fbpx

جبر الشوفي يحاور السوريين في ستراسبورغ

ع ع ع

إبراهيم العلوش

على مسافة من البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، اجتمع عدد من السوريين للحوار في المصير السوري وتحت عنوان “سوريا إلى أين؟”، وذلك في 18 من تشرين الأول الحالي، بمقر جمعية “الألزاس- سوريا”.

وعلى عكس حوارات البرلمان الأوروبي المبنية على نقاش بين كتل وأحزاب واتجاهات منظّمة، وتعتمد التصويت على الأفكار وعلى الخطط الممنهجة والمدروسة من قبل خبراء تقنيين واجتماعيين وقانونيين، فإن السوريين الذين حضروا الحوار كانوا أفرادًا من أحزاب ومن طوائف مختلفة، وكان الهمّ السوري الضاغط هو ما يجمعهم في بلد اللجوء الذي وجدوا أنفسهم فيه وهو فرنسا.

جاء السوريون إلى محاضرة جبر الشوفي من مدن فرنسية متعددة، وكان الحضور وديًّا وكذلك الحوار كان في منتهى اللطف رغم إشكالية الأفكار المطروحة، والقلق الكبير من إعادة هندسة المجتمع السوري من قبل النظام ودول الاحتلال من أجل إنتاج حروب دائمة تشغل السوريين عن مصير وطنهم وتلهيهم بالثارات الشخصية أو الطائفية أو القومية.

تحدث المحاضر عن سيناريوهات المستقبل السوري المحتملة، وأهمها توافق دول الاحتلال على إبقاء بشار الأسد مع منظومته المخابراتية واستثمار الحروب والحساسيات الطائفية، وإعادة اجترار مصائب الحرب، وإلقاء التهم لإعادة إشعال الحروب التي ستريح الدول المتلاعبة بالوضع السوري، وهذا الأمر شديد الاحتمال بعد إعلان النظام والروس والإيرانيين انتصارهم على الشعب السوري الثائر ضد الظلم، واتهام كل من لا يقبل ببشار الأسد بأنه إرهابي وداعشي وما إلى ذلك من تهم جاهزة تمتد حتى “سندويشات بندر” المحشوة بالدولارات.

السيناريو المقابل حسب المحاضر، هو التوافق السوري عبر الأمم المتحدة على إعادة كتابة دستور سوري يضمن حقوق المواطنة، ويضع الأسس الحقيقية لتطبيقها مع تطبيق القرار 2254، الذي يعيد إنتاج نظام سوري جديد، ويحاسب كل من ارتكب أو شارك بارتكاب الجرائم ضد السوريين.

السؤال الأكثر صراحة الذي طرحه المحاضر هو هل هذه الثورة مجرد ثورة سنيّة تستهدف الطوائف الأخرى، وهل ستكون نتائجها طائفية على منوال الحكم الطائفي الموجود اليوم، وما الضمانات لقوى الثورة من أبناء الطوائف الأخرى ألا يكون الأمر مجرد تبادل أدوار القمع بين الأغلبية والأقليات بشكل يعيد إنتاج الحروب الأهلية إلى ما لا نهاية؟

كان السؤال مفاجئًا بجرأته من قبل سياسي وطني وعابر للطوائف، فجبر الشوفي هو ابن محافظة السويداء المنتسب سابقًا للحزب “الشيوعي السوري”، والذي عاش في مدينة حلب وتزوج من إحدى نسائها، وكان أحد أوائل الموقعين على “إعلان دمشق” 2005، والمعتقل السابق لدى النظام، والمهجّر حاليًا خارج سوريا رغم بلوغه الـ73 من عمره.

كان الرد من قبل معظم المحاورين بأن هذه الثورة هي ثورة لرفع الظلم عن كل السوريين، وأن أي استبداد طائفي سيضر أولًا بأهل طائفته كما حصل باستبداد النظام بالطائفة العلوية، حيث وضع أبناءها في مواجهة المطالبين بالحرية بحجة أنهم مجرد سنّة حاقدين على النعيم الذين يعيشونه في ظل حكم الأسد، وضحى النظام بعشرات الآلاف منهم وهم اليوم لا يجدون جرة الغاز ولا مازوت التدفئة، ولا الكهرباء ولا بنزين السيارات، ويتزاحمون في طوابير لا نهاية لها، ويختبئ كثير من شبانهم في الجبال كي لا يموتوا في حروب الأسد والروس والإيرانيين.

وكذلك التنظيمات الطائفية التي ادّعت احتكار تمثيل السنّة مثل “الإخوان” والتنظيمات المتطرفة و”النصرة” و”داعش” التي كانت خطرًا على السنّة أنفسهم وعلى السوريين جميعًا، كما علّق موفق الطرودي. وبحسب التعليق السابق، بقدر ما كان النظام خطرًا على العلويين وعلى السوريين جميعًا، تسببت هذه التنظيمات الطائفية بقتل الشباب ورهنهم لدى الدول الداعمة وإدخالهم في صراعات لا تنتهي بإرادتهم بل بإرادة الآخرين.

دولة المواطنة ودولة حكم القانون هي الحل، حسب المحاضر والمحاورين، أمام الحروب التي تهدد الكيان السوري بلا نهاية، والتعابير الإنشائية التي يحتويها الدستور السوري الحالي لا تحمي المواطن من ظلم المخابرات ولا من قصف الجيش المدن والقرى، ولا تحمي كرامة الأكثرية ولن تحمي كرامة الأقليات كما يدعي النظام.

السوريون بحاجة إلى مراجعة أخطائهم كما قال مدير الندوة، الدكتور محمد أمين ميداني، أستاذ حقوق الإنسان في جامعة “ستراسبورغ”، وعلينا أن نطرح السؤال بكل صراحة بعد كل هذا الجحيم، كما فعل اليابانيون بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية وبعد قصف مدنهم بالقنابل النووية، لقد طرحوا عبارة وطنية وشعارًا للحوار هو “أين أخطأنا؟”. لم يغرقوا بنظريات المؤامرة وإلقاء اللوم على هذه الجهة أو تلك، كانوا صريحين وصادقين في تجرع الحقيقة المرّة من أجل إعادة البدء وإعادة الإعمار، فهل تكون القوى الوطنية السورية قادرة على مراجعة الذات وإعادة بناء نفسها بشكل وطني صادق لا يهدد الآخرين، ولا يهدر حرية وكرامة المواطن، وهل السوريون قادرون على بناء كيانات سياسية جديدة، بعد نبذهم للكيانات السياسية في بنية النظام، وفي بنية المعارضة، التي أسهمت في الكارثة، وتنصلت من مسؤوليتها بحجة الأخطاء الفردية والمؤامرة الدولية التي وصلت إلى أن تكون مؤامرة كونية حسب إعلام النظام.

القاعة التي دار الحوار السوري فيها لا تتعدى مساحتها مساحة غرفة جانبية من غرف البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، ولكن الأفكار والصدق والصراحة التي تم فيها النقاش شكّلت فضاء واسعًا يبعث الأمل في إعادة الحوار والفاعلية التي فقدها السوريون في تقرير مصير بلادهم، حيث تناهبها الروس والإيرانيون والأمريكيون والإسرائيليون والأتراك والخليجيون وتنظيمات جبال قنديل والفصائل الدينية المتطرفة، وتم ترك السوريين ينتظرون الهبات والمساعدات الدولية في وجه الكوارث التي تتوارد عليهم من قصف ومن تعذيب ومن تهجير وحرمان.

محاضرة جبر الشوفي في ستراسبورغ والحوار الذي أغناها، كانت خطوة صحيحة في رحلة الألف ميل التي على السوريين قطعها من أجل الوصول إلى السلام الحقيقي.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة