fbpx

حرائق الغابات وانتهاكات الملكية العقارية الحراجية

ع ع ع

أحمد صوان

إن الاعتداء على ملكية العقارات الحراجية هو أمر معروف ومتكرر في سوريا منذ عشرات السنين، حيث يتم الاعتداء بإضرام الحرائق المقصودة، أو الاحتطاب الجائر، أو كسر الأراضي الحراجية وتسويتها باستخدام الجرافات الضخمة، وهكذا يتمكن المنتهكون من تغيير معالم العقار الحراجي، وإشادة الأبنية، أو غرس الأشجار المثمرة بدل الحراجية، ومن ثم يقيمون الدعاوى على أملاك الدولة لترقين الصفة الحراجية عن المساحة التي يضعون يدهم عليها، وتختلف مسميات الدعاوى التي يقيمونها مثل دعاوى الحيازة، أو التملك بالالتصاق، أو غير ذلك، ومع وجود بعض الفاسدين في الجهاز القضائي يتملك المنتهكون هذه المساحات من العقارات الحراجية بقرارات قضائية.

صدر القانون رقم (6) الخاص بالحراج بتاريخ 4 من آذار عام 2018، وهو القانون الرابع لحماية الحراج في سوريا، إذ سبقته قوانين للأعوام (1935 و1994 و2007)، وجميع هذه القوانين مع تعليماتها التنفيذية تؤكد الحرص على الثروة الحراجية، وعدم التعدي على عقارات أملاك الدولة (المصنفة كأراضٍ حراجية).

وللحراج والغابات أهمية كبيرة، إذ تعد الرئة التي تنعش الحياة في محيطها، فهي تنظف الهواء، وترسب الغبار، وتعدل المناخ، وتحمي التربة من الانزياح، وتمنع التصحر، وهي تعتبر محميات طبيعية تحافظ على الأصول الوراثية للنباتات، وتحمي الحيوانات والطيور من الانقراض، كما أنها ثروة حقيقية لموارد الأخشاب، ويقصد كثير من البشر الغابات في رحلات الاستجمام والاصطياف، لهذا يحرص العالم على حمايتها وزيادة رقعتها. 

مآخذ على القانونرقم (6) لعام 2018 الخاص بالحراج  

  •  نص القانون على عقوبات كثيرة بحق من يعتدي على الملكيات الحراجية، لكن الملاحظ أن معظم العقوبات قد تم تخفيفها بالمقارنة مع القوانين السابقة، كما أُلغيت عقوبة المؤبد لمن يضرم النار بالحراج في حال كان الدافع الإضرار بالاقتصاد الوطني، إذ ألغى القانون الجديد هذه الفقرة التي كانت موجودة بالمادة (44) من القانون رقم (25) لعام 2007.
  • سمحت المادة (47) بإجراء مبادلة بين الحراج الخاصة أو الأملاك الخاصة من جهة، وبين حراج الدولة وأملاك الدولة الخاصة في حالات عديدة، وتتم المبادلة بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير، وتعتبر هذه المادة ثغرة خطيرة تهدد بنقل ملكية العقارات الحراجية من أملاك الدولة إلى الأملاك الخاصة بمجرد اقتراح الوزير.
  • تنص المادة (15) منه على أنه: “تحدد أسس وشروط إضرام واستخدام النار وصنع الفحم ضمن الحراج وجوارها بقرار من الوزير”، وهو ما يفتح المجال لشرعنة إشعال النار بالحراج، والتسبب بإضرام الحرائق المتعمدة تمهيدًا للاستيلاء على مساحات من العقارات الحراجية كما يحدث مرارًا وتكرارًا.
  • تنص المادة (14) منه على أن: “حراج الدولة ثروة وطنية يجب حمايتها وتنميتها”، بينما كان ينص القانون الخاص بالحراج لعام 2007 على أن: “حراج الدولة ثروة وطنية لا يجوز التصرف بها، أو تقليص رقعتها من قبل أي جهة كانت”، وهو ما يعني أن القانون الجديد أغفل المنع المطلق للتصرف بالحراج، وسمح بإمكانية التصرف بها، بالإضافة لإمكانية تقليص رقعتها، وهو ما يعتبر تراجعًا على مستوى الحماية الحقيقية للحراج.
  •  يمنع القانون الخاص بالحراج لعام 2007 إنشاء أو تبديل أي حق عيني على أراضي الحراج، أما القانون الجديد فهو ينص على منع إنشاء أو تبديل أو نقل أي حق عيني على أراضي الحراج باستثناء تبديل مواقع حقوق الارتفاق بالمرور، وهذا الاستثناء هو بوابة واسعة تتيح إمكانية انتهاك الحراج بشكل واسع، بذريعة هذا التبديل الذي يتم بقرار إداري حتى دون دعوى، خاصة حين يطالب واضعو اليد بحق الطريق للمرور بين قطع الأراضي المتباعدة التي استولوا عليها فتتحول مساحات كثيرة من الغابات الحراجية إلى شبكة من الطرق بموجب هذا الاستثناء.   

ختامًا، قد يبدو هذا القانون في ظاهره متشددًا في حماية العقارات الحراجية، لكن الواقع العملي يدل على أن جميع القوانين السابقة واللاحقة لم تحقق الحماية المطلوبة بدليل أن المساحات الحراجية تتلاشى مع الزمن.

وبما أن النصوص القانونية مهما اتصفت بالحزم والشدة لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا بتطبيقها واحترامها، يجسّد الواقع المتردي في سوريا المقولة الشائعة “لا توضع القوانين في سوريا إلا لكي تُخْتَرَقْ”، وهذا التساهل وشيوع ثقافة الإفلات من العقاب تسببت بتقليص مساحات الحراج في سوريا من نسبة 32% من مساحة البلاد في مطلع القرن الـ20، إلى أقل من 4% في سنة 2009.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة