fbpx

“تصحر نخبوي” سوري ينتقل إلى مواقع التواصل

مواقع التواصل الاجتماعي (تعبيرية)

ع ع ع

عنب بلدي – صالح ملص

تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي من السوريين عبر “فيس بوك“، في آب الماضي، مقطعًا مصوّرًا للكاتب الكويتي من أصل عراقي نجم عبد الكريم، وهو يتحدث عن رأيه بالشخص المثقف، فـ”المثقف هو الذي يقلص أكبر قدر من السلبيات ويوسع دائرة الإيجابيات، قد يكون فلاحًا قد يكون نجارًا قد يكون عاملًا (…) المثقف ليس كلمة لواحد يتحدث باللغة العربية الفصحى، ويعرف السيمفونية التاسعة لبيتهوفين، وملم بلوحة الغرنيكا لبابلو بيكاسو (…) هذا مكتظ بكم معرفي وليس مثقفًا، المثقف الذي لا يسهم بانتشال المجتمع من التخلف والتعصب والطائفية، ليس مثقفًا”.

انشغل سوريون عبر “فيس بوك” ومواقع عربية في الأشهر الأخيرة بمناقشة آراء بعض الأشخاص “المحسوبين على شريحة المثقفين في سوريا” بشأن أحداث شاعت في الوسط السوري من خلال وسائل التواصل.

وكان لتلك الآراء ردود فعل ناقشت أحقية “النُخب المثقفة” بالتحدث باسم المجتمع السوري، ومدى دورها في التأثير على الرأي العام.

النُخب ترسم سياسة المجتمع والدولة

التمتع بشكل أكبر من أي جماعة أخرى بالقوة والنفوذ والمهارات والقدرات العلمية والتقنية والثقافية في مجتمع واحد هو الذي يحدد الطبقة النخبوية بشكلها العام، بحسب ما قاله الباحث الاجتماعي السوري طلال مصطفى لعنب بلدي.

وتكمن وظيفة النخب في المجتمع، خاصة بلدان العالم الثالث، بتنظيم مكونات المجتمع وتطويره إلى الأفضل، ما يؤهلها كي تلعب دور القيادة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، ويجري الاعتراف بفاعليتها، وفق ما ذكره مصطفى، من خلال الأثر التي تتركه في حياة الأفراد اليومية.

أما المفهوم الدقيق للنُخب الثقافية، فحدده مصطفى في الأشخاص الذين يمارسون تأثيرًا أكبر في مجال الإنتاج الفكري والثقافي في مجتمعاتهم وفي الحقول التخصصية الفكرية كافة (الكتّاب، والباحثون، والأدباء، والشعراء، والمفكرون، والإعلاميون).

“فالمثقفون يشكلون طبقة واسعة من العاملين في حقل الثقافة، ولكن النخبة منهم ترمز إلى أكثرهم تميزًا وتأثيرًا وحضورًا في الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع”، قال مصطفى.

وهذا يعني أن النخبة الثقافية تتشكل من كبار الأدباء والكتاب والمؤرخين والشعراء والفنانين، الذين يلعبون دورًا مميزًا وحيويًا في مجال اختصاصاتهم الفكرية والمعرفية في شتى العلوم الإنسانية.

وتحضر أهمية النخب الثقافية والسياسية، وفق حديث مصطفى، في كونها تتمتع بإمكانية تحديد المسار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في بلد معيّن، ورسم السياسة الرئيسة للمجتمع والدولة، وصنع القرار في أغلب الأحيان بتوجيه الرأي العام بشأن قضية معينة، وأن تكون قادرة على طرح الأفكار المتجددة بصورة تُفيد الأفراد بقابلية تطبيقها والاستفادة منها، لا أن تبقى في مرحلة التنظير بعيدًا عن الواقعية، ما يجعلها أكثر فاعلية وتأثيرًا.

“صحراء من النُخب بأنواعها”

عرفت سوريا في مرحلة ما بعد الاستقلال عام 1946 وحتى انقلاب حزب “البعث” عام 1963 كبقية المجتمعات في الشرق الأوسط النُخب في اختصاصاتها كافة (السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والقانونية)، ومارست نشاطاتها ونفوذها في المجتمع السوري وفي الأنشطة الاجتماعية كافة.

وعند انقلاب حزب “البعث”، توقفت النُخب السورية عن القيام بدورها الفاعل، وفق ما قاله مصطفى، إذ اتجه الحزب الحاكم في سوريا باتجاه تجربة الدول الاشتراكية، ولا سيما الاتحاد السوفييتي سابقًا، التي لا تؤمن بوجود النُخب حيث الحكم لدكتاتورية البروليتاريا (طبقة العمال)، الطبقة التي تمثل مصالح أغلبية المواطنين.

لكن هذا لم يطبق أيضًا، فعلى أرض الواقع ظهرت طبقة أصحاب الامتيازات الكبرى التي تحظى بها الأطر العليا للحزب والدولة، الشيء الذي يجعل منها طبقة مستقلة عن الطبقات الاجتماعية الأخرى، وبعيدة عن قضاياها ومشاكلها، دون وجود هامش من الحرية للتعبير عن ذلك، إذ صار “البعث” الاشتراكي، الحزب القائد للدولة والمجتمع بقوة القانون، من خلال الدستور السوري لعام 1973 في المادة الثامنة التي تتنافى مع أبسط المبادئ الديمقراطية.

وهكذا تحولت سوريا في عهد الأسد الأب إلى “صحراء من النخب بأنواعها”، وفق تعبير مصطفى، التي من المفترض أن تقوم بتأطير المواطنين سياسيًا ونقابيًا وتوعيتهم فكريًا وثقافيًا، من أجل القيام بتغيير حقيقي في المجتمع.

وجاءت الثورة السورية عام 2011 لتكشف نتائج هذا “التصحر النخبوي”، إذ كان عماد الثورة بسطاء السوريين في السياسة، غير المؤطرين في أحزاب سياسية سابقًا، وفق ما ذكره مصطفى، لذلك كان من السهولة على النظام قمعهم، وتوجيه بعض منهم باتجاه تنظيمات أصولية مسلحة، بعيدة عن أهداف الثورة.

ووفقًا لحديث مصطفى، فإن التفكك الفكري والسياسي والاجتماعي الحاصل في الشارع السوري بعد تسع سنوات من تجربة الثورة في سوريا، خير مثال على عدم وجود نخبة ثقافية تلم شمل الشعب السوري، وترسم له طريق النجاة من أزماته المتتالية لبناء سوريا كدولة تواكب الحداثة والقانون وحقوق الإنسان.

“إعجابات للبيع”

انتقل هذا التصدع من الواقع إلى وسائل التواصل الاجتماعي في النطاق السوري، فيمكن اعتبار هذه الوسائل التقنية بمثابة إعلام شعبي يشمل جميع أفراد المجتمع، بحسب مصطفى، الذي أضاف أن في كل فترة ينشغل سوريون بمشكلة ما، تزيد حدة هذا التصدع “دون وجود” جماعة نخبوية ثقافية لتوجيه الأفراد بشكل حقيقي إلى وعي فكري بعيدًا عن كتابة منشورات لا تفيد في شيء، إنما في بعض الأحيان “تصب الزيت على النار” من أجل الإعجابات والمشاركات والتعليقات، وفق مصطفى.

ولا تصنف كثرة المتابعين لشخص معيّن عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنه من النُخبة الثقافية، ولا تعدو كونها عملية تجارية بحتة، فهناك عشرات الشركات التي “تبيع الوهم” من خلال حسابات غير حقيقية لرواد مواقع التواصل بهدف رسم صورة ذهنية مزيفة لكثيرين بأنهم أشخاص ذوو أهمية على الصعيد العام للمجتمع في مواقع التواصل، فبحسب تحقيق نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عام 2018، فإن هناك شركة “ديفومي” التي تعتبر من إحدى عشرات الشركات في مجال “بيع الإعجابات والحسابات المزورة لـ200 ألف زبون”.

ويشتري الزبون في تلك الشركات المتابعين والإعجابات والمشاركات لبث انطباع ذهني بالانتشار، أقوى مما هو عليه في الحقيقة، وفق التحقيق، وكان من بين هؤلاء الكاتب والمنتج التلفزيوني إريك كابلان، صديق الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بالإضافة إلى الممثلة الأمريكية ديردر لفجوي، وبطل التجديف البريطاني جيمس كرانل، وعضو مجلس إدارة “تويتر” مارثا لين فوكس.

ولهذه الشركة زبائن أيضًا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ويدفع الزبائن نحو سنت واحد مقابل كل متابع، لكن بعضهم يحتاج إلى خدمات إضافية مثل “إعجابات” و”مشاركات” و”تعليقات”، ورغم أن “فيس بوك” و”تويتر” يحظران شراء المتابعين، فإن هذه الشركة تبيعهم لمن يريد علنيًا، بتصنيع “المتابعين” من روسيا أو بلدان شرقية.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة