fbpx

مخاطر قانون “إعادة تكوين الوثيقة العقارية المفقودة أو التالفة” على ملكيات السوريين

ع ع ع

أحمد صوان

صدر القانون (33) لإعادة تكوين الوثيقة العقارية المفقودة أو التالفة بتاريخ 26 من تشرين الأول 2017، وهو يهدف إلى استحداث آليات جديدة لم تكن موجودة في قانون السجل العقاري رقم (188) لعام 1926، المعمول به في سوريا منذ حوالي مئة سنة، إذ يعطي القانون “مديرية المصالح العقارية” حق القيام بمجموعة إجراءات تنتهي بإصدار بديل للوثيقة العقارية المفقودة أو المتضررة، ويعرّف القانون الوثائق العقارية المتضررة بأنها، “الوثائق العقارية التالفة كليًا أو جزئيًا أو التي ثبت فقدانها نتيجة الحوادث الطارئة”. 

وقد منحت المادة (2) منه الوثائق التي يتم تكوينها القوة الثبوتية نفسها الممنوحة للسجل العقاري، وتتم إعادة التكوين بأسلوبين هما: 

أولًا، إعادة التكوين الإداري:

إذ يُصدر الوزير المختص قرارًا بالإعلان عن البدء بافتتاح أعمال إعادة التكوين للوثائق العقارية المتضررة، ثم يصدر المدير العام للمصالح العقارية قرارًا بتشكيل لجنة أو أكثر برئاسة مدير المصالح العقارية لتحديد الوثائق العقارية المتضررة المطلوب إعادة تكوينها، فيُصدر مدير المصالح العقارية قرارات إعادة التكوين الإداري للوثائق، وتُنشر بالجريدة الرسمية، ويُعد هذا النشر بمثابة تبليغ شخصي لأصحابها.

ثانيًا، إعادة التكوين القضائي: 

يُكلف وزير العدل قاضيًا عقاريًا لكل محافظة للنظر في إعادة تكوين الوثائق العقارية، وبعد ذلك يُصدر قرارات تثبيت الوثائق العقارية، وتكون هذه القرارات قطعية، وينظر القاضي بالاعتراضات في غرفة المذاكرة (دون حضور الأطراف)، ثم تُصدر قرارات تثبيت الوثائق العقارية المطلوب إعادة تكوينها، وتُنشر في الجريدة الرسمية، وتُعد بمثابة تبليغ شخصي، وتكون قابلة للاستئناف الذي لا يوقف التسجيل في الصحيفة العقارية، ودلالة هذه الفقرة أن القانون ينظر لهذا الاستئناف بكل الاستخفاف، أي إن القانون لا يُعير أهمية لاستئناف صاحب الملكية الحقيقي، بل يُسجل الوثيقة الجديدة في الصحيفة العقارية دون أن ينتظر نتيجة الاستئناف. 

أخطار القانون على الملكية العقارية

1- تختلف الغاية المعلنة لهذا القانون عن الغايات الحقيقية له، كما أن اسم هذا القانون (تكوين الوثيقة) يوحي بالهدف منه لأن معنى التكوين هو (الخَلْقْ) أي خَلْق الوثيقة العقارية وإنشاؤها من العدم، أي إن النظام لا يُريد ترميم وإصلاح (مجرد سند أو سجل تالف)، إنما يهدف لإيجاد سجلات جديدة للملكية، يُسجل فيها الملكيات العقارية كيف يشاء ولمن يريد، كما أن الغاية منه التحضير لمرحلة إعادة الإعمار وتكوين الوثائق الجديدة بأسماء جديدة تمهيدًا لذلك، وما يؤكد ارتباط هذا القانون بملف إعادة الإعمار التصريح المنشور بموقع “المديرية العامة للمصالح العقارية” لمديرها العام بتاريخ 30 من تشرين الأول 2017، وقال فيه إن القانون رقم (33) “من أهم القوانين في مرحلة إعادة الإعمار لأنه يُحدد نواظم وآليات إعادة تكوين الصحائف العقارية المتضررة أو المفقودة”.

2- لقد عمد النظام لتدمير عدد من مديريات السجل العقاري وحاول إحراق بعضها في مناطق المعارضة، ويُعتبر ذلك خطوة تمهيدية لإصدار هذا القانون كي يتمكن من نهب الملكيات ومن ثم تكوين الوثيقة العقارية وتسمية المالكين الجدد كما يشاء، لهذا سوف يستخدم هذا القانون أداة لتغيير معظم سجلات الملكية في المناطق المدمرة التي تم تهجير أهلها.

3- تنص المادة (4) على أن يُصدر الوزير المختص قرارًا بالإعلان عن البدء بافتتاح أعمال إعادة التكوين للوثائق العقارية المتضررة، وهذا يعني أن القانون يستهدف مناطق عقارية كثيرة، وليس كما يوحي العنوان المراوغ بأنه يتعلق بإصلاح مجرد وثيقة عقارية مفقودة أو تالفة لمواطن يطلب ذلك، بل القضية أكبر وأخطر، وهي تشبه افتتاح أعمال التحديد والتحرير التي أُعلنت سنة 1926، وأسّست لنشوء السجل العقاري في سوريا الذي ضمن استقرار الملكيات العقارية منذ عشرات السنين.

4- تنص المادة (5) على الصلاحيات المطلقة الممنوحة للجنة المكلفة بتحديد الوثائق التي تتطلب التكوين، هذه الصلاحيات لم يضع لها القانون أي شرط أو قيد أو معيار كي تحدد ما الوثيقة التي تحتاج إلى إعادة تكوين، ثم جاءت التعليمات التنفيذية للقانون (33)، التي صدرت بالقرار (1) بتاريخ 14 من آذار 2018، خالية أيضًا من تحديد أي ضوابط لذلك، وتفعيلًا لهذا القانون أصدرت وزارة الإدارة المحلية والبيئة قرارًا بـ”افتتاح أعمال إعادة التكوين للوثائق العقارية المتضررة في المناطق العقارية: عربين، وزملكا، وعين ترما، وكفربطنا، وحزة، وسقبا، وجسرين، وافتريس”، وفق ما نشره موقع “زمان الوصل” نقلًا عن صحيفة “تشرين” في عددها الصادر بتاريخ 3 من حزيران 2019.

 5- يتم إصدار قرارات إعادة التكوين الإداري للوثائق العقارية المتضررة وتنشر بالجريدة الرسمية، ويعد النشر بالجريدة الرسمية بمثابة تبليغ شخصي لمن يود الاعتراض على هذه القرارات، ولا شك أن إجراءات التبليغ بالجريدة الرسمية تُعتبر تحايلًا على المالكين الذين يستحيل عليهم الاطلاع على هذه القرارات أو هذه الجريدة، ومعظم المستهدفين من هذه القرارات هم مشردون ولاجئون في أصقاع العالم.

6- تتضمن المادة (8) إجراءات تعجيزية لتقديم الاعتراضات باشتراط حضور المعترض أو وكيله القانوني، كما يمكن للقاضي أن يحكم بشأن الاعتراض دون حضور الأطراف، ويعد نشر القرارات بالجريدة الرسمية بمثابة تبليغ شخصي، ولا شك أنه يستحيل على المالكين الأصليين ممارسة حقهم بالاعتراض على قرارات تكوين الوثيقة العقارية، إذ من المستحيل أن يطّلع المهجرون على ما يُنشر بالجريدة الرسمية في دمشق، ومن المستحيل أيضًا حضورهم لتقديم الاستئناف بسبب الملاحقات الأمنية والخوف من الاعتقال.

7- أخيرًا، ونظرًا إلى خطورة هذا القانون على قيود السجل العقاري المستقر في سوريا، فإنه يستوجب الإلغاء بكل مفاعيله، وبكل ما نجم عنه من تكوين لوثائق عقارية ولدت باطلة ولا قيمة قانونية لها، نظرًا لآليات إصدارها، والظروف الاستثنائية التي نشأت فيها.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة