fbpx

السوريون الشجعان الذين مهّدوا طريق محاكمة “كوبلنز”

ع ع ع

منصور العمري

بعد سنين من العمل المضني والخيبات على طريق العدالة، بدأت، في 23 من نيسان/ أبريل الماضي، المحاكمة الأولى في العالم للتعذيب الذي ترتكبه الدولة السورية في كوبلنز بألمانيا. اتهمت النيابة الألمانية السوريين أنور رسلان وإياد الغريب الموظفين السابقين في جهاز مخابرات الأسد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سوريا. بالنسبة لمعتقل سابق وناجٍ من التعذيب مثلي، كان هذا اليوم تطورًا رائدًا، وأتاح الأمل لعديد من السوريين الذين عاشوا عقودًا من الظلم.

تثير المحاكمة أسئلة كثيرة بالطبع. كيف أصبحت المحاكمة ممكنة؟ ما مكانها في سياق العدالة الأوسع والأكثر شمولية التي يطالب بها السوريون؟ ما الدروس التي تقدمها هذه المحاكمة في طريقنا الطويل نحو العدالة؟ سأحاول الإجابة عن هذه الأسئلة في مقالات لاحقة.

ما الذي جعل محاكمة التعذيب في كوبلنز ممكنة؟

محاكمة “كوبلنز” غير عادية على عدة مستويات. لم تذهب الشرطة الألمانية إلى مسرح الجريمة لجمع الأدلة، بدلًا من ذلك، تم جلب الأدلة من الخارج للسلطات الألمانية للتحقيق فيها. وصلت الأدلة إلى ألمانيا من خلال الشهود والضحايا والأدلة المادية التي جُمعت من سوريا خلال عمليات شجاعة وخطيرة، من قبل محامين وناشطين سوريين وآخرين. جاء المتهمون إلى ألمانيا كلاجئين، وكذلك فعل الضحايا والشهود والمدّعون الذين حملوا آمالًا في العدالة وآمالًا في سوريا آمنة يمكنهم العودة إليها يومًا ما.

نُقل سياق الجرائم أيضًا إلى ألمانيا وخارجها من خلال عديد من التقارير الموثوقة والمهنية، والتحقيقات التي أجرتها كل من مجموعات حقوق الإنسان السورية والدولية، مثل منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش“. ساعدت المعلومات حول فرع المخابرات “251”، الذي عمل المتهمان فيه، والفروع الأخرى لشبكة الأسد الفظيعة للتعذيب، على تكوين صورة لاستراتيجية النظام في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. لم تكن هذه التقارير ممكنة لولا مساعدة عديد من ناشطي حقوق الإنسان السوريين الذين أسهموا في أبحاث التقارير.

إذن، ما الذي حدث قبل هذه المحاكمة وجعلها حقيقة؟ ماذا حدث قبل بناء ملف الدعوى ووصولها إلى المحكمة؟

يجب أن تتوفر عدة عناصر قبل وصول القضايا إلى المحاكم، بما فيها الاختصاص القضائي والشهود والأدلة المادية والتوثيق. لكن في حالة هذه المحاكمة، لم يكن أي من هذه العناصر اعتياديًا.

قبلت محكمة “كوبلنز” هذه الدعوى، لأن القانون الألماني يتيح محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية مهما كانت جنسيتهم أو جنسية ضحاياهم وبغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة، وهي الولاية القضائية العالمية التي تتوفر في بعض دول العالم، من بينها أيضًا النرويج والسويد.

معظم الضحايا والشهود هم من اللاجئين السوريين في ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى. لو لم يكن هناك ضحايا شجعان يقدمون شهاداتهم في المحاكم، لما رأت هذه المحاكمة الضوء.

كما شملت الأدلة أدلة رقمية، مثل صور “قيصر”، وورقية، مثل وثائق حكومية رسمية مهربة، وشهادات الضحايا والشهود.

لا تزال صور “قيصر” قادرة على صدمتنا كل مرة، وخاصة بالنسبة للذين اكتشفوا أطفالهم أو أزواجهم أو بناتهم بين هذه الصور. تقدم هذه الصور بعضًا من أقوى الأدلة على قيام نظام الأسد بقتل ممنهج وواسع النطاق للمعتقلين تحت التعذيب.

عدد قضايا القتل المتهم بها أنور وإياد مرتبط بعدد الجثث في صور “قيصر” التي جاءت من الفرع “251”. مع ذلك، فالعدد الحقيقي للقتلى في الفرع المذكور أعلى بكثير، إذ إن الفرع لم يرسل الجثث إلى مكان التقاط صور “قيصر”، ولكن إلى أماكن أخرى مثل مستشفى “حرستا العسكري“.

كيف وصل الدليل الورقي إلى المحكمة؟

بدأت لجنة العدالة والمساءلة الدولية (CIJA) والمركز السوري للعدالة والمساءلة (SJAC) بمساعدة شبكة من الناشطين السوريين في تهريب وثائق حكومية سورية سرية إلى خارج البلاد عام 2012. قُتل وجُرح بعض هؤلاء الناشطين، أو اعتقلوا في أثناء تهريب تلك الوثائق.

أول ضحية من هذه الشبكة أُصيب بالرصاص عام 2012، بينما كان يركض باتجاه طريق تهريب خارج سوريا بحقيبة مليئة بالوثائق. أُصيب آخرون خلال عمليات تهريب الوثائق. قُتل شقيق نائب رئيس محققي اللجنة في كمين نصبته القوات السورية. اعتقلت محققة سورية عام 2014 واحتجزها النظام السوري. كما خطفت الجماعات “الجهادية” عديدًا من السوريين المشاركين في تهريب الوثائق وأُطلق سراحهم في وقت لاحق. نحن السوريين الذين نؤمن بالعدالة ذات المصداقية وحقوق الإنسان وسيادة القانون نحيي كل أولئك السوريين الشجعان الذين ضحوا بحياتهم للمساعدة في كفاحنا الطويل من أجل العدالة، والذين لا يمكننا ذكر أسمائهم ولكننا نتذكرهم جميعًا.

وعلى الرغم من أن بعض الناشطين لم يكملوا مهامهم لتهريب الوثائق خارج سوريا، فإن كثيرين فعلوا ذلك. تم استخراج حوالي 800 ألف وثيقة أصلية صادرة عن النظام السوري، بما فيها من فروع الأمن السياسية والعسكرية وأمن الدولة، وتحتفظ بها لجنة العدالة والمساءلة الدولية في مكان سري بأوروبا. تُستخدم هذه الوثائق الآن لبناء قضايا قانونية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام السوري، بما فيها محاكمة “كوبلنز”.

لو لم يكن المتهمان، أنور رسلان وإياد الغريب في ألمانيا، لما كانا قيد المحاكمة. هذا صحيح، ولكن أيضًا إذا لم تكن هناك أدلة ووثائق متاحة، فلن تبدأ المحاكمة.

تُظهر محاكمة التعذيب في كوبلنز الدور الحيوي للتوثيق والجهود الجماعية، وأهمية عدم السماح للتشاؤم واليأس بإرخاء الظلال على الرغبة في العدالة. أصبحت المحاكمة ممكنة فقط بسبب العمل الجماعي للسوريين وشركائهم الدوليين الذين لم يتخلوا عن التضامن والعدالة. آمنوا أن العدالة ستبدأ يومًا ما، وضحوا بالكثير لإعداد الأدلة لمحاكمة “كوبلنز” والمحاكمات المستقبلية الأخرى، التي سيكون هناك مزيد منها بالتأكيد.

هذا المقال مترجم بتصرف عن المقال الأصلي الذي نُشر للمرة الأولى في مدونة منظمة العفو الدولية بالمملكة المتحدة، باللغة الإنجليزية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة