طه الطه ورحيل المؤرخ بعيدًا عن بلاده

ع ع ع

إبراهيم العلوش

رحل المؤرخ طه الطه بعيدًا عن مدينته التي يحبها، وبعيدًا عن متحفه الخاص، وبعيدًا عن المواقع الأثرية التي قضى العمر وهو يتجول بينها، تحالفت طائرات الأسد وروسيا وميليشيات النظام وإيران و”داعش” على ترحيله ليموت المؤرخ غريبًا في أورفا التركية.

عن عمر ناهز الـ73 عامًا، توفي طه الطه بعد أن هجر الرقة، وبعد أن تفرّقت عائلته في المنافي، توفي في غرفة بلا كهرباء، عاش فيها طوال خمس سنوات، منذ 2015 حتى رحيله بتاريخ 27 من أيلول الماضي.

طه الطه (1947- 2020) كان يجمع الآثار والتحف الفنية، وكان يجمع لوحات الفنانين التشكيليين في بدء مسيرتهم ويشجعهم في الوقت الذي لم يكن أحد يأخذ عملهم على محمل الجد، وكان يجمع قصاصات الجرائد والمجلات التي تتحدث عن الرقة أو عن أحد كتّابها أو فنانيها، وكان يختار أسماء سورية وعربية لمتابعة نشاطاتها وأخبار إبداعاتها الجديدة.

لقد جمع أرشيفًا كبيرًا عن عبد الرحمن منيف وعن عبد السلام العجيلي، وعن كتّاب الرقة وفنانيها، وعن المواقع الأثرية التي عايش بعثاتها ومنقبيها السوريين والأجانب، كان طه الطه يوجد في كل مكان، وفي كل لحظة، يتحدث عن حلمه بدمج الماضي مع الحاضر، وكان يخصص نصف بيته لحوار الماضي مع الحاضر، فعائلته التي تعيش في المطبخ وفي غرفة واحدة، كانت تترك الغرفة الأخرى للقطع الأثرية وللوحات الفنية ولقصاصات المجلات والجرائد التي كانت تتحول بين يديه إلى معرض وذاكرة تتربع على صفحات بيضاء، وتُعامل بأناقة واحترام رغم كل مظاهر العوز التي تلف المكان.

صادقَ طه الطه المبدعين الكبار، مثل عبد الرحمن منيف وعبد السلام العجيلي و ليلى العثمان و إبراهيم الخليل… وكل الكتّاب الجدد كانوا يعتبرون بيته ملاذًا لذاكرتهم عن الرقة وعن آثارها وعن فنها الحديث، وكانت معارضه السنوية التي أقامها في قبوه الكائن أمام منزل عبد السلام العجيلي في الرقة، أشبه بسوق عكاظ فني وآثاري واجتماعي، حيث تلتقي الأجيال السورية، ويلتقي الكتّاب والفنانون الكبار مع الكتّاب والفنانين الناشئين، وكان الآثاريون يجدون متنفسًا لهم في مجموعات طه الطه التي نجت من السجن في أقبية المتاحف، وكانت ذاكرة المدينة بكل تجلياتها تملأ المكان، من تاريخ البداوة والترحل مرورًا ببدء الاستقرار والازدهار، وصولًا إلى الرقة التي تستقبل مئات الألوف من النازحين السوريين وتقدم لهم المأوى والطعام والشعور بالأمان، ولو لأشهر قليلة، قبل أن يبدؤوا رحيلًا ثانيًا أو ثالثًا مصطحبين معهم الكثير من أهل الرقة الذين يفرون من قصف النظام ومن ظلم التنظيمات الدينية المتطرفة، التي جعلت الحق لعبة، والاحتكام إلى السلاح والتعذيب تسلية تبتز بها الناس أسوة بما يفعله النظام الأسدي.

لم يكن طه الطه المؤرخ الرقي الوحيد الذي تحمّل المضايقة وتجرّع المرارة والغربة، بل كان المؤرخ مصطفى الحسون قبله ضحية أخرى من ضحايا النظام، إذ تحداه النظام واعتقل أبناءه من أجل أن يكره موضوع حبه ودراسته للرقة ولتاريخها ولآثارها، ولم تشفع له ولا لأبنائه كل الخدمات التي قدمها للشأن العام، فقد كان الأمن العسكري هو صاحب القرار في زمن حافظ الأسد، وهو من يحكم على الناس بناء على أحكام جلاديه القاسية والفاجرة بحق الشعب السوري.

في زمن الأسد الأب فُجع المؤرخ مصطفى الحسون باعتقال أبنائه، وقُتل واحد منهم في زنزانة للأمن العسكري بدير الزور كما يقول بعض الشهود، وتُرك مصطفى الحسون الأب والمؤرخ يطوف الشوارع حزينًا وملتاعًا على أبنائه.

أما في زمن الأسد الابن، فقد هُجرت عائلة طه الطه، وتم إبعاده عن البلاد ليتوفى في غرفة مظلمة وفي بلد غريب رغم كل حبه لبلاده ولتاريخها، ولكل الأفكار والأعمال الفنية التي ينتجها أبناء بلاده.

فكما الأسد الأب لم يعبأ الأسد الابن بحال الناس وبحال البلاد وبمستقبلها، فكل عبقرية العائلة الحاكمة كانت ولا تزال مكرّسة لإخلاء البلاد من كل من لا يستسلم بلا شروط لعبودية آل الأسد وحكمهم المافيوي.

أمام الأحداث المأساوية التي تُلمّ بنا، والوفيات المفاجئة لرجالنا ولنسائنا الشجعان، عاد بنا التاريخ إلى الخلف عندما كان أجدادنا يكتبون التاريخ والأحداث المهمة عبر تاريخ وفاة الناس والمؤثرين منهم (وفيات الأعيان مثلًا)، وها نحن في الثورة السورية صارت وفاة الأشخاص هي المؤشر للكتابة عنهم واسترجاع تأثيرهم الذي لم نكن قادرين على تكثيفه في حياتهم، لقد شتتت المأساة أفكارنا وأحبتنا الذين كان ينبغي أن نحتفي بهم وهم على قيد الحياة.

المؤرخ طه الطه توفي وحيدًا ولم يكتب سيرته الذاتية، لم يؤرشف حياته، كان مشغولًا عن نفسه وعن عائلته بأرشفة الرقة وبأرشفة سوريا وأعمال كتّابها وفنانيها.

لقد عاش طه الطه في غرفة مظلمة وهو يحلم بالنور وبالأفكار الجديدة، وبالأصالة التي تنبعث من التاريخ الذي يحاول جمع أوصاله، عاش حالمًا ببلاد يملؤها الجمال والسلام والإبداع المتجدد.

ومن بعيد نقول وداعًا طه الطه، فتاريخ الديكتاتورية في بلدنا شتتنا ولم نعد قادرين على حضور مراسم جنازتك. كان بودنا أن نجتمع لنودعك أيها الرجل النبيل.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة