fbpx

هشاشة أمنية في دير الزور تُنذر بفوضى لا حلول لها

عناصر من "قوات سوريا الديمقراطية" يشاركون في تشييع مقاتل في "قسد" في محافظة دير الزور شمال شرقي سوريا- 10 من نيسان 2019 (AFP)

ع ع ع

عنب بلدي – صالح ملص

في عام 2019، عقد “مجلس سوريا الديمقراطية” (الذراع السياسية لـ”قوات سوريا الديمقراطية”) مؤتمرًا للعشائر العربية في منطقة عين عيسى بريف الرقة الشمالي.

عُقد المؤتمر تحت عنوان “العشائر السورية تحمي المجتمع السوري وتصون عقده الاجتماعي“، وحضره مشايخ عشائر من المنطقة الشرقية من سوريا، والرئيس السابق لحزب “الاتحاد الديمقراطي” (الكردي)، صالح مسلم، إلى جانب مسؤولين في “مجلس سوريا الديمقراطية” على رأسهم إلهام أحمد.

جاء انعقاد المؤتمر في حين تشهد مناطق بريف دير الزور توترًا ومظاهرات رافضة للممارسات التي تقوم بها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من انتهاكات ضد المدنيين وسط توترات أمنية، بالإضافة إلى ترتيبات تركية لإنشاء “منطقة آمنة” على طول الحدود وإنهاء وجود تنظيم “الدولة” في المنطقة.

وبعد مرور عام على ذلك المؤتمر، ما زالت التوترات الأمنية مستمرة من خلال عمليات قتل رموز عشائرية في دير الزور، منذ آب الماضي، وسط توتر بين “قسد” وأهالي المنطقة، وكان أبرز تلك الاغتيالات، اغتيال شيخ عشيرة “البكارة”، علي الويس، وشيخ عشيرة “العكيدات”، مطشر الهفل، برصاص مجهولين.

في 4 من آب الماضي، خرجت مظاهرات تندد باغتيال شيوخ العشائر، والفلتان الأمني في المحافظة، إلى أن وصل هذا التنديد إلى فضاء التواصل الاجتماعي، ليستمر انتقاد “هشاشة” الوضع الأمني في المنطقة، مع استمرار اغتيال شيوخ عشائرها، و”غياب نوايا جادة” لإرساء الأمن والاستقرار في دير الزور من قبل “الإدارة الذاتية” العاملة فيها، مع “اختراقات أمنية” تُنذر بعودة تنظيم “الدولة” إلى المنطقة من خلال “خلايا هادئة”، وفق ما تحدث به المختص الأمني السوري عمر أبو ليلى عبر سلسلة تغريدات في حسابه عبر “تويتر“.

الاستقرار الأمني غاية كل سلطة.. العبرة في التطبيق

تسعى أي سلطة مهما كانت نواياها وبنيتها، السياسية أو العسكرية أو الإدارية، إلى تحقيق الاستقرار، بمعنى الهدوء الناتج عن فرض الذات بطريقة ما، سواء بالقبول الشعبي أو بالقوة.

والأمن شرط الانتقال من السيطرة إلى إدارة مراكز ومؤسسات المنطقة، وهذا ما تسعى إليه “قسد”، وهي الذراع العسكرية لـ”الإدارة الذاتية”، لكنها “فشلت كقوة مسيطرة في إدارة المنطقة وتحقيق الاستقرار”، وفقًا لما قاله الباحث السياسي السوري ماجد العلوش لعنب بلدي، موضحًا أنها “لم تهدف إلى الفشل حتمًا”، ولكن الهدف “لم يكن مقنعًا للناس”، كما أن أساليبها في الإدارة كانت “متخلفة وقاصرة”.

وإدارة المنطقة تمثِّل كل الجوانب والصفات العامة والمشتركة بين المجتمعات المبنية على “المحسوبيات، ونقص الخبرة، وتغليب الأيديولوجيا، والاستزلام، والفساد، والنزوع إلى السيطرة بكل الوسائل بما فيها القوة العارية”، وفقًا لوصف العلوش.

لذلك، فالمنطقة تشهد دائمًا توترًا داخليًا بسبب التباين بين فكر “قسد” وأدواتها وتطلعاتها وأهدافها من جهة، والواقع الاجتماعي والثقافي للمنطقة من جهة أخرى، وفقًا لعلوش.

وتلعب “الخلايا الهادئة” الموالية لتنظيم “الدولة” دورًا في استمرار التوتر الأمني الداخلي في دير الزور، من خلال تنفيذ العديد من العمليات والحملات الأمنية، وهي لا تزال نشطة في المنطقة، وتنفذ اغتيالات تستهدف المدنيين والعشائر وأعضاء من “الإدارة الذاتية”.

سباق لكسب العشائر يُفقد المنطقة أمنها

ولم يكن المجتمع في دير الزور وريفها راضيًا عن أي تغيير سياسي أو أمني طرأ على المنطقة منذ بداية الثورة في 2011 وحتى الآن، بحسب ما ذكره العلوش.

عدم الرضا هذا استفادت منه عدة جهات سياسية، لاستقطاب المجمتع العشائري في دير الزور لمصلحتها، ومن ضمن تلك الجهات النظام السوري، وفق العلوش، فالأعوام الأربعة الماضية شهدت تحركات لافتة تمثلت بسباق محموم بين أطراف النفوذ في سوريا للاستحواذ على ورقة العشائر، ما نتج عنه جعل المحافظة ساحة اقتتال “منفلتة” أمنيًا، ولذلك فمن الصعب ضبط الوضع الأمني في ظل الصراع العنيف بين القوى المحلية والإقليمية والدولية على المنطقة، بالإضافة إلى “القوى العابرة للحدود، التي لا تجد وسيلة للدخول إلى الساحة إلا عبر إحداث الفوضى، كونها مفتقرة إلى الواجهة السياسية المقبولة دوليًا”.

وأصدر “التحالف العربي الديمقراطي في الجزيرة والفرات” تحذيرًا من تداعيات سياسات “قسد” في المناطق الشرقية، خصوصًا بعد اغتيال شيوخ العشيرتين، معتبرًا أن ذلك يصل بتطورات المنطقة الشرقية إلى مرحلة “عدم الاحتواء”.

ويأتي ذلك بعد حصار” قسد” بلدات ذيبان والشحيل والحوايج وعدد من القرى شرقي دير الزور أو ما يعرف بـ”خط الجزيرة“ ومنطقة العكيدات، ومنعت بموجبه التجول كاملًا والخروج من المنازل، ونشرت مزيدًا من الحواجز في المنطقة عقب المظاهرات.

وبين نفي “الإدارة الذاتية” وتوجيه الاتهامات لها من قبل عدة أطراف، من بينها المعارضة السورية، لا تزال الجهة المسؤولة والمستفيدة من هذه الاغتيالات المستمرة مجهولة.

الحل بإيجاد أمن اجتماعي ذاتي

وتعتبر المنطقة هدفًا استراتيجيًا لجميع الجهات السياسية، بسبب غناها بثرواتها الطبيعية وهشاشتها الداخلية الناتجة عن ظروف محددة ذات بُعد تاريخي، لذلك من الصعب فرض الأمن عبر الوسائل التقليدية، أي القوة المسيطرة من الخارج، كما شرح العلوش، فالأمن الاجتماعي الذاتي يشكل وسيلة أفضل في وضعية الافتقار إلى القوة المركزية الفاعلة والمقبولة كما هي الحال في المنطقة الشرقية من سوريا.  وهذا الأمن الاجتماعي الذاتي يشترط اقتناع الناس به وبظروفه كي لا يتحول إلى فوضى و”زعرنات”.

ويتطلب تحقيق الأمن الاجتماعي الذاتي وعيًا سياسيًا واجتماعيًا متداخلًا، وهي الحالة التي “تفتقر إليها المنطقة بشكل واضح في ظل التشرذم الاجتماعي ذي الجذر العرقي، ومحاولات تسويق التطرف الديني واستخدامه أداة للاختراق الأمني من قبل أطراف عدة”، وفق رأي العلوش.

وتفتقر دير الزور إلى قيادة تضع مصلحة المنطقة في المقدمة، وعمليات التجنيد التي تقوم بها أطراف إقليمية ودولية لزعزعة الاستقرار ونشر الفوضى كوسيلة فضلى لتحقيق الاختراق وإيجاد موطئ قدم لها، كلها عوامل تنتج الحالة المأساوية التي تعيشها منطقة دير الزور، وفق العلوش.

وبالإضافة إلى إيجاد أمن اجتماعي ذاتي، يتطلب الأمر موقفًا صريحًا وحازمًا من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الداعم لـ”الإدارة الذاتية” يضمن الأمن الخارجي للمنطقة، ما يوفر حدًا معينًا من الطمأنينة للناس، يدفع إلى العمل العسكري بعيدًا عن المنطقة لتجنيبها دفع ثمن أمني باهض، وفقًا للعلوش، والعمل على لملمة  الشتات الاجتماعي لخلق قوة محلية فاعلة وقادرة على إعادة هيكلة إدارة المنطقة على كل المستويات، وفي مقدمتها المستوى السياسي، بحيث تصبح أكثر تمثيلًا على أرض الواقع لا تتبع لمرجعيات مختلفة، وأصدق تعبيرًا عن البنى الاجتماعية والثقافية بعيدًا عن “بازارات المصلحة الخارجية”.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة