ع ع ع

علي درويش | نور الدين رمضان | زينب مصري

“من الفقر طلعنا”، كلمات كانت للشاب “أبو محمد” (25) عامًا، لدى سؤال عنب بلدي عن أسباب ذهابه للقتال في أذربيجان.

تحدث “أبو محمد” (اسم مستعار لأسباب أمنية) عن تقدم القوات الأذربيجانية على حساب الأرمينية في المعارك الدائرة بإقليم قره باغ المتنازع عليه بين الدولتين، ووجوده مع مقاتلين سوريين آخرين على الخطوط الأولى في المعارك، ونقاط الحراسة.

من خيمته في قرى عفرين انطلق “أبو محمد”، تاركًا زوجته وولديه، إلى معسكر لتجمّع المقاتلين في عفرين، بعد تسجيل اسمه مع مندوبين في فرقة “السلطان مراد”، أحد فصائل “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا.

نام ليلته في عفرين، وانتقل صباحًا إلى قاعدة عسكرية في حوار كلّس بولاية هاتاي جنوبي تركيا بالقرب من الحدود السورية.

نُقل بعدها عبر باصات إلى أنطاكيا مع مقاتلين آخرين، وركبوا طائرة “يوشن” عسكرية من أحد المطارات إلى أنقرة، ثم إلى العاصمة الأذربيجانية باكو، وتوزعوا على تخوم إقليم قره باغ، وباتوا ليلة في الإقليم لتبدأ المعركة في اليوم الثاني.

وفي بداية تشرين الأول الحالي، نعت حسابات تواصل اجتماعي الرائد كنان فرزات، بعد مقتله في معارك أذربيجان.

ينحدر الرائد كنان فرزات من عائلة عسكرية وميسورة الحال، وكان ممن هُجّروا من ريف حمص الشمالي في 2018، بعد اتفاق مع قوات النظام، خرجوا بموجبه إلى مناطق سيطرة المعارضة شمالي سوريا، وكان من العسكريين في فرقة “السلطان مراد”.

وتعمل كل من روسيا في مناطق سيطرة النظام، وتركيا في مناطق المعارضة، على تجنيد سوريين للقتال في ليبيا وأذربيجان، على الرغم من وقوفهما على طرفي نقيض في هذه المعارك.

إذ تدعم تركيا قوات حكومة “الوفاق” المعترف بها دوليًا في ليبيا، وأذربيجان في معاركها ضد أرمينيا، بينما تدعم روسيا قوات “الجيش الوطني” الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

وصار مصطلح “مرتزقة سوريون” أحد المصطلحات الشائعة في وسائل الإعلام العربية، للدلالة على المقاتلين السوريين الذين انتقلوا إلى ليبيا وأذربيجان وأرمينيا للمشاركة في المعارك الدائرة هناك.

تبحث عنب بلدي في هذا الملف الأسباب التي تدفع تركيا وروسيا للاعتماد على المقاتلين السوريين في معارك خارج سوريا، والأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت بالسوريين لساحات قتال لا علاقة لهم بها، وتأثير هذه الحالة على الصورة النمطية للسوريين.

ماذا تريد تركيا وروسيا من استخدام المقاتلين السوريين

تجري عملية تجنيد مقاتلين سوريين لتنفيذ مهام متعددة خارج الحدود من قبل شركات أمنية غير حكومية، بدأ نشاطها في تركيا بعد 2012، وفي روسيا منذ 2013، حسبما تحدث به الباحث عبد الوهاب عاصي لعنب بلدي.

وتُعتبر الشركات الأمنية إحدى الأدوات الجديدة لنزاعات المنطقة الرمادية وحروب الوكالة، التي تم اللجوء إليها منذ هجوم الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان عام 2001.

المنطقة الرمادية: عبارة عن حيّز جغرافي يشهد حالة من اللاسلم واللاحرب، مثل إقليم قره باغ، أو نزاعًا في بيئة أمنية غير مستقرّة مثل سوريا وليبيا.

ويُسهم التجنيد عبر الشركات الأمنية في إخلاء مسؤولية الحكومات عن العمليات خارج الحدود، لا سيما تلك التي تقع في المنطقة الرمادية، ومع تزايد التنافس بين تركيا وروسيا، يصبح نشاط الشركات الأمنية أكثر ملاءمة لإدارة التنافس بين الطرفين عبر حرب الوكالة.

ويرتبط الاعتماد على المقاتلين السوريين بالاستفادة من الخبرات القتالية، أو الحاجة إلى الوفرة العددية في تغطية جبهات القتال العابرة للحدود، إضافة إلى إخلاء المسؤولية، حسب الباحث عبد الوهاب عاصي.

أي ما يريده الروس والأتراك من استخدام العناصر السوريين، هو رفد قواتهم بمقاتلين، لدعم أصدقائهم في الجبهات، والتقليل من وجود عناصرهم ما أمكن في جبهات قتال مختلفة، حسب حديث المحلل العسكري اللواء محمود علي، لعنب بلدي.

واستبعد اللواء محمود علي تأثير إرسال المقاتلين خارج سوريا على جبهات القتال في الوقت الحالي، لأن أغلب الجبهات “ساكنة”، ولا توجد معارك، كما أن هناك قوات “كبيرة” في مناطق سيطرة المعارضة.

كما لا يرى أن هناك أسبابًا خفية لاستخدام المقاتلين السوريين، خاصة العناصر غير المنضبطين في مناطق سيطرة المعارضة، لأن أجهزة “الجيش الوطني” في المناطق “المحررة” قادرة على محاسبتهم، وفي حال كانت الإساءة كبيرة فالأتراك يتولون الأمر.

ويوافق الباحث عبد الوهاب عاصي اللواء محمود علي، في عدم تأثير إرسال المقاتلين على الجبهات، قائلًا إنه في ظل بيئة عمليات معقّدة تشهدها معظم الجبهات، حيث تعتمد تركيا على استراتيجية ردع تعتمد فيها على انتشارها العسكري الكثيف، وتنفيذ عمليات تسليح وتدريب واسعة ومستمرّة لمقاتلي المعارضة، بما يُغطي أي استنزاف في صفوفها.

أمّا روسيا فتعتمد أيضًا على وحدات عسكرية معيّنة لتنفيذ عملياتها القتالية، مثل “الفرقة 25” مهام خاصة، التي يقودها سهيل الحسن، في حين أنّ عمليات التجنيد تطال غالبًا عناصر سبق وقاتلوا في صفوف المعارضة السورية، وأجروا عمليات “تسوية” فيما بعد، حسب الباحث عبد الوهاب عاصي.

عناصر من الجيش الوطني في معارك شرقي إدلب – 24 كانون الثاني 2020 (فرقة السلطان مراد/تويتر)

أسباب تدفع السوريين للقتال في الخارج

لا يمكن إرسال جنود للمشاركة في معارك خارج بلدانهم، أو أن يذهبوا من تلقاء أنفسهم، من دون قرار من قادتهم أو الفصائل التي يتبعون لها، وذهاب الجنود في مهمة عسكرية  يختلف عن ذهابهم كـ”ميليشيات”، بحسب ما أوضحه الباحث الاقتصادي جلال بكار، في حديثه إلى عنب بلدي.

وذهاب المقاتلين من تلقاء أنفسهم هو “موقف شخصي” وليس أمرًا منظمًا، ما يعني أن ذهابهم بشكل منفرد من الممكن أن يكون من أجل المال، لكن إرسالهم بشكل منظم يأتي بقرار، يعتمد على أهمية وجود أي جنود في منطقة لتتمة المعركة الدائرة فيها.

وبحسب الباحث، “نحن لم نتأكد أساسًا من إرسال مقاتلين من سوريا إلى مناطق حروب أخرى”، مشيرًا إلى أن الذهاب من أجل الأموال يكون عندما يعاني المقاتلون من وضع اقتصادي لا يستطيعون فيه سد احتياجاتهم واحتياجات أهلهم وذويهم بشكل مباشر.

ولا يذهب أحد اليوم إلى أي منطقة حرب إذا لم يكن مضطرًا، إما على الصعيد القومي وإما على الصعيد المالي، حسب الباحث جلال بكار.

ويواجه المواطنون السوريون، على اختلاف أماكن إقامتهم، سواء كانت مناطق واقعة تحت سيطرة النظام السوري أو تحت سيطرة المعارضة السورية، أزمة اقتصادية ومعيشية، تتمثل في شح فرص العمل وصعوبة إيجادها، وعدم قدرة المواطنين على تأمين دخل ثابت، مع التقلبات التي تشهدها الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وغلاء المواد الأساسية وارتفاع الأسعار بشكل عام، وأزمة محروقات خانقة.

نظام محا الهوية الوطنية

لا بد من العودة إلى طبيعة النظام السوري عند الحديث عن إرسال مقاتلين سوريين للقتال في بلدان غير بلادهم وحرب غير حربهم، لأن النظام عمل على تكريس كل استراتيجيته السياسية لـ”تدجين” الشعب السوري في أيديولوجيا معيّنة خاصة به.

وكان ذلك منذ وصول الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، إلى الحكم في السبعينيات، إذ عمل على “تفكيك وتصديع” الهوية الوطنية الخاصة بالسوريين، بحسب ما أوضحه الدكتور السوري في علم الاجتماع، طلال مصطفى، لعنب بلدي.

وبدأ النظام السوري، خاصة بعد 2011، عندما لاحظ وجود إرادة جديدة عند السوريين، وعند فئة الشباب منهم بشكل خاص، وهوية تتبلور باتجاه هوية وطنية تستند إلى مفهوم الحرية والكرامة والمواطنة، بـ”تفكيك وتصديع” الهوية الوطنية السورية وحتى الهوية الشخصية، لذلك عمد في جانبي النزاع إلى تشكيل ميليشيات عسكرية وليس جيشًا، لافتًا إلى ضرورة التفريق بين مفهومي الجيش والميليشيات.

وشكّل النظام، في مناطق سيطرته منذ عام 2011، ميليشيات عسكرية موالية له، غير منضبطة أخلاقيًا أو اجتماعيًا أو عسكريًا تعتاش على “التعفيش والسرقة”، وفقًا للدكتور طلال مصطفى.

كما سهّل النظام وجود ميليشيات، إلى جانب الميليشيات السورية التي أسسها، واستقدم ميليشيات “ذات طابع طائفي”، لا تمتلك هوية وطنية في بلدها، سواء كانوا قادمين من لبنان أو العراق أو إيران.

وأما في جانب المعارضة السورية، فشُكّلت العديد من التنظيمات العسكرية غير المنضبطة، وميليشيات عسكرية غير منضبطة، لا تتبع لمنظومة قانونية أو أخلاقية توجهها، على حساب ما كان يسمى في البداية “الجيش الحر”، الذي بدأ من مجموعة عناصر وضباط لديهم البنية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية وحتى الهوية السورية، انشقوا عن جيش النظام، لأن بنيتهم الأخلاقية والاجتماعية لم تسمح لهم أن يروا قتل المواطن السوري، ورفضوا الاشتراك في قتله.

تشكيل الميليشيات كان رغبة من النظام، حسب طلال مصطفى، إذ أصبحت هناك ميليشيات متعددة موالية أو معارضة، غير متماسكة اجتماعيًا أو أخلاقيًا.

ونتيجة توقف المعارك وغياب إمكانية السرقة و”التعفيش” إلى حد ما، وخاصة في مناطق سيطرة النظام السوري، وجّه النظام في مناطقه وفي المناطق الأخرى مقاتلين سوريين لـ”الارتزاق” والقتال في ليبيا أو أذربيجان، كما يمكن أن يوجه آخرين للقتال في دول أخرى مستقبلًا.

“القتال” مهنة

لذهاب مقاتلين سوريين للقتال في بلدان أخرى أسباب عديدة، بحسب مصطفى، أهمها “الحاجة المعيشية الحادة”، إذ يحصل هؤلاء المقاتلون منذ حوالي عشر سنوات على دخلهم من خلال القتال أو من خلال “التعفيش” والسرقات، ولم تعد لديهم إمكانية استفادة مادية من هذه الحرب.

ولم يتعلم المقاتلون، سواء كانوا في صفوف النظام السوري أو في صفوف المعارضة السورية، مهنة للعمل والعيش منها، وفي حال تركوا القتال ضمن الميليشيات التي يلتحقون بها سيصبحون عاطلين عن العمل.

ولن يستطيعوا العمل، لأن المسألة المادية تحتاج إلى حل سياسي وإيجاد فرص عمل لهؤلاء الشباب من الجهتين.

وفرص العمل لا تتوفر إلا بحل سياسي في المستقبل ودورات تدريبية على مهن جديدة، وإلا سيبقى هؤلاء المقاتلون يعتاشون من “مهنة القتل” أينما ذهبوا، ليتمكنوا من الحصول على مبالغ للعيش لهم ولأسرهم.

وبات “القتال” مهنة أساسية، لذلك، حسب الدكتور طلال مصطفى، عندما يذهبون للمشاركة في معارك أذربيجان أو دول أخرى، فهم يذهبون بـ”مهمة قتالية وظيفية، تدر عليهم بضعة دولارات، ولا توجد أي خلفية سياسية أو وطنية أو حتى إنسانية أو أيديولوجية وراء هذه المهنة”.

وأكد الدكتور غياب منظومة قيمية أخلاقية أو خلفية أيديولوجية لا وطنية ولا دينية خلف قتال السوريين في أذربيجان أو ليبيا، أو أي وجهة طُلب منهم أن يذهبوا إليها.

وتوجد في العديد من الدول مجموعات ومؤسسات تعمل كمؤسسات مهنية للقتال أو للحراسة أو للحماية، وخاصة الأمريكية منها في العراق أو في العديد من الدول العربية، يرتادها المقاتلون للعمل في الاغتيالات أو لحماية بعض الشخصيات، وفي الحالة السورية، أصبح المقاتلون من هذا النمط ويمتهنون هذا العمل.

من جانب آخر، لا يبدو أنّ هناك سببًا عسكريًا قد دفع المقاتلين للقبول بعمليات التجنيد التي تقوم بها الشركات الأمنية، حيث يكون التركيز منصبًا للحصول على العوائد المادية، لكن قد يُستثنى من ذلك الوسطاء العسكريون السوريون في كلا الطرفين، الذين يقومون بمهمة الربط بين الشركات الأمنية والمقاتلين، وهؤلاء لا يهتمون فقط بالعوائد المالية بل أيضًا بالحماية والرغبة في تعزيز مواقعهم ضمن الوحدات العسكرية التي يوجدون بها، حسب الباحث عبد الوهاب عاصي.

عناصر من الجيش الوطني في معارك شرقي إدلب – كانون الثاني 2020 (فرقة السلطان مراد/تويتر)

الإعلام يسهم بتشكيل صورة نمطية سلبية عن السوريين

تعرف الصورة النمطية عامة بأنها الحكم الصادر لوجود فكرة مسبقة سطحية، لا يوجد فيها كثير من المعلومات عن فئة أو أمر معيّن، فيعمم الجمهور الصفة على مجتمع بأكمله ولا يخصصها.

ترسيخ الصور والأفكار النمطية في المجتمع يخدم مصالح الوسائل الإعلامية والحكومات، وأصحاب رؤوس الأموال، إذ تلعب الصورة النمطية السلبية دورًا كبيرًا في تبرير أمر ما، لأنه أصلًا يكون قد بدأ في عقول البشر قبل أن يطبق هذا الأمر على أرض الواقع.

وتتشكل الصور النمطية عادة من الصور التي يحصل عليها الجمهور من السياق الاجتماعي الذي يشمل أفراد مجتمع آخرين ووسائل الإعلام، لذلك قد تكون الصورة غير مكتملة، وأحيانًا تكون صورًا مشوهة عن الواقع.

مصطلح “مرتزقة سوريون” بدأ تداوله لأول مرة بشكل واسع مطلع العام الحالي، بعد حديث عن انتقال مقاتلين من “الجيش الوطني” إلى ليبيا للقتال إلى جانب حكومة “الوفاق” الليبية التي تدعمها تركيا، ضد اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

تداول هذ المصطلح عبر وسائل الإعلام أسهم بتشكل صورة نمطية عن الجمهور العربي بأن فئة كبيرة من السوريين هم “مرتزقة”، بحسب ما رصدته عنب بلدي من حسابات لناشطين عرب على موقع “تويتر”، بينما في الحقيقة لم يتجاوز عدد المقاتلين الذي نُقلوا إلى ليبيا في أحسن التوقعات بضعة آلاف.

مع اندلاع المواجهات بين أذربيجان وأرمينيا نهاية أيلول الماضي، عاد مصطلح “مرتزقة سوريون” سريعًا إلى وسائل الإعلام، إذ تسابقت وسائل الإعلام على نقل الأخبار، مع تركيز بعضها بشكل مبالغ فيه على حجم الخبر، ووصل ذلك إلى حد التضخيم، بحسب ما رصدته عنب بلدي من خلال تغطية عدة وسائل إعلامية.

كما برز، من خلال تغطية بعض وسائل الإعلام، استغلال أخبار نقل مقاتلين سوريين إلى مناطق النزاع خارج سوريا، لتعزيز مواقف سياسية بين الجهة الداعمة للوسيلة والجهة التي تنقل المقاتلين.

بالمقابل، أسمهت هذه الأخبار بتغذية أو تشكيل صورة نمطية عند الجهور العربي بأن جميع المقاتلين السوريين المعارضين هم ينقلون أو مستعدون للانتقال إلى خارج سوريا بهدف المشاركة في خلافات تغذيها أطراف دولية.

قال الباحث في الإعلام بجامعة “بروكسل” يزن بدران، في حديثه إلى عنب بلدي، حول إسهام وسائل الإعلام في تشكيل هذه الصورة النمطية عن السوريين، إن استخدام مصطلح “مرتزقة” له حجة منطقية لإطلاق هذه الصفة على المقاتلين الذين تنطبق عليهم إن كانوا سوريين في أذربيجان أو ليبيا (إن كانوا من الموالين للمعارضة أو النظام)، أو أفغانيين في سوريا، أو روسيين في أوكرانيا، لكن بالمقابل  هناك حجة قوية أخرى تناقض هذا الرأي، وهي أن كلمة “مرتزق” تحمل حكمًا قيميًا واضحًا حول هؤلاء الأشخاص، ومن وجهة النظر هذه، يكون الأفضل على وسيلة الإعلام إيجاد مصطلح أكثر حيادية مثل “مقاتل”.

وبحسب بدران، فهذا جدال حقيقي وليس هناك جواب واحد صحيح، ويمكن لك أن نرى مؤسسات مثل “BBC” أو “الغارديان” لا تزال غير قادرة على ضبط سياسة واضحة بالنسبة لهذا المصطلح، ولكن على الأغلب سيتجنبون كلمة “مرتزق” في العنوان، وقد تظهر في جسد المقالة.

تدريبات لفرقة السلطان مراد شمالي سوريا – 8 من آب 2020 (السلطان مراد/تويتر)

سببان للتركيز على المصطلح

هناك مبدأ يُعرف بأن “كل مجال يميل للامتلاء طبعيًا”، بمعنى أن الناس يلجؤون إلى ملء فراغ معرفتهم عن الطرف الآخر، بمعلومات ربما غير مؤكدة، وغالبًا تشكل هذه المعلومات الصورة النمطية عن هذا الطرف.

ويرى الباحث يزن بدران، أن التركيز الإعلامي على المقاتلين السوريين له سببان، الأول، وهو أكثر عمومية، يتعلق بتغطية المؤسسات الإعلامية الدولية للصراعات المحلية من وجهة نظر إقليمية، بما معناه أن من وجهة نظر المؤسسات الإعلامية الدولية، المستوى الإقليمي للصراع بين أذربيجان وأرمينيا (على مستوى التدخل التركي على سبيل المثال) له قيمة خبرية أعلى لجمهورها من الديناميكيات المحلية لذلك النزاع، وكذلك الأمر فيما يتعلق بليبيا وسوريا (على الأقل بعد التدخل الروسي).

أما السبب الثاني، وهو أكثر خصوصية بالصراع في أذربيجان، فيرجع إلى أن وجود مقاتلين أجانب في صراع ما، له دلالة على تحوله إلى صراع إقليمي (المقاتلون الروس في ليبيا أو أوكرانيا، الأفغان والميليشيات الموالية لإيران في سوريا، كما المقاتلون السوريون الموالون لتركيا في أذربيجان وليبيا)، مضيفًا أن هذا التطور، خصوصًا فيما يتعلق بالصراع حول قره باغ، وهو صراع تاريخي تم احتواؤه ومنعه من أن يتحول إلى صراع إقليمي، يدل على أن قواعد اللعبة تغيرت، وهو من الناحية الإعلامية له قيمة خبرية عالية.

تأثير على بقية السوريين

تلعب وسائل الإعلام دورًا مهمًا في التأثير بمواقف الجمهور، وآرائهم وتصوراتهم واتجاهاتهم، ويؤثر ما نتلقاه من البيانات والمعلومات والصور التي نستقبلها بتشكيل هذه الصور والاتجاهات، لذلك فإن لتناول وسائل الإعلام مصطلح “مرتزقة” أثرًا سلبيًا على بقية السوريين.

وسيكون لاستخدام مصطلح “مرتزق” تأثير سلبي على صورة المقاتلين السوريين (المنتمون للمعارضة بشكل خاص)، والمعارضة السورية بشكل أعم لدى الجمهور، وليس هناك شك بأن بعض المؤسسات الإعلامية التي تستخدم هذا الإطار يسعدها هذا الأمر، ولكن الفعل أسبق للوصف، وهو الأساس، حسب الباحث الإعلامي يزن بدران.

ويكمن دور المؤسسات السورية المستقلة في تحجيم هذا الضرر، حسب بدران، بالتركيز على العوامل التي تدفع مقاتلين سوريين للمشاركة في صراعات ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، وفي إبراز التعقيدات والاختلافات المحلية، أي في توضيح التناقضات الداخلية في تلك الصورة النمطية التبسيطية التي يضفيها مصطلح “مرتزق”.

من هم “المرتزقة”

بحسب الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد “المرتزقة” واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، الصادرة عن الأمم المتحدة في كانون الأول 1989، فإن المرتزق هو “أي شخص يُجنَّد خصيصًا، محليًا أو في الخارج، للقتال في نزاع مسلح، ويكون دافعه الأساسي للاشتراك في الأعمال العدائية هو الرغبة في تحقيق مغنم شخصي عبر مكافآت تقدم له من قبل طرف من أطراف النزاع”.

كما تضمنت الاتفاقية صفة المرتزق بأنه ليس طرفًا من طرفي النزاع، وليس من أفراد القوات المسلحة للطرفين، ولم توفده دولة ليست طرفًا في النزاع بمهمة رسمية، إضافة إلى أن هدفه هو مغنم شخصي و”الإطاحة بحكومة ما أو تقويض النظام الدستوري لدولة ما بطريقة أخرى”.

وباختصار التعريفات التي تضمنتها الاتفاقية، التي تضم 21 مادة، فإن “المرتزقة” هم أشخاص يتم تجنيدهم من قبل دولة ما ليحاربوا من أجلها في دولة أخرى بهدف تحقيق مكاسب سياسية.

واعتبر مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، في حديث سابق إلى عنب بلدي، أن من يذهب من المقاتلين السوريين إلى ليبيا “مرتزقة”، متسائلًا ما هو دافع أي سوري للقتال في ليبيا تحت راية تركيا سوى الحصول على إغراءات مالية.

وتحدث الأحمد لعنب بلدي أن الدول أصبحت تعتمد على مقاتلين “مرتزقة” غير جنودها للقتال باسمها في دولة أخرى لتحقيق مكاسب سياسية، لأن مقتل الجنود النظاميين يؤثر على الرأي العام والانتخابات فيها.

وتتعدد الأسباب التي تدفع المقاتلين للقتال تحت راية دولة ما في أرض غير أرضهم، منها مكافآت مالية قد تصل إلى مئات الدولارات، خاصة في ظل التدهور الاقتصادي التي تعاني منه الدولة التي ينتمي إليها المقاتل، ما يجعل انتماءه إلى الطرف الذي يدفع أكثر، إلى جانب وعود المقاتل بالحصول على جنسية البلد الذي يقاتل تحت رايته عند عودته من القتال.

عناصر من قوات النظام السوري على أحد تلال مدينة درعا جنوب المدينة – 2 شباط 2020 (AFP)

“المرتزقة”.. ظاهرة قديمة

مصطلح “المرتزقة” ليس جديدًا، بل تعد الظاهرة قديمة واتبعتها دول وإمبراطوريات على مدى القرون الماضية، كما فعلت الإمبراطورية الفرعونية المصرية أو البريطانية، وكان هاجس المقاتلين الأول والأخير كسب المال فقط، بحسب ما يقوله الباحث باسل يوسف النيرب، في كتابه “المرتزقة جيوش الظل”.

ورصد الباحث في كتابه، الصادر في عام 2008، تنامي ظاهرة “المرتزقة” في مناطق الصراع الساخن، إما “حفاظًا على حياة الجنود النظاميين، أو لأن الجنود النظاميين غير قادرين على الإمساك بزمام الأمور والسيطرة على المناطق الملتهبة، وحتى عندما يُقتل (المرتزق) أو يُسحل في الشوارع ويحرق، أو حتى يقع في الأسر، فلا أحد ينعاه، أو يجمع رفاته، أو حتى يفاوض من أجل إطلاق سراحه”.

أما في العصر الحالي فقد انتشرت الشركات العسكرية والأمنية الخاصة (غير الحكومية)، التي تجند مقاتلين وتدفعهم للقتال في دول أخرى، مثل شركة “بلاك ووتر” الأمريكية التي قاتلت في العراق.

قوانين ضبابية لـ”المرتزقة”

على الرغم من تحذيرات أممية للدول من تجنيد المقاتلين “المرتزقة” واتخاذهم وسيلة لانتهاك حقوق الإنسان وارتكاب المجازر والجرائم، فإن القوانين التي تحكم هذه الظاهرة لا تزال ضبابية تعتمد على المناخ السياسي القائم، إذ لم تتم محاكمة أي مرتزق بشكل علني وواضح في المحاكم الدولية حتى اليوم.

وأشارت الاتفاقية الدولية الخاصة بتجنيد “المرتزقة” إلى أن “تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم ينبغي أن يعتبر جرائم تشكل موضع قلق بالغ لجميع الدول، وأن أي شخص يرتكب أيًا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يحاكم وإما يُسلَّم”.

“مرتزقة” في سوريا

شهدت سوريا وصول “مرتزقة” روس عبر مجموعة “فاغنر”، وهي الاسم الرسمي لشركة عسكرية خاصة تجند “المرتزقة” الروس وتدربهم ثم ترسلهم للقتال، وهي أقرب إلى التشكيل المسلح الذي يؤدي مهام الجيش نفسها، لكنه منظم وممول من أفراد وليس من الدولة.

وكانت صحيفة “إر بي كا” الروسية الخاصة قدّرت نفقات روسيا على مشاركة “المرتزقة” في العمليات بسوريا بما يزيد على 150 مليون دولار، حتى تاريخ نشر المقال في أيلول 2016.

وتبدأ أجور عناصر “فاغنر” من حوالي 1500 دولار في أثناء التدريب بقاعدة “مولكينو” جنوبي روسيا، وتصل إلى خمسة آلاف دولار في أثناء المشاركة بالعمليات في سوريا، بحسب الصحيفة.

كما جندت إيران عشرات الآلاف من المقاتلين من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان لدعم النظام السوري.

واستغلت إيران الوضع القانوني الهش للاجئين الأفغان لديها، الذين تقدر أعدادهم بحوالي 2.5 مليون، وجندت أطفالًا بعمر 14 سنة للقتال في سوريا، وقدمت حوافز عن طريق عرضها تقديم الجنسية الإيرانية لعائلاتهم في حال توفوا أو أُصيبوا أو أُسروا خلال مهماتهم العسكرية، بحسب ما ذكرته منظمة “هيومن رايتس ووتش“.

مقالات متعلقة