fbpx

بالتراضي أو الاستغلال.. أجور عمال المياومة بلا حد أدنى في إدلب

عمال يقطفون الزيتون لقاء أجرة يومية في إدلب - 16 تشرين الأول 2020 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

ع ع ع

إدلب – إياد عبد الجواد

تمسح أم خالد جبينها بيدها المشققة المصبوغة باللون الأخضر وهي جالسة بغرفتها الوحيدة أمام أطفالها الأربعة بعد عودتها من العمل بقطاف الزيتون.

تسع ساعات تقضيها الأرملة الأربعينية في العمل يوميًا لتحصل بالكاد على عشر ليرات تركية في اليوم، “لا خيار آخر لدي”، قالت أم خالد لعنب بلدي، مشيرة إلى عدم امتلاكها خبرة أو شهادة تؤهلها للحصول على عمل آخر يؤمّن دخلًا أفضل.

ساعات العمل الطويلة شائعة في شمال غربي سوريا، لكن الأجر المتدني، الذي لا تضبطه قوانين أو سلطات، ليس كافيًا لإعالة عائلة ولا فرد.

ساعات عمل وأجور بلا ضبط

يستعين المزارع يحيى زكور بعمال مؤقتين خلال فترة قطاف الزيتون في أرضه، ويحدد لهم أجرة العمل “بالتراضي”، حسب وصفه.

يحصل كل عامل يبلغ قطافه 50 كيلوغرامًا في اليوم على عشر إلى 15 ليرة تركية، “نقلل الأجرة لأن تكاليف نقل الزيتون وعصره غالية”، حسبما قال يحيى لعنب بلدي.

أم خالد تصف الأجرة التي تحصل عليها بأنها “غير مرضية”، لكنها تعتبرها أفضل مما حصلت عليه سابقًا عند تجربتها العمل في معامل النايلون، التي لم تحصل خلالها في اليوم سوى على خمس ليرات تركية، “في حال أردنا الشكوى يرد علينا صاحب الأرض أن بإمكاننا عدم المجيء إن لم تعجبنا الحال”.

تحديد الأجرة وفقًا للإنتاج

لا يوظف محل الحلويات في كفرعروق بريف إدلب الشمالي المتزوجين والمسؤولين عن إعالة عائلاتهم، “لا أستطيع أن أقدم لهم أجرًا كافيًا”، كما قال مالك المحل الثلاثيني محمود قطاف.

يعمل في محله ستة عمال لا تتجاوز أعمارهم 15 أو 16 عامًا، ولا يتقاضون سوى 15 ليرة تركية بالأسبوع، “أجورهم لا تساوي عملهم، إنهم يستحقون ما يزيد على ذلك، لكن المرابح قليلة لأن الغلاء عام”، برر محمود لعنب بلدي.

ثلث العائلات في شمال غربي سوريا تعتمد على العمالة اليومية كمصدر للدخل، وفقًا لتقييم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، و71% من أهالي القرى والمدن يرسلون أبناءهم للعمل، في حين ارتفعت هذه النسبة إلى 83% لدى النازحين، وفقًا لاستطلاع أجرته مبادرة “REACH” في المنطقة خلال آب الماضي.

ساعات العمل في فرن “الجبل الآلي” لا تزيد على خمس إلى ست ساعات في اليوم، لأن “الإنتاج قليل”، كما قال مديره حسان دلو، الذي كان مشغولًا بصيانة الآلات ويغطي يديه سواد الشحم بدل الطحين الأبيض.

يشعر حسان بـ”الاستياء” لحال العمال في المنطقة، مشيرًا إلى أن الأفران لا تقدم للعاملين بها غالبًا سوى خمس أو ست ليرات باليوم “إن اشترى العامل ربطتين إضافيتين من الخبز يكون أجره قد انتهى”، في حين تبلغ أجرة العاملين الـ12 في فرنه عشر ليرات، “نحن نعطيهم ما يزيد على الإنتاج الذي نقدمه في اليوم”، كما قال الرجل الأربعيني لعنب بلدي.

تحويل العملة “زاد الوضع سوءًا”، حسب تقدير حسان، فاعتماد التعامل بالليرة التركية منذ تموز الماضي نتيجة تدهور قيمة العملة السورية لم يسهم بتثبيت الأسعار كما كان يفترض. يحسب أرباب العمل قيمة الراتب بالليرة السورية ويحولونها إلى التركية ليقدموها للعامل، ونتيجة تناقص قيمة العملة التركية قلّت قيمة الأجور أكثر، “العامل منسي وكل صاحب عمل وورشة هو من يتحكم بالأجور”، كما أضاف حسان.

لا خيارات للعمل.. ولا رقابة قانونية

جرب أحمد العمل بمجالات مختلفة قبل أن يستقر على عمله بالفرن منذ ثلاثة أشهر، “العمل هنا جيد، لا شهادة دراسية لدي ولم أجد عملًا ثابتًا”.

عمل الشاب البالغ من العمر 20 عامًا بالخياطة والحدادة وتجارة المفروشات المستعملة قبل البدء بالتعامل مع العجين والطحين، لكن الأجر الذي يمنحه إياه مديره حسان “لا يكاد يكفي لتأمين السجائر”، كما قال لعنب بلدي.

سن القوانين الناظمة لعمل السكان في المنطقة ليس من اختصاص وزارة الاقتصاد والموارد في حكومة “الإنقاذ”، كما قال مدير العلاقات العامة التابع للوزارة، محمد دعبول، لعنب بلدي.

تحديد قيمة الحد الأدنى للأجور اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية بانتظار “استصدار قانون لإحداث نقابات للعمال واتحادات للحرفيين”، كما كتب دعبول في مراسلة إلكترونية للرد على استفسارات غياب جهود السلطة الحالية لحماية العمال من الاستغلال، مشيرًا إلى أن النقابة المستقبلية هي التي سيكون عليها حماية حقوق العمال وتطبيق الرقابة على أصحاب العمل وفق تقديره.

يقل معدل دخل عمال المياومة الشهري عن 55 دولارًا، حسب تقييم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وهو أقل من المعدل العام في سوريا الذي يبلغ 63 دولارًا.

تضطر العائلات للعمل بالأجور المتدنية، لأن معظم أفرادها لا يجدون عملًا بديلًا، ورغم مصاعب الحصول على العمل فإن 81% من الرجال بعمر ما بين 17 و64 عامًا يعملون، في حين لم تعمل سوى 6% من النساء بذات الفئة العمرية، وتحتاج أغلبية العائلات للاستدانة لتأمين احتياجاتها، لأن 71% منها لا يكفيها الدخل الذي يؤمّنه أفرادها.

ووفقًا لاستطلاع لمبادرة “REACH“، فإن الأجر اليومي لمعظم العمال لا يتعدى 3200 ليرة سورية، أي أقل من دولار ونصف.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة