربية عريضة، فجاء بالشعر على غير ما انتظروا.

قصيدة ألَّفها العظمة عن دمشق، لا يمكن تخيل مستوى أفضل منها إن عرفنا أن الفنان يكتب الشعر، إذ لا بد أن يكون ما يكتبه مشابهًا لأسلوبه في كتابة النصوص المقفاة، التي طالما اعتاد تقديمها في لوحات من مسلسله مرايا، والتي كان السجع فيها يبدو خفيف الظل كثيرًا من الأحيان، لكن مع قليل من الاعتناء وإضفاء الطابع الجدي عليها ستصبح شعرًا يخرج بهذا المستوى لا بد، لا أكثر.

الفخرُ والصبرُ والقبرُ والعمرُ والعطرُ والغدرُ والدهرُ، وغيرها من قوافٍ ربما قيلت عشرات المرات على لسان عشرات من تغنوا بالمدينة التي طالما كان حضورها في الشعر أفضل وأجمل وأرق من حضورها في الحياة، على الأقل وفقًا لم عاصرناه نحن منها من جفاف “بردى” إلى حرائق الشام القديمة ووسخ شوارعها وياسمينها الذي سمعنا عنه ولم نجده، ورسوخ مجمع “يلبغا” الكالح وسطها.

يكرر ياسر العظمة ما مللناه، وبلغة أضعف بالتأكيد مما قالوا عن دمشق، ولعل من قالوا أشهر الشعر عن دمشق، إن قالوا مجددًا عن دمشق، ولن يقولوا فقد غيّبهم الموت جميعًا، فسيكون ذلك أيضا مملًا، طالما أنه يتغنى بالمدينة لا أكثر، وينتقد بشكل عام الدهر وما جاء به من جهل وظلم.

ليس جديدًا أن يكون الشعر أو التغني بالمكان والنقد العام مهربًا من اتخاذ موقف واضح صارم، خاصة إن كان اتخاذ الموقف مسؤولية على عاتق شخصيات لها تأثيرها وحضورها العام. طالما وجد كتّاب وفنانون وشعراء الحديث عن دمشق الوطن والياسمين، عن شموخ قاسيون، عن حب البلاد والتضحية لأجلها، مهربًا من وصف الحال بدقة، إن الشعر هنا حتى وإن حكى عن الظلم والمظالم ليس إلا تكرارًا للرمادية المريحة لمن لا يريد خسارة شيء، لن يسمي الظالمَ ولا المظلومَ، ولن يخسر أحدهما، سيكرر حبه لبلاده عارفًا بأن ما يقوله سيجد من يتداوله، ويعيد إنتاجه عشرات المرات فوق مواد فيديو من المدينة، وهو ما حدث بالفعل، ستجد صوت العظمة فوق فيديو من الشام القديمة، وصور قديمة لمطاعم على ضفاف “بردى”، وربما ضحكة طفلة تلعب في حديقة “تشرين”، وحتى فوق صورة خيمة في إحدى الضواحي، وستجده أيضًا فوق علم يرفرف أيًا كان لونه، ستجده فوق صورة للأسد إن شئت وللجيش الباسل، فالنص مرن للغاية.

حقٌّ للفنان بالتأكيد الكتابه والظهور كما شاء، يحق له أن ينشر ما كتبه، ولو على سبيل وداعٍ ما لبلاده، وهو مغترب عنها وفي سن متقدمة، أو كي يذكّر جمهوره بأنه موجود، عاشق لبلاده، مغترب عنها ومشتاق لها. له ذلك ولجمهوره ما شاء أيضًا، إلا أن الخذلان في هذا الموقع لا يبدو منطقيًا، هل بالفعل كان منتظَرًا أن يكون هناك مفاجأة؟ لعل إمكانيات الظهور بما هو أردأ كانت متاحة، وأكثر توقعًا من الخروج بشيء لا يقدِّم ولا يؤخِّر، ولا يغيِّر من حقيقة أن ياسر العظمة يعني بالنسبة لحيز كبير من جمهوره مجموعة لوحات من مرايا، مرَّت كل منها في أعوام مختلفة، فجاءت معبرة وواضحة وشجاعة وجميلة، إن كان أصلًا سر مرور تلك اللوحات في ذاك الزمن هو الشجاعة.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة