fbpx

نحت على الطريقة السورية

ع ع ع

نبيل محمد

أفضل ما في شيوع نقد الأعمال الفنية في فضاءات “السوشيال ميديا”، وتحوّل بعض هذه الأعمال إلى “تريند” مباح أمام الجمهور للسخرية منه وانتقاده، ولصقه ضمن صور، أو تحت مقولات معروفة أو سائدة، أو تصميم “البوسترات” عنه، أنها تعطي أحيانًا قيمة مضافة لهذا العمل لم تكن موجودة فيه أصلًا، قيمة تسلية الجمهور عن بُعد، ولعل أغلب الأعمال النحتية التي تم نصبها في شوارع دمشق ومدن سورية أخرى خلال السنوات الماضية، وقعت في هذا الموقع، حيث كل ما صُمم ونُصب كانت له تصميمات أخرى في الفضاء الافتراضي، لانتقاد المستوى الفني المتدني، وضعف أو تسطّح الذائقة عند الجهات المشرفة على نصب تلك التماثيل.

من منحوتات الجندي العربي السوري المنتشرة اليوم في عشرات المدن السورية، إلى مجسم الحذاء العسكري والرصاصة في مدخل مدينة اللاذقية، مرورًا بعشرات المجسمات الأخرى التي تستمد أفكارها وأشكالها من إدارة التوجيه المعنوي بطريقة أو بأخرى، فتكون كلها ذات رمزية مرتبطة بجيش النظام وجنوده وأحذيته ورصاصه ومقولاته وشعاراته، وصولًا إلى رأس الحصان، تلك المنحوتة الجديدة التي ذاع صيتها وسط حي المالكي بدمشق، وعلى صفحات وسائل التواصل لدى سوريين في الداخل والخارج، في انتقاد بدأ من نسخ هذا العمل عن عمل فني اسمه “مياه راكدة” للنحات البريطاني نيك فيديان غرين، وهو عبارة عن رأس برونزي لحصان بارتفاع  عشرة أمتار، موجود في حديقة “هايد بارك” بلندن، وهو ما برره النحات السوري حسام جنود الذي أنجز النسخة السورية من الرأس، وهي بالمناسبة نسخة أصغر، حيث لا يزيد الارتفاع على أربعة أمتار بسبب صغر المرسم وصعوبة تنفيذ الأحجام الكبيرة، بأنه طبيعي في عالم النحت، حيث يقوم النحاتون بنسخ الأعمال عن بعضهم وتطويرها، وهكذا يتطور فن النحت برأي النحات، الذي اضطر لحفر حفرة في مرسمه لكي تتسع لارتفاع رأس الحصان، تلك المعلومة التي قدمها في آخر لقاءاته، جاءت لتُظهر مدى ضعف الإمكانيات، والمصاعب التي خاضها، لكنه استطاع بالنهاية إنجاز ما يرنو إليه. أسلوبية النحات بالرد على الانتقادات هنا هي أسلوبية شائعة جدًا في “الميديا” السورية، تفترض أن أي نقد لأي عمل، يجب أن يأخذ بالحسبان الظروف التي أُنجز فيها هذا العمل، وتضحيات القائمين عليه.

النحات السوري استهل اللقاءات التي أُجريت معه بعد نصب المنحوتة بالرد على المعلقين على منجزه، لا أكثر، يظهر في مجمل حواراته، التي كان آخرها مع وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) قبل أيام، وكأنه ضحية يدافع عن نفسه أمام فيض النقد والسخرية، مكررًا فكرة أن لغة النحت تتضمن ما لا يعرفه العامة، ومؤكدًا أنه ليس نحاتًا مستجدًا وليس رأس الحصان أول أعماله، بل له منحوتة أخرى موجودة في جديدة عرطوز بدمشق تمثّل مقاتلًا في الجيش السوري، وأن رمزية الحصان أيضًا لم تخرج عن الرسالة الوطنية التي يريد النحات توجيهها، وهي أن الحصان رمز للحضارة والكبرياء والصمود.
حسام جنود ووائل فضة (صاحب منحوتة الحذاء والرصاصة)، وغيرهما من النحاتين الذين يحفرون بسكين النظام ويلوّنون بريشته، لديهم الفرصة اليوم لملء الساحات والشوارع والحدائق بأعمالهم الفنية، وهم يستغلون هذه الفرصة، فإن صادف وكانت لدى أحدهم موهبة حقيقية، ربما سيكون مستوى تشويهه للمكان أقل من زميله الذي لا موهبة لديه، وسوى النحاتين اليوم المئات على خشبات المسارح وفي دور العرض، وأمام وخلف كاميرات السينما، يعرفون أن هناك فرصة ذهبية للإنتاج والظهور، ولن يطالهم في النهاية سوى النقد الفني، وحديث “السوشيال ميديا”، فلن يقول عنهم أحد إنهم تجار حرب.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة