ع ع ع

علي درويش | نينار خليفة | نور الدين رمضان | خولة حفظي

جلسات حوار طويلة بدأتها الأطراف الكردية السورية، المتمثلة بقطبين رئيسين هما حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) و”المجلس الوطني الكردي” ومستقلين، منذ تشرين الثاني 2019، أبعدت حالة الجمود السياسي فيما بينها.

وبدأ الحوار الكردي- الكردي بمبادرة أطلقها قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، بعد العملية العسكرية للمعارضة السورية المدعومة تركيًا “نبع السلام” شرق الفرات، في تشرين الأول 2019، وإعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قرار انسحاب بلاده من بعض قواعدها في سوريا.

قطبا الحوار الرئيسان هما حزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي يشكل نواة “الإدارة الذاتية” المسيطرة على شمال شرقي سوريا، والمدعوم أمريكيًا، و”المجلس الوطني الكردي” المقرب من أنقرة وكردستان العراق والمنضوي في هيئات المعارضة السورية، والذي سبق أن أُغلقت مكاتبه واُعتقل عدد من أعضائه وطُردت ذراعه العسكرية من المنطقة.

وأعلن الطرفان عبر بيان مشترك، في17 من حزيران الماضي، أن المرحلة الأولى من الحوار، الذي أطلق عليه شعار “وحدة الصف الكردي”، انتهت.

وأوضحا أن اتفاقية “دهوك” عام 2014 حول “الحكم والشراكة في الإدارة والحماية والدفاع”، تعد أساسًا لمواصلة الحوار، بهدف الوصول إلى التوقيع على اتفاقية شاملة في المستقبل القريب.

وتأتي هذه الاجتماعات بدفع من أطراف دولية، أبرزها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وسط حذر تركي وترقب من المعارضة والنظام السوري.

وتحلل عنب بلدي في هذا الملف تأثير الحوار الكردي- الكردي، في حال التوصل إلى اتفاق، في رسم محددات العملية السياسية المستقبلية في سوريا، وخريطة التحالفات المحلية والدولية، وما ينتظر مناطق شمال شرقي سوريا من تطورات، ودور الدول الداعمة للاتفاق، وموقف الأهالي في مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية” بشمالي وشرقي سوريا.

إيجابي أم سلبي؟

كيف ينعكس الاتفاق على المشهد السياسي

وسط التجاذبات الإقليمية والدولية، والتسابق الروسي- الأمريكي على الاستثمار السياسي في شمال شرقي سوريا، ومحاولات تركيا لعب أدوار أكبر فيها، تثير الحوارات، الممتدة منذ أيار الماضي، والإعلان عن “اتفاق” في بعض البنود بين الأطراف الكردية، العديد من التساؤلات حول ما سيتركه الاتفاق الكردي- الكردي، في حال نجاحه، من أثر على مسارات الحلول السياسية التي تراوح مكانها اليوم، وعلى البيت الكردي وإمكانية ترتيب الخلافات القائمة فيه وتنحيتها جانبًا، لإفساح الطريق أمام توافقات من شأنها تقوية الموقف والتمثيل الكردي في جميع المحافل.

“مرجعية كردية عليا” تمتلك “رؤية سياسية مشتركة”

المنسق العام لـ”حركة الإصلاح الكردي”، وعضو الهيئة الرئاسية لـ“المجلس الوطني الكردي”، فيصل يوسف، اعتبر أن التوافق الكردي- الكردي سيسهم بتشكيل حالة جديدة في المشهد السياسي السوري، لأنه يعبّر عن الموقف الكردي الموحد في شتى المجالات، من خلال بناء “مرجعية كردية عليا” لها صلاحيات تمثيل الشعب الكردي.

وأشار يوسف، في حديث لعنب بلدي، إلى أن الكرد يشكلون القومية الثانية من حيث عدد السكان في سوريا، وأنهم بطبيعتهم ينشدون الديمقراطية، ويطالبون باحترام حقوق الإنسان، ويسعون لحجز موقع لهم بين صفوف المعارضة المؤمنة بالحل السياسي، وتنفيذ القرارات الدولية المعنية بالشأن السوري.

“يشكل الكرد في سوريا حوالي 10%، ويتجمعون بشكل أساسي في ثلاث مناطق، هي محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، ومدينة عين العرب (كوباني) شمالي حلب، وعفرين شمال غربي حلب”.

ولفت يوسف إلى أن المرجعية الكردية الناشئة، التي ستشترك بها معظم القوى السياسية الكردية، ستكون لها “رؤية سياسية مشتركة” تتضمن الالتزام بالعملية السياسية الجارية حاليًا وفق القرارات الدولية الخاصة بحل الأزمة السورية، مع التأكيد على توسيع دائرة التمثيل الكردي فيها، والمطالبة بضمان حقوق مكونات الشعب السوري كافة، بمن فيهم الكرد، من خلال الوصول إلى نظام حكم فيدرالي.

ويرى يوسف أن الاتفاق بين الأطراف الكردية سيسهم من جانب آخر بتعزيز دور الشعب الكردي على أكثر من صعيد، وسيضع حدًا للخلافات التي كانت سائدة في المرحلة السابقة، كما سينعكس إيجابًا على مسألة الدفاع عن المدنيين، وحمايتهم من “الإرهاب”، أو من أي جهة تريد إلحاق الضرر بهم، لحين إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، بحسب تعبيره.

عناصر من قسد يركبون على دبابة خلال عمليات السيطرة على الرقة (رويترز)

مساحة أكبر للمشاركة

الكاتب شورش درويش يتفق مع المنسق العام لـ”حركة الإصلاح الكردي”، فيصل يوسف، بالأثر الإيجابي الذي سيضفيه الاتفاق الكردي- الكردي على المشهد السياسي في سوريا بشكل عام، وعلى الكرد سياسيًا وعسكريًا بشكل خاص.

إذ سيسهم الاتفاق في تشكيل مركز قرار “كردي سوري” بعيدًا عن التجاذبات الإقليمية، كما أنه سيمنح كرد سوريا مساحة الحضور، والمشاركة في العملية السياسية ككتلة موحدة، ويكسر احتكار الأطراف الكردية التي تزعم تمثيل كرد سوريا، بحسب درويش.

وفي حديثه إلى عنب بلدي، اعتبر درويش أن من شأن الاتفاق أيضًا الإسهام في التقدم باتجاه اتفاق “كردي- عربي- سرياني” في شمال شرقي سوريا، ما يفسح المجال أمام جميع القوى للمشاركة في العملية السياسية، ومنح مناطق شمال شرقي سوريا حصتها التمثيلية المناسبة في مسار التفاوض وكتابة الدستور.

نموذج جديد سيفرض نفسه

قد يسهم تشكيل إدارة جديدة في المنطقة مبنية على اتفاق كردي- كردي ثم اتفاق كردي- عربي، في تحويل النموذج الجديد الناشئ بمناطق شمال شرقي سوريا إلى واقع مؤثر على الساحة السورية، لن يتمكن النظام من تجاهله، وفق درويش، مضيفًا أن ذلك قد يدفع إلى الخوض في عملية تفاوضية بين دمشق والقامشلي المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه استدرك بالقول، إن “كل شيء قد يبقى معلقًا على وقف الاعتراضات التركية المتواصلة على الإدارة الذاتية (الكردية)، وإقناع روسيا بجدوى دفع النظام السوري للتفاوض مع الإدارة”.

وفي السياق نفسه، يرى درويش أن التوافق الكردي- الكردي قد يكون له دور في تخفيف الضغوط التركية على الولايات المتحدة، إذ تسعى تركيا إلى إنهاء وجود حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD)، واعتبار المنطقة واقعة تحت سيطرة غريمها الكردي السوري، وسيمنح إشراك قوى سياسية كردية، كـ”المجلس الوطني الكردي”، واشنطن موقفًا أفضل للرد على المزاعم والتهديدات التركية المتواصلة.

وفيما يخص هيكلية الجسم الكردي الذي سينجم عن الاتفاق، توقع درويش أن تخضع الهيكلية الإدارية والعسكرية لتغييرات، لكنها لن تكون مختلفة بشكل جذري عن النموذج الحالي، لافتًا إلى أن التركيز سيكون على مسألتي الاقتصاد والقرار السياسي.

وكان الاتفاق الأولي الذي توصلت إليه الأحزاب الكردية، في حزيران الماضي، خلص إلى تشكيل “مرجعية سياسية كردية”، على أن تكون نسبة تمثيل “حركة المجتمع الديمقراطي” (يمثلها حزب الاتحاد الديمقراطي) فيها 40%، وكذلك نسبة “المجلس الوطني الكردي” 40%، ونسبة 20% للأحزاب والقوى غير المنخرطة في الجسمين السياسيين.

ولاحقًا، اتفقت الأطراف على أن يكون عدد أعضاء المرجعية 30 شخصًا، ممثلين وفق الآتي: 12 من “حركة المجتمع الديمقراطي”، و12 من “المجلس الوطني”، وثمانية من القوى السياسية من خارج الإطارين المذكورين.

وبحسب الاتفاق، فإن مهمة هذه المرجعية هي رسم الاستراتيجيات العامة وتجسيد الموقف الموحد، وتشكيل شراكة فعلية في هيئات “الإدارة الذاتية”، والتوجه نحو الوحدة السياسية والإدارية، ومشاركة كل المكونات الأخرى.

كما جرى الاتفاق على تأسيس لجنة مشتركة من المرجعية لدمج القوات العسكرية، ورفض وجود أكثر من قوة عسكرية في المناطق الكردية.

وكان قائد “قسد”، مظلوم عبدي، قال خلال لقاء مع “العربية. نت”، في شباط الماضي، إن “كل محاولات حل الوضع السوري والمفاوضات التي حصلت طوال السنوات الماضية في ظل غياب ممثلين عن الإدارة الذاتية، لم تحقق إلى الآن أي نتائج يمكن أن تلبي حاجة السوريين”.

وأكد عبدي أهمية مشاركة الكرد والمكونات السورية كافة في مفاوضات الحل السياسي.

واعتبر أن “اللجنة الدستورية تتناقض مع القرار الأممي (2254)، فهي لا تمثل كل السوريين وهذا خطأ”، مشيرًا إلى أنه “لا بد من أن يكون هناك إشراك لجميع المكونات السورية دون استثناء، لذلك نقول (حل سوري ودستور سوري ومفاوضات سورية)”.

وأضاف أن “الإدارة الذاتية” صارت مشروعًا واقعيًا لا يمكن القضاء عليه، ودون النظر إلى هذا المشروع بشكل واقعي لا يمكن تحقيق الحل في سوريا”، بحسب تعبيره.

مقاتلون من قسد في شرق الفرات – أيار 2018 (رويترز)

ماذا عن بقية المكونات؟

لا يشكل الكرد في مناطق “الإدارة الذاتية” شمال شرقي سوريا المجموعة العرقية الأكبر، وتتميز المنطقة بتنوع سكاني، يغلب عليه العنصران الكردي والعربي، إلى جانب مجموعات عرقية أخرى، كالسريان والآشوريين والأرمن والتركمان.

وتؤيد “الهيئة السياسية لمحافظة الحسكة” و”مجلس القبائل والعشائر السورية” أي تفاهم سوري- سوري يسهم بتحقيق مصالح الشعب السوري ووحدة أراضيه، وتطبيق القرارات الدولية المتعلقة، حسبما تحدث به مضر حماد الأسعد، رئيس “الهيئة السياسية لمحافظة الحسكة” والمتحدث باسم “مجلس القبائل والعشائر السورية”، لعنب بلدي.

لكن الاتفاق الكردي- الكردي يذهب في سياق تقاسم مكتسبات المنطقة، وإبعاد المكون العربي، الذي يشكل نحو 80%، عن المشهد السياسي، بحسب الأسعد.

وأضاف الأسعد أن “هذا الاتفاق ضد وحدة الأراضي السورية، ووجود تنظيم (PYD) في أي تجمع يعني وجود جهة إرهابية، وذلك يسهم بعملية تغيير ديموغرافي وهذا مرفوض”، معتبرًا أن “الحل في سوريا ومنطقة الجزيرة والفرات، يكون عبر طرد كل الغرباء”، مشيرًا إلى “النظام السوري، والميليشيات الإيرانية والروسية وتنظيم الدولة الإسلامية وPYD”.

من يريد الحل في المنطقة الشرقية يجب أن يجلس مع أبناء محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، وإيجاد حل مناسب، بعيدًا عن أجندات خارجية، حسب الأسعد، مؤكدًا ضرورة التوافق بين جميع مكونات المنطقة.

ويرى المحلل السياسي فراس علاوي، المنحدر من محافظة دير الزور، أن الاتفاق بين الجانبين إذا اكتمل قد يتسبب بانقسام بين المعارضة السورية، بسبب وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (وهي على خلاف مع هيئات المعارضة التقليدية المنخرطة في العملية السياسية)، وقد يصل إلى اضطرار “المجلس الوطني الكردي” إلى الانسحاب من “الائتلاف السوري المعارض”، مقابل احتمال لدخول كتلة سياسية مدعومة من “منصة موسكو” أو تكتل جديد إلى “المجلس الوطني الكردي”.

حوار تسبقه محاولات اتفاق فاشلة

تضمنت المباحثات الأولية للحوار الكردي- الكردي، منذ تشرين الثاني 2019، إزالة العوائق القانونية أمام “المجلس الوطني الكردي”، الذي يحظى بتوافق مع أنقرة، في مناطق سيطرة “قسد”، من أجل فتح مكاتبه التنظيمية والحزبية، ومزاولة نشاطه السياسي والإعلامي والاجتماعي، دون الحاجة إلى أي موافقات أمنية مسبقة، وذلك في سبيل إزالة جميع العقبات أمام عملية إعادة بناء الثقة بين كل الفعاليات السياسية والإدارية في مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية”.

وفي 29 من أيار الماضي، أعلن مظلوم عبدي بدء المرحلة الثانية من الحوار “الكردي- الكردي” الذي كان يسير ببطء، قبل أن يصل إلى “اتفاق أولي”، بحسب ما أكده عضو “المجلس الوطني الكردي”، فؤاد عليكو، لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن زيارة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، إلى شمال شرقي سوريا، في 20 من أيلول الحالي، تأتي بعد التوصل إلى اتفاق بين “المجلس الوطني الكردي” وحزب “الاتحاد الديمقراطي” على “المرجعية السياسية الكردية”، التي ستكون أعلى مرجعية سياسية كردية في سوريا، وذلك بعد جولة ثانية من المحادثات.

مع كل تحول سياسي.. محاولات سابقة فاشلة

ورفض “المجلس الوطني الكردي” الدخول في أي حوار مع حزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي شكل “الإدارة الذاتية” سابقًا وأغلق مكاتب “المجلس الوطني”، واعتقل أفراده، دون وجود جهة دولية راعية للحوار، حسبما تحدث به عضو “المجلس الوطني” في ندوة بحثية أجراها مركز “عمران للدراسات”، في تموز الماضي.

وحاول “الاتحاد الديمقراطي” و”المجلس الوطني” الدخول في مفاوضات تؤدي إلى تقاسم السلطة منذ 2012، وعقدا عدة اتفاقيات سابقة هي “هولير 1″ و”هولير 2” و”دهوك”، إلا أنها باءت بالفشل.

ويعزى الفشل لأسباب عدّة مرتبطة بسياسة المحاور الوطنية والإقليميّة من جهة، ومتعلقة بأسباب ذاتية نابعة من طبيعة الأطراف الكردية نفسها من جهة ثانية.

ولخص الباحث في مركز “عمران للدراسات” والمتخصص في الشأن الكردي بدر ملا رشيد، في ندوة بحثية، محاولات الحوار السابقة بين الأحزاب الكردية منذ 2011.

الأولى “مبادرة أحزاب الحركة الوطنية الكردية” بداية 2011، التي حاولت الأحزاب فيها الوصول إلى صيغة تفاهم فيما بينها ورؤية مشتركة حول مستقبل سوريا، وفق منظور الأحداث حينها (الثورة وبعدها قمع النظام).

وفي نهاية 2011 أُسس “المجلس الوطني الكردي”، وشكل “الاتحاد الديمقراطي الكردي” مجلس غربي كردستان، وهنا صار هناك كيانان سياسيان للتمثيل الكردي، تبعه تناحر بين الطرفين.

وأدى التناحر إلى ضرورة اتفاق بين الطرفين، أفرز اتفاقية “هولير 1″، في حزيران 2012، بأربيل العراقية.

وكانت الاتفاقية تنسيقية لإدارة المدن والعمل الميداني وإلغاء حمل السلاح بالمدن، وجاءت تماشيًا مع محادثات “جنيف 1”.

ومع انعقاد محادثات “جنيف 1” وعدم تطوير الاتفاق، جرى اتفاق آخر، شُكلت إثره “الهيئة الكردية العليا”، بهدف تمثيل المنطقة سياسيًا وإدارتها، والتنسيق العسكري والأمني بين الأطراف.

ونتيجة التقلبات السياسية الدولية حول الوضع السوري، وقبل عقد محادثات “جنيف 2″، عُقدت اتفاقية “هولير 2” نهاية 2013 ، لكنها لم تستطع جذب الطرفين لتنسيق العمل ضمن هياكل حقيقية.

توجه بعدها حزب “الاتحاد الديمقراطي” إلى إعلان تشكيل “الإدارة الذاتية” في شمالي وشرقي سوريا، في 21 من كانون الثاني 2013، قبل يوم من “جنيف 2”.

ومع ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” منتصف 2014، وسيطرته على مناطق في سوريا والعراق، وتغير الخارطة السياسية في سوريا، وهجمات التنظيم على عين العرب (كوباني)، فُرض اتفاق جديد تمثل في اتفاقية “دهوك” وكانت تطويرًا للشكل السابق، وظهرت النسب السياسية بشكل أكبر.

وشُكلت ثلاث مرجعيات هي: “الإدارة الذاتية” و”لجنة الحماية” و”اللجنة السياسية”، أواخر 2014، بالتوازي مع هجوم التنظيم على عين العرب وتراجع تطبيق الاتفاقية مع انسحاب التنظيم.

ومع عملية “نبع السلام” التركية، في 9 من تشرين الأول 2019، دعا عبدي إلى حوار بين الأطراف الكردية، في محاولة لإيقاف نزيف الخسارة الكردية في حكم سوريا، بدعم أمريكي، تحولت وتطورت إلى مفاوضات مباشرة بين الطرفين.

كيف يؤثر الحوار على تركيا

حتى الوقت الحالي، لا تبدي أنقرة ارتياحًا لأي حوار كردي- كردي، ولا تزال تتمسك بموقفها التقليدي الرافض لقيام أي كيان كردي على حدودها.

وإذا أُقيم هذا الكيان مستقبلًا، استبعد المحلل السياسي حسن النيفي اعتراف أنقرة به، مرجحًا أن يكون سقف هذا الكيان “إدارة ذاتية” أو “لا مركزية إدارية” لا أكثر.

ولا تزال تركيا تبدي مخاوفها إعلاميًا إزاء الاتفاق، الذي قد تفضي إليه الحوارات الحالية، حسب حديث عضو الهيئة السياسية لـ”الائتلاف الوطني السوري” عن “المجلس الوطني الكردي” عبد الله كدو، لعنب بلدي.

لكن الرعاية الأمريكية للحوار تحقق درجة معينة من الطمأنة لدى تركيا، وإذا نجح الاتفاق، الذي يذهب إليه “المجلس الوطني الكردي” العضو في “الائتلاف” الحليف لتركيا، قد تكون أنقرة من أكثر الأطراف كسبًا.

إذ سيحقق تقوية للمعارضة الكردية خاصة والسورية عامة، مقابل إضعاف النظام، الذي تبدي أنقرة دعم المعارضة للتخلص منه، إضافة إلى توطيد مزيد من الاستقرار على حدودها الجنوبية، بحسب عضو “الائتلاف” و”المجلس” عبد الله كدو.

كما رجح كدو استمرار التواصل بين المسؤولين الأمريكيين مع تركيا، لوضعها بصورة تفاصيل سير الحوار نحو تحقيق الاتفاق، إذ يعد الطرفان (أنقرة وحزب الاتحاد الديمقراطي) من أهم حلفاء الأمريكيين في المنطقة.

واستبعد كدو وجود نية تركية لاستباق إعلان نتائج الاتفاق المزمع عقده بين الطرفين الكرديين.

كما لا يوجد أي مشروع كردي خارج قاعدة الحفاظ على وحدة سوريا أرضًا وشعبًا، لا نظريًا ولا عمليًا، أو خارج التوافق مع المعارضة الوطنية السورية الممثلة لعموم الشعب السوري، حسب تعبير كدو، وهو ما أكده المبعوث الأممي إلى سوريا، جيمس جيفري، بأن واشنطن لا تدعم أي مبادرة تضر بمصالح أو أمن أي دولة في المنطقة، وهو يؤكد على أن دعم الاتفاق يندرج في إطار دعم المعارضة الوطنية، للتخلص من المنظمات “الإرهابية” وكذلك الوجود الإيراني.

وكانت تركيا شنت عمليتين عسكريتين ضد “قسد” لإبعاد خطرها عن الحدود التركية مع سوريا، الأولى كانت على منطقة عفرين في كانون الثاني 2018، وانتهت بسيطرة المعارضة السورية مدعومة بالجيش التركي على المنطقة.

والثانية شرق الفرات، في تشرين الأول 2019، انتهت بالسيطرة على منطقتي رأس العين شمال غربي الحسكة وتل أبيض شمالي الرقة، الواقعتين على الحدود السورية- التركية.

وتصنف تركيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي تشكل “وحدات حماية الشعب” (الكردية) عمودها الفقري، على قائمة الكيانات “الإرهابية”.

وتعتبر أنقرة “الوحدات” التابعة لحزب “الاتحاد الديمقراطي” امتدادًا لحزب “العمال الكردستاني” (PKK)، المصنف على قوائم “الإرهاب” عالميًا، والمتّهم بتنفيذ عمليات تفجير واغتيالات في تركيا والعالم.

عناصر من قسد – تشرين الأول 2020 (AFP)

مكاسب فرنسية- أمريكية؟

تبذل كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا جهودًا لتحقيق توافق بين مختلف الأطراف الكردية في سوريا، وتقريب وجهات النظر، وإنهاء حالة القطيعة بين الأطراف المتخاصمة، لا سيما حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) وأحزاب “المجلس الوطني الكردي”، وذلك منذ إغلاق حزب “الاتحاد الديمقراطي” مقرات أحزاب “المجلس الوطني” في مناطق سيطرته.

وكحال جميع الدول التي تدخلت بطريقة أو بأخرى في الشأن السوري، توجد للدولتين أهداف من إصرارهما على إنجاح الاتفاق الكردي- الكردي ومكاسب تسعيان للحصول عليها.

واهتمت فرنسا وأمريكا ومعهما أطراف التحالف الدولي، البالغ عددها 76 دولة، بمنطقة شرق الفرات، منذ الإعلان عن التحالف الدولي لقتال تنظيم “الدولة الإسلامية”، لما للمنطقة من أهمية استراتيجية وتأثير سياسي، وما تتمتع به من موارد وثروات طبيعية، كالبترول والغاز، وغيرهما من الموارد الأخرى، إذ تشكل المنطقة سلة سوريا الغذائية، حسب حديث عضو الهيئة السياسية لـ“الائتلاف الوطني السوري” عن “المجلس الوطني الكردي” عبد الله كدو.

والواضح، حسب المحلل السياسي حسن النيفي، أن الأولويات في الاستراتيجية الأمريكية على الجغرافيا السورية، هي مقاومة النفوذ الإيراني في سوريا، وهذا ما يدفع واشنطن إلى التمسك بـ“قسد” كقوة حليفة يمكن من خلالها مقاومة ملحقات إيران في المنطقة الشرقية، وحتى تكون “قسد” قوة يقبل بها الجميع من أهالي المنطقة، يجب أن تكون على وفاق، سواء مع القوى الكردية أو سواها.

أما فرنسا، فهي تدفع باتجاه مقاومة النفوذ التركي والانحياز لحزب “الاتحاد الديمقراطي” لتوهم المجتمع الفرنسي بأنها تناصر الكرد جميعًا في المنطقة، حسب المحلل حسن النيفي.

ويرى عضو “الائتلاف المعارض” و”المجلس الوطني” عبد الله كدو أن الحوار الكردي- الكردي من شأنه تقوية المعارضة السورية في المنطقة وتوحيدها، لما للكرد من أهمية في المعادلة السورية، إذ يمهد الحوار إلى الانتقال لإجراء الحوار بين الكرد وشركائهم من العرب والسريان الآشوريين وغيرهم، وهو ما يضيق الخناق على النظام السوري وحلفائه وخاصة إيران وروسيا.

ويغلق قطع علاقة حزب “الاتحاد الديمقراطي”، ومن ورائه “قسد”، بالنظام الباب أمام أي أثر إيراني في المنطقة، ما يشكل ضغطًا قد يدفع بالنظام وداعميه للقبول بالجلوس حول طاولة مفاوضات “جنيف 1” الدولية الخاصة بحل الأزمة السورية، والقبول، عمليًا، بالقرار 225‪4 وغيره، حسب كدو.

وكانت الجهود الفرنسية والأمريكية كثفت نشاطها في أيار الماضي، وأجرت جولة مفاوضات بين الأطراف الكردية، إذ اجتمع الوفد الفرنسي لأول مرة مع “التحالف الوطني الكردستاني” المقرب من حزب “الاتحاد الديمقراطي “.

والتقى بعض ممثلي فرنسا في التحالف الدولي قبلها بقيادات من “المجلس الوطني الكردي” المعارض، وأبدوا دعمهم وتأييدهم للجهود الرامية إلى تحقيق التقارب والتفاهم بين الأطراف الكردية.

وجاءت الجهود الفرنسية بالتوازي مع أخرى أمريكية تجلت بزيارة ممثل الخارجية الأمريكية، السفير وليام روباك، ومساعدته، إيميلي برانديت، أواخر نيسان الماضي، لشمال شرقي سوريا، ولقائهما مع طيف واسع من قادة الأحزاب السياسية الكردية، للاستماع إلى آرائهم واقتراحاتهم المختلفة حول توحيد القوى السياسية الكردية.

وسبق أن أطلقت فرنسا مبادرة، عام 2019، لتوحيد الصف الكردي، والتقريب بين “المجلس الوطني الكردي” وحزب “الاتحاد الديمقراطي” إلا أنها لم تفلح في الوصول إلى حل.

وعقد السفير الفرنسي الخاص بالملف السوري، فرنسوا سينيمو، آنذاك، لقاءات مع ممثلين عن كرد سوريا في العاصمة الفرنسية باريس، خلال نيسان 2019، بهدف تقريب وجهات النظر وحل الخلافات العالقة بين الجانبين.

ونصت المبادرة حينها على ثلاث نقاط رئيسة، هي التزام جميع الأطراف الكردية بالقرارات الدولية ذات الصلة بحل الأزمة السورية، وتعزيز إجراءات بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، والمشاركة في العملية السياسية.

عربة أمريكية في ريف الحسكة (مراسل قناة روسيا اليوم)

هل تعود البشمركة إلى سوريا؟

البشمركة، أو رسميًا “قوات البشمركة الكردية”، هو المصطلح الذي يستخدمه الكرد للإشارة إلى مقاتليهم، ويعني في الترجمة الحرفية “الذين يواجهون الموت”.

في سوريا، نشأت قوات “البشمركة السورية” أو “بشمركة روج آفا” (غرب كردستان)، أواخر 2012، إذ تجمع ضباط كرد انشقوا عن قوات النظام السوري بعد أن وصلوا إلى أراضي إقليم كردستان العراق، وانضم إليهم متطوعون مدنيون، ويقدر عدد عناصر تلك القوات في أفضل الأحوال بــ12 ألف مقاتل.

منذ تأسيسيها كانت “البشمركة” السورية كذراع عسكرية للحزب “الديمقراطي الكردستاني السوري” أساس “المجلس الوطني الكردي” المنضوي ضمن “الائتلاف السوري المعارض”، قبل أن تصبح في 2015 جناحًا عسكريًّا لـ”المجلس الوطني الكردي”.

ويعود اسم “البشمركة” إلى الواجهة مع الحديث عن عودتها إلى سوريا في مرحلة متقدمة من الحوار الكردي- الكردي، بحسب عضو “المجلس الوطني الكردي” فؤاد عليكو، الذي أوضح أن الاتفاق على “المرجعية السياسية الكردية” لا يعني التوصل إلى “اتفاق شامل” بين “المجلس الكردي” و”الاتحاد الديمقراطي”، وسط وجود نقاط لم تناقش، منها عودة قوات “البشمركة” من شمالي العراق (كردستان العراق).

وشارك مقاتلو “البشمركة” الكردية في معارك مدينة عين العرب (كوباني)، في تشرين الأول 2014، ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، تحت قيادة غرفة عمليات مشتركة، نسقت مع غرفة عمليات أربيل للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وعبرت قوات “البشمركة” حينها عن طريق الأراضي التركية، لتتمركز بآلياتها ومقاتليها في عين العرب، قادمة من إقليم كردستان العراق.

عناصر “قسد” في ريف دير الزور (images getty)

English version of the article

مقالات متعلقة