fbpx

رواية “الخوف”.. عندما يتحوّل الجاني إلى ضحية

ع ع ع

يقدّم الكاتب النمساوي ستيفان سفايغ في رواية “الخوف” قصة مبنية على قول الكثير في القليل، وتكثيف المشهد، وتجسيد تفاصيل الإحساس البشري في لحظة خوف قد تودي بصاحبها إلى اليأس.

يفتتح سفايغ روايته بواحد من مشاهد الذروة الروائية، ليجد القارئ نفسه منذ الصفحة الأولى شاهدًا على ملامح خيانة تتأرجح بين الفضيحة والابتزاز.

إيرين، امرأة متزوجة وسيدة مجتمع راقٍ، يجرفها سأمها من الطبقة الأرستقراطية لتعيش علاقة غرامية مع عازف بيانو شاب، يحرّكها الخروج عن النمط وكسر المألوف، ولن تلبث هذه العلاقة أن تتحوّل إلى هاجس مقلق يسيطر على حياة السيدة بعدما وقع سرها صيدًا بيد امرأة لم يمنحها الكاتب حتى اسمًا، وستسعى الأخيرة لابتزاز إيرين التي يستيقظ خوفها من الفضيحة كالمارد.

هذا الخوف الذي سيرافقها طوال عمر الرواية، سيفتح باب الشك على مصراعيه أمام زوجها المحامي فريدز.

يسعى الزوج إلى إقناع إيرين بالإفصاح عن دواعي خوفها، عبر حديث فيه من الصراحة والحكمة أضعاف ما فيه من المواربة، جرى ذلك بعد محاكمة صورية طبقها على طفليه بحضور الأم الخائفة، مؤكدًا أمامها عبر رسائل تطمينية غير مباشرة أن “الخوف من العقاب أشد وطأة من العقاب نفسه”.

يجعل الكاتب بطلة روايته، خلال جو من الإثارة والتشويق، ضحية لمخاوفها، تتربصها الفضيحة المحبوسة بين شفتي امرأة بلا اسم، استطاعت تحويل إيرين من جانٍ إلى ضحية يتعاطف معها القارئ بدل لومها، جراء تعرضها لابتزاز مخطّط له ومقصود، أفقدها توازنها ورغبتها بالعيش، ما دفعها للبحث عن خلاصها.

صدرت الرواية عام 1920، وتبناها مخرجون عالميون، أمثال هانس ستانيهوف، والإيطالي روبرتو روسلّيني، الذي قدّمها فيلمًا من بطولة إنغريد بيرغمان، وحوّلتها المخرجة الفرنسية إيلودي مينان إلى مسرحية عُرضت على مسرح “ميشيل” الباريسي.

يُمسك الكاتب بيد القارئ عبر 83 صفحة شكّلت جسم الرواية، ويأخذه في رحلة استكشاف عميقة لأكثر المشاعر البشرية قسوة وخطورة ووحشية، الخوف.

ويسخّر الكاتب كل أدواته الفلسفية والنفسية لتشريح الخوف المكتسب، الذي لا يشبه ذلك الخوف الفطري الذي يولد مع الإنسان كرد فعل عفوي أمام ما يهدّد ذاته واستقراره من أحداث مؤذية.

ويشرح سفايغ كيف يمنع الخوف صاحبه من رفاهية تفسير مشاعره ونوازعه البشرية، في حين يتحوّل الجسد بعقله وقلبه إلى أداة للدفاع عن النفس.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة