fbpx

كيف تغيّر “Netflix” قواعد لعبة الإنتاج في العالم العربي؟

سامر اسماعيل ومكسيم خليل في لقطة من مسلسل المنصة 2020

ع ع ع

عنب بلدي – يامن المغربي

شكّل دخول شبكة “Netflix” الأمريكية إلى سوق الإنتاج العربي تحديًا أمام منتجي المسلسلات العربية، مع السوية المرتفعة للأعمال التي تنتجها الشركة الأمريكية وتعرضها حصريًا عبر منصتها الرقمية، واعتمادها على قوالب محددة للإنتاج.

يكمن التحدي في قدرة شركات الإنتاج العربية، التي اعتادت على طريقة عمل وإنتاج معينة، على مجاراة المسلسلات التي ترصد لها الشبكة ميزانية ضخمة، وتتمتع بهامش من الحرية يتجاوز الحواجز المجتمعية.

وفتح دخول الشركة الأمريكية المثيرة للجدل، باب النقاش حول مدى قدرة المسلسلات السورية والعربية على الاستفادة منها لتطوير أعمالها ونشرها إلى خارج حدود العالم العربي.

دخول يؤثر على سوق الإنتاج العربي

دخول “Netflix” السوق العربية شكّل مفاجأة لسببين، فالشركة الأمريكية لم تلجأ إلى الدراما السورية أو المصرية، اللتين شكلتا حجر الأساس خلال السنوات الماضية للدراما العربية، سواء من خلال الأعمال المنفردة أم حتى في الأعمال المشتركة بينهما، إذ أنتجت الشركة أول مسلسلاتها العربية في الأردن عام 2019، وحمل اسم “جن”.

والسبب الثاني هو أن “جن” أثار جدلًا كبيرًا بين المتابعين تخطى حدود البلد المنتج، الأردن، وانتقل إلى مختلف البلاد العربية، لما احتواه من ألفاظ يرى متابعون أنها “خادشة للحياء”، بالإضافة إلى مشاهد صُنفت كمشاهد “ساخنة” بين أبطال العمل الشباب.

ورغم الجدل، لم تتوقف الشركة عن إنتاجاتها، وأعلنت في عام 2019 عن إنتاج مسلسل آخر حمل عنوان “مدرسة الروابي للبنات”، تبعه مسلسل “دولار” اللبناني في العام نفسه، ثم إعلانها في العام التالي عن عرض مسلسل “ما وراء الطبيعة”، المقتبس من سلسلة شهيرة تحمل الاسم نفسه للكاتب المصري الراحل أحمد خالد توفيق، ومن بطولة الممثل المصري أحمد أمين وإخراج عمر سلامة، وكلاهما من الفنانين المصريين الرائدين في الوقت الحالي.

ويرى الناقد السينمائي المصري أمير العمري، في حديث إلى عنب بلدي، أن دخول الشركة الأمريكية سيدفع دون شك إلى المنافسة مع الإنتاج العربي، وبالتالي سيحسن هذا الأخير من إنتاجاته، وهو أمر يراه العمري إيجابيًا.

وأكد المخرج السوري هشام زعوقي أنه من المنطقي، من حيث المبدأ، أن يتحسن الإنتاج شكلًا ومضمونًا، لأن الشبكة الأمريكية لديها شكل وشروط ثابتة للإنتاج تتعلق بالسيناريو والحوار والتصوير والاهتمام بعناصر صناعة المسلسلات كافة، وهذا يؤدي إلى تشكيل تحدٍ للدراما العربية والمنتجين العرب يحفزهم للعمل على هذا المستوى.

لكن هشام زعوقي قال، في حديثه إلى عنب بلدي، إن نمط إنتاج الدراما العربية مختلف عن أي إنتاج آخر في العالم، ولها شروطها المادية إلى جانب رأي المشاهد والرقابة والمواضيع التي تطرحها، وجزء من هذه الشروط والأساليب والخصوصية تابعة لمنطق السوق والمشاهد العربيين، وهنا يكمن التحدي الأساس أمام شركات الإنتاج العربية.

في حين أشار المخرج السوري دلير يوسف إلى أن دخول “Netflix” ربما يدفع بمنتجي الدراما للابتعاد عن موسم رمضان وتقديم مسلسلات بـ30 حلقة مليئة بالترهات، فقط من أجل ملء الوقت، وبالتالي إنتاج مسلسلات مكثفة وذات سوية عالية.

وتنتج البلاد العربية عشرات المسلسلات الدرامية المخصصة للعرض ضمن ما أُطلق عليه “الموسم الرمضاني” سنويًا.

الدراما السورية نموذجًا.. لتجاوز الأزمات؟

مع دخول “Netflix” إلى السوق العربية، واستعانتها مؤخرًا بعدد من الممثلين السوريين، وتحديدًا في مسلسلها الأخير الذي حمل اسم “المنصة”، ولعب دور البطولة فيه مكسيم خليل وسلوم حداد وسامر إسماعيل ولين غرّة، يبرز السؤال حول مدى إمكانية استفادة الدراما السورية الواقعة في أزمة كبيرة على الصعيدين الإنتاجي والفني من وجود “Netflix”.

وسبق لـ“Netflix” أن استعانت بالمخرج السوري سامر برقاوي لإخراج مسلسل “دولار” من بطولة عادل كرم وأمل بوشوشة في 2019.

كما عرضت الشبكة عبر منصتها في العام نفسه مسلسل “الكاتب”، من بطولة باسل خياط وإخراج رامي حنا.

ويعتقد المخرج هشام زعوقي، أن الدراما السورية غير قادرة على الاستفادة من شبكة “Netflix”، لأن الأزمة التي تعيشها الدراما السورية بالأساس ليست أزمة إنتاج فقط.

وأضاف زعوقي أن الدراما السورية تعاني من أزمة مجتمع وواقع سياسي، وأزمة عمل فني ومخرجين وكتاب، ورغم أن هناك مخرجين حرفيين في سوريا وجيدين، يحتاج الإخراج إلى استراتيجية كاملة، وكذلك العمل الفني.

وتابع المخرج السوري أنه “في سوريا، يؤدي الممثلون حوارًا أمام الكاميرا ضمن ثلاث لقطات معروفة ودون أي روح، هذا الأمر يعود لأن المخرجين في سوريا يعملون بمبدأ الحرفة لا العلم والمعرفة والمنهجية اللازمة، والدراما أصبحت مجرد تطبيق حرفي للسيناريو”، لكنه مع ذلك لا ينفي وجود بعض المسلسلات الجيدة، حسب رأيه.

ولأول مرة منذ تدفق الأموال الخليجية للاستثمار في الدراما السورية في تسعينيات القرن الـ20، عُرضت عشرة مسلسلات سورية فقط ضمن السباق الرمضاني للموسم الماضي 2020، ويعكس هذا العدد الضئيل، مقارنة بالأعوام السابقة، بعض جوانب هذه الأزمة التي تمر بها صناعة الدراما السورية.

وسبق أن أنتجت الشركات الفنية في سوريا أرقامًا كبيرة على صعيد الكم، إذ شهد عام 2007 إنتاج 37 مسلسلًا، وفي عام 2009 عُرض 30 عملًا دراميًا، و22 مسلسلًا في عام 2011.

وفي حديث سابق لعنب بلدي، قال المخرج السوري أيهم سلمان، إن الدراما السورية تمر اليوم بأزمة “مختلفة وحقيقية”، لأنها خسرت طاقات فنية من كتاب وممثلين وفنيين، سواء ممن اتخذوا موقفًا مناصرًا للثورة السورية أم ممن غادروا سوريا ليحظوا بفرص عمل أفضل في الدول العربية، بالإضافة إلى الأزمة الإنتاجية لغياب الموارد المالية التي تستثمر في الدراما، وغياب سوق العرض المحلي، وعدم إمكانية تصوير المسلسلات داخل سوريا لفترة طويلة.

وربط هشام زعوقي أزمة الدراما السورية الحالية بغياب “فريق عمل متكامل وحقيقي”، إذ يوجد ممثلون جيدون فقط، يحتاجون إلى مخرجين يعرفون ماذا يريدون، ولديهم القدرة على قيادة الفريق الفني، مضيفًا أنه بناء على هذا الغياب، “لن أستغرب لو رأينا أعمالًا مستنسخة من (Netflix) أو غيرها، كقصص وأجواء وطريقة إخراج”.

 “Netflix” تفتح الباب لإنشاء منصات عربية

مع الانتشار الواسع للشبكة الأمريكية في العالم العربي، بدأت منصات عربية بالدخول إلى السوق العربية، فغيرت منصة “شاهد” السعودية مسارها، وأطلقت مصر منصة “Watch It”.

وأُطلق تطبيق “شاهد” في عام 2011، وكان بداية موقعًا إلكترونيًا تابعًا لمجموعة “MBC”، قبل أن تطلق المنصة تطبيقًا خاصًا بالأجهزة اللوحية والهواتف المحمولة.

ويتضمن التطبيق مجموعة واسعة من المسلسلات والأفلام العربية، وبدأ مؤخرًا بإنتاج أعماله الأصلية والحصرية، وهي في معظمها مسلسلات وأفلام مصرية وخليجية، بينما لم تطلق المنصة أي مسلسل سوري حتى اليوم.

أما تطبيق “Watch It” فيتبع إلى شركة “إعلام المصريين”، التي تمتلك شبكة تلفزيون “CBC” و”ON TV” و”الحياة” المصرية، كما تمتلك الشركة صحيفة “اليوم السابع”، بالإضافة إلى عدة مواقع إعلامية إلكترونية.

وأطلقته الشركة لتعرض من خلاله آخر الأعمال الدرامية والأفلام السينمائية، في أيار 2019.

ويرى الناقد السينمائي المصري أمير العمري أن العبرة من المنافسة ليست في إنشاء منصات عربية فقط، بل أن تكون قادرة على الإنتاج ورصد ميزانيات ضخمة والاستعانة بالمواهب المشهود لها سواء من المخرجين أم التقنيين أم الممثلين، وليس مجرد شراء مسلسلات وعرضها.

وأشار العمري إلى أنه بشكل عام يمكن أن تؤدي المنافسة إلى ظهور أشكال جديدة وتجارب أخرى مستقلة أيضًا.

من جهته، قال المخرج هشام زعوقي إن العالم العربي يجب أن يمنح الفرصة لمن يستحقها فعلًا، حتى تنجح وتؤثر محليًا ودوليًا، ضاربًا مثالًا بالأعمال الإسرائيلية التي أنتجتها “Netflix”.

ويرى زعوقي أن إسرائيل أنتجت أعمالها بطرق متقنة وخطيرة للغاية، توثق التاريخ من وجهة نظرها، مضيفًا، “لو دخل أي شخص لمشاهدة أفلام وثائقية عن فلسطين وظهرت له الأعمال الإسرائيلية سيقتنع تمامًا بروايتها”.

وأنتجت “Netflix” عشرات الأعمال الإسرائيلية التي تروي وجهة نظر الأخيرة في الصراع مع العرب، وهو ما أثار سخط المتابعين من الدول العربية.

وأضاف زعوقي أن دور “Netflix” في العالم اليوم، هو دور هوليوود سابقًا، تقرر للناس ما يجب فعله وبإمكانها خلق مزاج المشاهد، وإذا لم يلحق العرب أنفسهم سيخرجون من السباق باكرًا عبر تسليم الاختصاصيين من مخرجين وكتّاب وغيرهم، ضمن طواقم مهنية عالية تعمل وتخلق روح التنافس فيما بينها وتنجح في النهاية.

بينما يعتقد المخرج السوري دلير يوسف أن منصات عربية ستخرج إلى النور في الأيام المقبلة، مرجعًا السبب إلى أن العالم كلّه يتجه نحو المنصات البديلة عن القنوات التلفزيونية، والشركات العربيّة كذلك ستغير خططها لتواكب هذا التطور، ومنصة “شاهد” خير دليل على ذلك.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة