عامر بركات.. وهل تكفي عبارات الوداع؟

ع ع ع

عروة قنواتي

رحل عامر بركات بطل سوريا برياضة “تنس الطاولة” مع ولده عمر، غرق في نهر “الفرات” قبل أيام، وكما الثواني القليلة التي شاهدتها عن انتشال جسده من داخل النهر، وبنفس الهدوء الذي كان عليه في حياته وفي بطولاته، كان أيضًا في مماته رحمه الله.

في أي مقام نستطيع قبول عبارات الوداع والأسى على الفقد، على الشوق المبكر بعد الرحيل السريع، على قطار الموت الهادر والمبدع في قطف ألوان الربيع؟

وفي أي مقام يستطيع أحد منا أن يكتب عن إنسان لم يلتقِ به، لم يتحدث إليه، اللهم إلا دقائق للذكرى، يكتب وكأنه الخل و السند و كتف الأمان في هذا الزمان.

لماذا ترتفع صرخات الوصف على صرخات اللقاء في حضرة الموت؟ طيب نبيل شجاع، محب لا يعرف الكراهية ولا القسوة، وجهه يطفح بالسماح والرضا، أوصاف الأصدقاء والأحباء عما فقدوه في رجل، رجل واحد، صديق واحد.

كيف لا يكتب القلم بنزيف الدم والدمع عن وفاة الطيب والمخلص ذي السمعة المضيئة والمنيرة حبًا وأخلاقًا؟

لم أشاهده يومًا، ولكن أيام عملي في السنوات السابقة كانت تضج باسمه، كما البعض من رفاق الدهر والزمن الصعب، أحاديث من رافقه في صالات اللعب والرياضة في زمن الثورة والحصار في مأساة التهجير و الاكتفاء بما تبقى.

سنوات وأنا أسمع عنك يا “أبو عمر”، سنوات وأنا أدوّن اسمك بين السجلات وفي الأخبار، مدربًا وزميلًا وأستاذًا وبطلًا في البلاد، يوم كانت البطولة الرياضية داخل الوطن صراعًا مع الحياة ومتطلباتها.

لم ينتصر لي الوقت لكي ألتقي بك، فوجدت قلمي يسجل جملًا وسطورًا من الأسف والألم على سفرك العاجل أيها الرجل الطيب.

كان المشهد سريعًا جدًا، اللقطة لشاب من فريق الإنقاذ يسحب صفحة من صفحات البطولة والمجد والموقف الرجولي إلى مثواها الأخير.

47 عامًا غير كافية يا “أبو عمر” حتى ينهل من علمك جيل جديد، حتى يمل منك الأصدقاء والأصحاب، غير كافية لكي ينسى صنيعك من شاهد ومن قرأ ومن سمع، غير كافية حتى يقتنع التراب بأن الضيف الطيب قد وصل بعد معارك خاضها وانتصر فيها، وحواجز عبرها بأقل و أكثر الخسائر، وصل هادئًا لطيفًا من نهر “الفرات”.

لن أتحدث بما يقوله أصحابك عن أيامك الأخيرة، فهي لك مع بريقها و ألمها، صفحاتك التي كنت راضيًا ومحتسبًا وقانعًا بها ستكون لذكراك في كل ساعة وفي كل وقت ينسكب فيها الدمع من رفيق درب، وتخرج تنهيدة عميقة يسجلها صاحب بين الجمع مع عبارة (رحمه الله).

كان لي عظيم الشرف بأن نكون معًا في مؤسسة واحدة، في مصير واحد ودرب واحد، وسأسأل أصدقائي الذين عرفوك يوم كنت نجمًا محليًا لامعًا في الرياضة، ويوم كنت رجلًا شجاعًا في مواجهة الظلم، ويوم اقتربت من مثواك الأخير.

سأحكي لمن يود أن يقضي وقتًا في ممارسة لعبة “تنس الطاولة” بأن عامر بركات مر من هنا، ورحل مسرعًا.

وداعًا عامر بركات، وداعًا أيها الرجل الطيب.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة